تداعيات الحرب التجارية بين بكين وواشنطن

احمد فؤاد حسن

باحث في العلاقات الاقتصادية الدولية

مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

ايلول-سبتمبر2018

بعد فشل المفاوضات بين بكين وواشنطن في التوصل الى بيان مشترك حول تسوية الأزمة التجارية بينهما، تظهر مخاوف دولية واضحة بشأن نشوء حرب تجارية بين اكبر اقتصادين عالميين ولعل هذه المخاوف تنعكس بشكل واضح على اقتصاديات الدول الاخرى، ويجعلها تسعى الى سياسات حمائية مشددة.

اذ تعتقد إدارة ترامب ان تدابيرها التجارية تهدف الى الضغط على بكين لتغير سياساتها وردعها عن سرقات حقوق الملكية الفكرية التي تضر المنتجين الأمريكيين، وهو ما دفع واشنطن الى فرض رسوم جمركية بنسبة ٢٥٪ على سلع صينية إضافية بقيمة ١٦ مليار دولار، ليتجاوز بذلك عددها ١٠٠٠ سلعة، تمثل نحو ٥٠ مليار دولار من التجارة السنوية بين البلدين.

لم يتوقف الموقف الامريكي عند هذا الحد بل يتوقع فرض رسوم على سلع إضافية بقيمة ٢٠٠ مليار دولار في سبتمبر/أيلول الجاري، فضلاً عن تهديد الرئيس الامريكي دونالد ترامب باستهداف جميع السلع التي تستوردها الولايات المتحدة من الصين والبالغة ٥٠٠ مليار دولار اذا لم تكف الصين عن ممارساتها الخاطئة.

وفِي ظل هذه التطورات السريعة ردت الصين بفرض رسوم جمركية على ٣٣٣ سلعة أمريكية، ولكن يبقى تأثير فرض الرسوم على بكين اكبر لان حصة السوق الامريكية من نسبة الصادرات الصينية عالية نسبياً حيث تقدر بحوالي ٢١ ٪  من اجمالي صادرات الصين، ويبلغ استيرادها من السلع والمنتجات ألامريكية اقل بأربع مرات من تلك التي تصدرها اليها، وعلى أساس ذلك سجلت الولايات المتحدة عجزاً تجارياً بقيمة ٣٧٥ مليار دولارً تجاه الصين عام ٢٠١٧، الامر الذي دفعها الى فرض رسوم لتقليص قيمة العجز السنوي الناتج عن التجارة بين البلدين.

كما ان الولايات المتحدة الامريكية تسعى بأي ثمن لعرقلة وتأخير  خطط الصين الاستراتيجية العالمية المتمثّلة باستراتيجية صنع في الصين ٢٠٢٥ الهادفة الى تحويل بكين الى محور للتكنولوجيا العالمية والسيطرة على جميع الابتكارات وكل ما يخص الصناعة على مستوى العالم، فضلاً عن مشروع احياء طريق الحرير الدولي -الذي تسعى الصين بواسطته الى اعادة ضبط مسارات التجارة العالمية بما يمكنها من أخذ دور اكثر تأثيراً في القضايا العالمية المطروحة- وهو ما يثير قلق واشنطن من تنامي الدور الصيني كمنافس يمتلك مقومات القوة والتأثير العالمي.

ولعل ما يحصل الان يعيد للأذهان التسوية اليابانية الامريكية في ثمانينيات القرن الماضي عندما تفوق الاقتصاد الياباني على الامريكي بنسبة عجز تجاري يفوق ٥٠٪؜ من اجمالي العجز التجاري الامريكي آنذاك، ولكن في سبتمبر عام ١٩٨٥ تم توقيع اتفاق بلازا بين كل من ( اليابان والولايات المتحدة الامريكية والمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة) لخفض قيمة الدولار الامريكي امام الين الياباني والمارك الالماني من خلال اكبر عملية تدخل في اسواق صرف العملات، ولا شك ان الولايات المتحدة الأميركية حالياً تسعى الى اتفاق مشابه مع الصين لا سيما بعد تعيينها السيد روبرت لايتايز مهندس اتفاق بلازا الممثل التجاري الامريكي.

ووفقاً لارتفاع اجمالي قيمة السلع المتبادلة والمستهدفة برسوم جمركية بين الطرفين الى ١٠٠ مليار دولار، اَي سبع التجارة الامريكية – الصينية السنوية ينعكس هذا الاحتدام على تقليص التجارة العالمية نحو ٠.٥ ٪  ويترتب في ضوء ذلك جملة من الاثار على الاقتصاد العالمي أهمها ما يأتي:

١- في حال عدم توصل بكين وواشنطن الى تسوية حقيقية لطبيعة الصراع التجاري فأن ذلك سينتقل الى أقاليم اخرى ويجد تداعياته في مناطق التنافس الامريكية الصينية.

٢- تسهم استمرارية الحرب التجارية بين اكبر اقتصادين في العالم بظهور تكتلات اقتصادية سياسية جديدة وتصبح سياسة المحاور منهجاً في ضبط التفاعلات الدولية، يرافق ذلك اعادة ترتيب خارطة التوازنات والأدوار على أساس إقتصادي.

ختاماً؛ لا يدرك البعض خطورة الحرب التجارية أو الاقتصادية بما تحمل من اثار وتداعيات لا يتوقف تأثيرها عند حدود جغرافية معينة بل تتعداها لتشمل اقتصاديات دول اخرى لا سيما على المناطق ذات الوفرة في المواد الأولية الخام ومنها الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.