اشكالية العلاقة بين النظام السياسي والنظام الاقتصادي في العراق

أ.د عدنان حســين الخياط- باحث في الشؤون المالية.

قسم ادارة الازمات -مركز الدراسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

ايلول-سبتمبر 2018

من مبادئ الاقتصاد المتداولة في الادبيات الاقتصادية، هو أنّ الموارد المتاحة لايّ مجتمع تتصف بالندرة النسبية اذا ما قورنت بحاجاته المتعددة والمتنوعة في أية مرحلة من مراحل تطوره . وأزاء هذه العلاقة غير المتوازنة بين حجم الموارد والطموح الانساني في تطوير الحاجات، فانّ المنطق الاقتصادي والعقلانية الاقتصادية يقتضيان المفاضلة والاختيار بين البدائل من الأهداف ، سواء على صعيد المشاريع في القطاع الخاص أو مشاريع الدولة في اطار عمليات الانفاق الحكومي، مما يتطلب ادارة كفوءة للموارد ودراسات جدوى اقتصادية للمنافع والتكاليف، سواء من وجهة النظر الخاصة أو العامة . وفي هذه الحالة فانّ العمل بموجب المعايير الاقتصادية والمنطق الاقتصادي يعد حلا ممكنا للحد من حالة عدم الانسجام بين حجم الموارد المتاحة والحاجات البشرية المتطورة في ظل فرضية غياب ممارسات للفساد واعتماد العقلانية في تخصيص وادارة الموارد الاقتصادية .

ولكن كيف أصبحت العلاقة بين الموارد المتاحة والحاجات المتطورة للمجتمع في ظل سوء الادارة وتفاقم ممارسات الفساد في العراق ؟ فقد اتسمت هذه العلاقة بسمات نذكر منها :

  1. احلال ثقافة ومصالح الفساد محل ثقافة ومصالح التنمية والتطور، واشتداد حالة التناقض وعدم الانسجام بين الموارد المتاحة مهما كان حجمها ، وبين الحاجات البشرية .

  2. اهمال الأهميــة الفائقة لدراســات الجدوى للمشاريع الاقتصادية والخدمية، واشتداد حالة التناقض وعدم الانسجام بين برامج الدولة وخططها المعلنة في التنمية وتقديم الخدمات ، وبين برامج وخطط الفساد التي تسـتحوذ على الموارد دون أن تقدم ما يقابلها من منجزات حقيقية تتناسب مع البرامج والخطط الرسمية المعلنة .

  3. انعدام العلاقة الاقتصادية المنطقية بين حجم النفقات من التخصيصات المالية وكمية ونوعية المنجزات المتحققة من المشاريع الحكومية في ظل التهام الفساد للتخصيصات المالية مهما ازداد حجمها، مع تدني مستوى المنجزات الخدمية والتنموية المتحققة في اطار الموازنات السنوية للدولة .

  4. تحوّل مفهوم الندرة النسبية للموارد أزاء الحاجات ، الى ندرة مطلقة رغم الزيادة في موارد النفط وتضخم حجم الموازنات السنوية ، مع زيادة نسبة الفقر والبطالة وارتفاع حجم الديون التي يتحملها الاقتصاد الوطني .

  5. تقويض الدور الاقتصادي والاجتماعي للدولة وجعل الاقتصاد الوطني فاقدا لهويته في الوصف والتوصيف، وضياع العلاقة التنموية التي ينبغي أن تكون بين الدولة والقطاع الخاص لتكوين اقتصاد سوق منتج يقوم على أساس دور فاعل للقطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية .

  6. زيادة الاعتماد على موارد النفط وتفاقم الحالة الريعية للاقتصاد والدولة العراقية ، مع تدني مصادر الموارد الأخرى في الموازنة العامة ، مما جعل الاقتصاد العراقي اقتصادا ريعيا بامتياز

لقد اتخذ النظام السياسي في العراق بعد عام 2003 منحى نحو المحاصصة بين الأحزاب والكتل السياسية ، وقد شكّل ذلك مدخلا لاقتسام وتوزيع المناصب بين الأطراف المشاركة في العملية السياسية . والأمر اللافت في اتباع منهج المحاصصة انه أصبح مرافقا لممارسات الفساد، ومن ثم فقد أصبحت هنالك علاقة ارتباط ذات تأثيرات متبادلة بين المحاصصة وممارسات الفساد ليشكّل كليهما منظومة مترابطة انعكست تأثيراتها السلبية على مجمل حركة وسمات النظام الاقتصادي الذي أصبح خاضعا لما يفرزه النظام السـياسي من افرازات سلبية أدت الى اضفاء الضبابية على توصيف النظام الاقتصادي الذي أصبح فاقدا لايّ فعل تنموي حقيقي ، سواء من الدولة أو القطاع الخاص في ظل غياب التفاعل والانسجام بين الاقتصاد العام الذي يمثله فعل الدولة من خلال موازنتها العامة ، والاقتصاد الخاص الذي يمثله فعل القطاع الخاص ومساهمته في تكوين اقتصاد السوق الذي يحتاجه الاقتصاد العراقي . وقد آلّ هذا الوضع الى تراجع الدور الذي تمارسه الدولة في توفير الخدمات الاجتماعية والبنى التحتية ، فضلا عن غياب الدور التنموي المطلوب للقطاع الخاص في تطوير الانتاج الوطني وتحقيق مساهمة فاعلة في عملية التنمية الاقتصادية .

انّ المحاصصة والفسـاد الّذين ولّدهما النظام السـياسي ، قد انعكسـت تأثيراتهما السلبية الكبيرة على حالة النظام الاقتصادي ، ليس في اقتصاد الدولة فحسـب من خلال ما وقع على الموازنة العامة من فساد ، وانّما أيضا انعكست هذه التأثيرات على واقع القطاع الخاص الذي أصبح متأثرا بظروف هذه البيئة ، مما جعله يتخذ مسـارا في أنشطته تتلاءم مع هذا الواقع ومتكيّفا لما هو مطلوب من اسـتجابة لمتطلبات واحتياجات الاسـتيرادات من مختلف السلع حتى أبسـطها ، والممولة من منافذ بيع العملة الأجنبية لدى البنك المركزي ، في ظل حالة التغييب السائدة لدور المنتجات الوطنية في اشباع الاحتياجات المحلية . كما شمل هذا التأثير الجهات الخاصة المنفّذة للمشاريع الحكومية التي تكيّفت هي الأخرى مع متطلبات هذا الواقع من أجل الحصول على الأعمال التي انتابها الكثير من ممارسات الفساد .

ومن النتائج التي ترتبت عن ممارسات الفساد تفاقم مشكلة البطالة نتيجة للاهمال الذي تعرضت له القطاعات الانتاجية السلعية وغياب دور القطاع الخاص في عمليات الانتاج الوطني . فهل يمكن للجهاز الاداري الحكومي المترهل أصلا أن يستوعب مزيدا من أعداد العاملين ليكون أكثر عبئا على الموازنة العامة التشغيلية التي تحتاج الى الترشيد والاصلاح ضمن الواقع الحالي الذي هي عليه .

وهل أن اجراءات الحكومة باطلاق عدد من التعيينات أو مزيد من عقود التوظيف ، وبشكل يتجاوز معايير الحاجة الفعلية ، تنسجم مع الاصلاحات الادارية والاقتصادية التي يحتاج اليها الاقتصاد العراقي ؟

لماذا تم اهمال السياسات الاقتصادية التي كان ينبغي أن تقوم بها الدولة لتفعيل دور القطاع الخاص في عملية التنمية الاقتصادية ؟ ولماذا الاهمال للصناعة العراقية والزراعة العراقية والنشاط السياحي ، والتي يمتلك منها العراق الكثير من المقومات الأساسية ؟

    ألم يحن الوقت لكي ندرك بأنّ مشكلة البطالة في العراق مرتبطة أساسا بغياب ثقافة الاستثمار المنتج المنزّه عن الفساد ؟ لماذا الاهمال لمواد الدستور التي تتكلم عن دور الدولة ومسؤوليتها في (( اصلاح الاقتصاد العراقي وفق أسس اقتصادية حديثة وبما يضمن استثمار كامل موارده وتنويع مصادره وتشجيع القطاع الخاص وتنميته )) ، كما جاء في المادة (25) من الدستور ؟

أين سياسات التنويع الاقتصادي التي هي أساس معالجة مشكلة البطالة في العراق ؟ ولماذا جعلنا من عملية انتاج وتصدير النفط التي تعتمد في معظمها على الايدي العاملة الأجنبية ، وكأنما هي التنمية الاقتصادية وأهملنا سياسات التنويع الاقتصادي التي تشغّل العاطلين وتوفر لنا المنتجات المحلية ؟ ولماذا جعلنا من اسـتيراد السلع هو السـبيل لاشباع الحاجات وأهملنا الانتاج والتصدير السلعي ؟ فأين ذهبت عبارة ( صنع في العراق ) التي يعشقها كل من يريد للعراق التنمية والتطور ؟

وهل يستطيع القطاع الخاص في ظل ظروفه الحالية بعد أن تركزت استثماراته في القطاع التجاري الاستيرادي وهوامش الأعمال ، ممارسة دوره المطلوب في سياسات التنويع الاقتصادي بمعزل عن سياسات الدولة الاقتصادية في الشراكة والتنظيم والتشريع والحوافز ؟

في سياق ما تقدم وما أثير من تســاؤلات ، فانّ أية محاولة لاصلاح النظام الاقتصادي في العراق لابد أن تبدأ أولا باصلاح النظام السياسي ، فحينّما تنصلح السـياسة ينصلح الاقتصاد وتكون هنالك تنمية حقيقية ، وذلك لأنّ النظام السياسي والمناصب السياسية ليست هدفا بحد ذاتها ، وانّما هي وسـيلة لادارة التنمية والتطور في البلاد بهدف اشباع الجياع وتشغيل العاطلين ونشر العدل والرفاهية في المجتمع . وعندما نجعل من المناصب والمصالح السياسية هدفا بحد ذاته ، تهمّش قضايا الاقتصاد والتنمية وتنعدم مقومات الحكم الصالح الرشيد والأسس التي ينبغي أن تقوم عليها دولة المؤسسات والمواطنة ، والتي لايمكن الحديث عن تنمية حقيقية بدونها .

انّ المعالجات الحقيقية للواقع الاقتصادي والاجتماعي في العراق تتطلب ضرورة توفر الارادة الســياسية باتجاه القبول بفكرة نبذ المحاصصة من قبل جميع الأطراف المشاركة في العملية السياسية ، والقبول بفكرة اعتماد المهنية والكفاءة في تولي المناصب الحكومية والتي ينبغي أن تخضع للاختبار في اطار المعطيات التي تتمخض عن تولي المناصب في الوزارات والادارات المحلية للمحافظات ضمن سقف زمني محدد وعلى وفق البرامج المقدمة والمنجزات التي يمكن أن تتحقق في مجال تحســين الخدمات وتطوير واقع المشاريع التنموية ، وانّ مثل هذا التوجه يتطلب من جملة ما يتطلب ، التأكيد على ضرورة وضع النظام السياسي في خدمة النظام الاقتصادي وازالة العقبات السياسية التي تحول دون تطور النظام الاقتصادي ، لاســيما ما يتعلق بالمحاصصة وممارســات الفساد . فضلا عن تحميل البرلمان القادم مسؤولية تاريخية بضرورة تفعيل تطبيق المواد الدستورية التي تتعلق بدور الدولة الاقتصادي والاجتماعي في عملية التنمية الاقتصادية وتوفير الخدمات والبنى التحتية ، والتركيز على تشريع القوانين الجديدة لتشجيع الاستثمارات من أجل تطوير واقع القطاعات الانتاجية في المجالات الصناعية والزراعية والمشاريع السياحية ، بما يسهم في تنويع مصادر الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على النفط .