البصرة؛ كعب أخيل العراق

الكاتب: م. م. مؤيد جبار حسن

قسم الدراسات السياسية – مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

أيلول-سبتمبر 2018

من يتأمل البصرة يراها عراقا مصغرا بكل ايجابياته وسلبياته، بطوائفه وقومياته، بانتصاراته وهزائمه، باستقراره وهيجانه، بغناه وفقره.

هذه المدينة العريقة، السابقة على بغداد والموصل، اكتسبت بعد اكتشاف النفط فيها، أهمية استراتيجية كبيرة، ليس فقط لأبنائها، وانما لدول الجوار ايضا. وأن المظاهرات والاضطرابات الاخيرة فيها، وأن كانت تحمل طابع الامتعاض من نقص الخدمات وغياب دور الدولة، وهي الحالة المنتشرة في جميع مناطق البلاد، الا ان الدوافع الداخلية للجمهور جاءت بعد سنوات طوال من فشل الحكومات المتعاقبة على حل ازمات البصرة المتراكمة: سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وغيرها.

أهالي البصرة أكثر العراقيين احساسا بشعور الخيبة والاستغفال، فمن تحت بيوتهم تجري انهار الذهب الاسود الى جيوب ومصالح المتنفذين داخل وخارج الوطن. ومن تلك المدينة يأكل العراق ويشرب وباقي دول الجوار، بعد انهيار واندثار الصناعة والزراعة المحلية والاعتماد بصورة كاملة على الاستيراد، وكأن برنامج النفط مقابل الغذاء ما زال ساريا.

لكن كيف نفهم سبب تخلي الحكومة المركزية عن البصرة؟ رغم أنها محفظة العراق ومن دونها سيتضور جوعاً ربما لانشغالها في الصراع على المناصب في بغداد، والحلول التي يطرحها المستشارون لا تتعدى ارسال المزيد من التعزيزات العسكرية الى هناك، أي القاء المزيد من الزيت على النار في البصرة، او ربما لان حكومة الخضراء عاجزة تماما عن أيجاد أي حل لأي مشكلة مهما كانت صغيرة لسؤء الادارة ونقص الموارد وأنهيار البنية التحتية للبلاد.

لكن لماذا لم تحرك واشنطن ساكنا امام ما يجري في بئر النفط الاسود الكبيرة من احداث مقلقة؟ هل البيت الابيض مكتفي حاليا ومطمئن لان نفط السعودية أقرب اليه من نفط العراق الملوث بالدم والفساد؟

ماذا عن الاسواق العالمية الاخرى المعتمدة على نفط العراق، هل الرئيس ترامب لا يهمه الامر، او انه يريد فعلا ان تحصل هزة كبيرة تدفع الجميع الى اللجوء الى الولايات المتحدة لتجد لهم حلا؟ لتبقى الولايات المتحدة مستغرقة في حلم القوة الاعظم!

ان سقوط البصرة بسبب الاهمال والمافيات والفساد كسقوطها بسبب الفوضى والحرق وتعطيل الحياة اليومية. وان كان هذا مخططا من جهة دولية متنفذة لغايات الصراع في منطقة الشرق الاوسط على النفوذ والموارد، فأن العراق في خطر داهم. لان هذه المدينة هي بوابة العراق على الخليج، وتطل البلاد من خلالها على العالم في خليج يتصارع اطرافه ولم يتفقوا حتى على أسمه، فضلا عن ان ما يمثله نفط هذه المحافظة الجنوبية من شريان حياة رئيس للعراق ككل بعربه وكرده، سنته وشيعته، ولكل طوائفه وجماعاته.

لذا على الحكومة العراقية القادمة، ان تشكلت، ان تتعظ من اخطاء الحكومة السابقة، وتعمل بجد وحرص لجميع العراق وليس فقط للبصرة او أي محافظة منتفضة أخرى، ليكن درس الموصل نصب اعينهم وكيف ان جماعة ارهابية استغلت سخط الناس وتجاهل الدولة لتفرض سيطرتها على مساحات شاسعة من جسد الوطن، ولتكلف الاخيرة خسائر بالغة بالارواح والاموال لا يمكن تعويضها أبدا، واهانة سمعة المؤسسة الامنية التي أذاقت الاعداء مرارة الهزائم على حدود الوطن وخارجه في فلسطين وغيرها. فعلى صانع القرار ان يكون حازما، والحزم لا يتنافى مع الديمقراطية، وهذا نهج دول العالم المتقدمة.

كما على حكومة العراق 2018 ان تسعى جاهدة لحل مشاكل الخدمات العامة التي أخذت تضرب أساس المجتمع وتحطم الدولة من الداخل لتجعلها برنامجها الاوحد وتجمد ما سواها من نشاطات واعمال أقليمية ودولية تكلف البلاد الكثير دون جدوى.عسى ان يسعفها الحظ لتنقذ العراق من كبوته وترجعه مرة أخرى الى الطريق الصحيح، طريق النمو والتطور والتقدم.