العقوبات الأمريكية على طهران وطبيعة الرد الإيراني المحتمل

م. م. ميثاق مناحي العيساوي

قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء.

ايلول/ 2018

بعد الانسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي مع طهران قررت واشنطن استئناف العقوبات الاقتصادية على ايران من جانبها، فضلا عن عقوبات قاسية على الشركات والمنظمات وبعض الكيانات والشخصيات الايرانية أو تلك التي تتعاون مع النظام السياسي الإيراني. هذه العقوبات كان بطلها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، والذي يحاول من خلالها أن يجبر طهران على الجلوس من جديد على طاولة الحوار للتفاوض حول ملفها النووي ومشروعها الصاروخي ودورها في المنطقة وليس التفاوض حول الملف النووي فقط. فكيف ستطبق العقوبات الأمريكية على طهران، وما هو طبيعة الرد الإيراني المحتمل على هذه العقوبات؟.

إن العقوبات الأمريكية التي فرضتها واشنطن على طهران قبل أشهر ستنفذ عبر مرحلتين:

المرحلة الأولى دخلت حيز التنفيذ في السادس من آب الماضي 6/8/2018، وشملت هذه المرحلة قيوداً على عملية شراء الدولار الأمريكي (العملة الصعبة) من قبل الجمهورية الإسلامية، وقيوداً على تجارة الذهب والمعادن الثمينة، وهناك قيوداً أخرى ستفرض على عملية نقل المعادن والصلب سواء كانت داخل أو خارج إيران، وفرض عقوبات أيضاً على قطاع السيارات الإيراني، فضلاً عن ذلك، فأن واشنطن ستحتفظ بعقوباتها على الحسابات البنكية (التي تحتفظ من خلالها إيران بمالغ مالية كبيرة) خارج إيران.

أما المرحلة الثانية فستبدأ في الرابع من تشرين الثاني المقبل 4/10/ 2018، وتشمل عقوبات على قطاع الطاقة الإيراني والاستثمارات المتعلقة به، وكذلك فرض قيود على التحويلات المالية بين المؤسسات الأجنبية والبنك المركزي الإيراني، وقيوداً مالية على التعامل مع شركات النفط الإيرانية. فضلاً عن ذلك، هناك عقوبات أمريكية ستفرض على مؤسسات الموانئ والاساطير البحرية وإدارات بناء السفن بما فيها اسطول إيران وخط اسطول جنوب إيران، كما ستفرض واشنطن قيوداً على خدمات التأمين الإيرانية.

هذه العقوبات ستؤثر بالتأكيد على كل مناحي الحياة في إيران، لاسيما وأن الريال الإيراني لم ينتظر موعد تطبيق العقوبات حتى أنهار إلى مستويات غير متوقعة إمام الدولار الأمريكي. وهذا من شأنه أن يُزيد من ضغط الشعب الإيراني على نظامهم السياسي (المتهم من قبلهم) بضخ الأموال الإيرانية على نشاطات إيران في الخارج في سوريا واليمن والعراق، بالتزامن مع الصراع السياسي الداخلي بين المحافظين والإصلاحيين، والخلاف بين المرشد الأعلى السيد علي خامنئي ورئيس الجمهورية حسن روحاني. فضلاً عن ذلك، فأن الوضع الداخلي الإيراني كما يقال بأنه على (كف عفريت) في الآونة الأخيرة، وفي حال طبقت الحزمة الثانية من العقوبات الأمريكية بالتأكيد ستزداد حدتها على الشعب الإيراني، وربما تتسع تلك العقوبات، وقد تلتزم بها اطراف وشركات ودول غير الولايات المتحدة وحلفائها، وربما دول أوروبية أيضاً.

وهذا بدوره سيمثل خنق لإيران؛ لأنه سيؤثر على الإيرادات الإيرانية، لاسيما وأن ناقلات النفط الإيرانية تكدست عبر مياه الخليج العربي بسبب ضعف الطلب على النفط الإيراني نتيجة العقوبات الأمريكية الأخيرة قبل دخول الحزمة الثانية من العقوبات حيز التنفيذ. وهذا من شأنه أن يفاقم الأزمة الداخلية، ويتسبب بحراك داخلي مناهض للنظام الإيراني سياسياً، ويضعف من قوة الإدارة الإيرانية في السيطرة على حركة الاحتجاج والتظاهر، وقد يضعنا إمام التساؤل حول طبيعة الرد الإيراني المحتمل على العقوبات الأمريكية؟.

بالتأكيد أن طهران تأقلمت نوعاً ما مع العقوبات الاقتصادية، لاسيما وأن سياسية فرض العقوبات سياسة متبعه ضد إيران منذ عقود، وقد كانت العقوبات السابقة جماعية وليس احادية، على الرغم من اتساع العقوبات الأمريكية على القطاعات الإيرانية المختلفة، وأن طبيعة ردها على تلك العقوبات بالتأكيد سيكون من جوانب مختلفة، إلا أن أهم تلك الجوانب قد يكون إقليمياً يتمثل في تقويض المصالح الأمريكية في العراق وسوريا وتهديد الملاحة الأمريكية المتاخمة للشواطئ الإيرانية وغلق مضيق هرمز، لكن اللجوء الإيراني لهذا الرد مستبعد في الوقت الحالي على أقل تقدير، أو أن تلجأ طهران إلى تفاهمات مع الإدارة الأمريكية عبر بوساطة أوروبية حول مشروعها الصاروخي ودورها الإقليمي أو إعادة التفاوض حول ملفها النووي، وربما يكون السيناريو الأرجح بالنسبة لطهران هو مقاومة العقوبات الأمريكية (رغم صعوبتها) والانفتاح على الدول الأوروبية وروسيا والصين وانتظار انتهاء ولاية الرئيس دونالد ترامب (على أمل عدم التجديد له لولاية ثانية) من أجل التفاوض مع إدارة جديدة في البيت الأبيض أو أن يأتي رئيس أمريكي أكثر مرونة في هذا الملف من الرئيس الحالي، ومن ثم لكل حادث حديث.

الا أن التساؤل الذي سيبقى مطروحاً بهذا الخصوص هل أن الإدارة الإيرانية ستكون قادرة على الصمود بوجه تلك العقوبات وحماية نظامها السياسي من الازمات الداخلية والخارجية أم ستفشل بذلك ونكون إمام سيناريوهات مغايرة؟.