هجوم مدينة الاهواز الايرانية … قراءة في الاسباب والمشاهد المحتملة

م. حمد جاسم محمد الخزرجي

باحث في قسم ادارة الازمات /مركز الدراسات الاستراتيجية- جامعة كربلاء

ايلول-سبتمبر 2018

شهدت ايران صباح يوم 22 ايلول 2018 هجوما مسلحا استهدف عرضا عسكريا في مدينة الاهواز الايرانية ( وهي ذكرى اندلاع الحرب العراقية الايرانية لدى الايرانيين)، وقد اسفر الهجوم المسلح كما ذكرت وسائل الاعلام الايرانية عن مقتل 29 شخصا بين عسكري ومدني، واصابة العشرات، وقد تبنت الهجوم مجموعتين مسلحتين: الاولى جماعة مسلحة اهوازية وهي لا تتمتع حسب اغلب التقارير بنفوذ كبير في المدينة، والثانية هي تنظيم داعش الارهابي الذي هو الاخر لا يمتلك تلك الامكانيات او النفوذ في المدينة وهي  ما تسمى بـ(منظمة المقاومة الوطنية الأحوازية)، اما ايران فقد اتهمت دول اجنبية لمحت اليها على لسان وزير خارجيتها (جواد ظريف) “ان إيران تحمل رعاة الإرهابيين الإقليميين وأسيادهم الأمريكيين مسؤولية الهجمات الإرهابية”، فهم منها في بعض التقارير انها دول خليجية وبدعم امريكي من المساعدة على الاعداد وتنفيذ الهجوم، وعلى الرغم من ان هذا الهجوم المسلح ليس الاول في ايران ولن يكون الاخير، كذلك ان المنطقة وحتى اغلب دول العالم تشهد مثل هذه الاحداث وليس اخرها هجوم طائرات مسيرة على رئيس فنزويلا (مادورو) خلال استعراض عسكري في كاراكاس العاصمة، الا ان التغطية الاعلامية الكبيرة للحدث تبين الاسباب والدوافع الحقيقية وراء هذا الهجوم، كذلك تبين ان نتائجه ذات تأثير واسع سواء في الداخل الايراني او المنطقة.

ان هذا الهجوم المسلح في الاهواز لم يكن هجوما عاديا بكل المقاييس، بل هو عمل مسلح استهدف مكانا ليس عاديا، بل هو مكان رسمي على مستوى عالي من الاهمية من حيث الحضور والمناسبة المقامة، وهو استعراض عسكري ضم مسؤولين عسكريين ومدنيين على السواء، لهذا فان اسباب الهجوم عديدة اجتمعت على هدف واحد وهو ايقاع عدم الاستقرار واشغال ايران في داخلها وابعادها عن المنطقة، ومن هذه الاسباب هي:

  • العداء الامريكي للنظام الايراني: ان امريكا ومنذ اقامة النظام الاسلامي في ايران وهي تحاول بكل الطرق والوسائل الممكنة من زعزعة استقرار النظام ومن ثم محاولة اسقاطه واقامة نظام سياسي موالي لها وذلك لأسباب عديدة اهمها موقع ايران الاستراتيجي بين اهم بقعتين نفطيتين هما بحر قزوين والخليج العربي، لهذا فان وجود القوات الامريكية في مناطق حزام ايران من العراق الى افغانستان ودول الخليج واسيا الوسطى والقوقاز سهل عليها التغلغل الى الداخل الايراني ومحاولة تجنيد مجموعات مسلحة تعمل لصالحها وخاصة من الاقليات العرقية التي تسعى الى اقامة ادارات ذاتية لها في ايران مثل كردستان او خوزستان.

  • المجموعات المسلحة بشقيها الداخلي والخارجي: ايران حالها حال اغلب دول الشرق الاوسط اصبحت تحت تهديد المجموعات المسلحة المختلفة، بدأً من القاعدة الى تنظيم داعش الارهابي الى مجموعات مسلحة عاملة في مناطق الاقليات مثل جند الله البلوشية، وما تسمى بـ(منظمة المقاومة الوطنية الأحوازية)، والمجموعات المسلحة الكردية المختلفة، وهذه كلها تلتقي على هدف واحد او عدائها للنظام الاسلامي في ايران، خاصة وان بعضها نفذ عمليات سابقة كما في عملية طهران الني استهدفت البرلمان الايراني. وحسب بعض التقارير فان هذه المجموعات المسلحة تحظى بدعم من امريكا ودول خليجية لها خلافات مع ايران، لهذا فان هذه العملية تؤكد ان هذه المجموعات اصبحت لها تأثير في ايران.

  • صراع النفوذ في المنطقة: للعلاقات المتوترة بين ايران ودول الخليج العربية الاثر في العديد من احداث المنطقة، واشدها الصراع المذهبي، فمنذ الثورة الاسلامية عام 1979 بدأ نوع من التنافس الديني المذهبي في المنطقة، واشتد هذا التنافس مع الاحتلال الامريكي للعراق واتهام دول المنطقة لإيران بأثارة القضايا المذهبية سواء في العراق او دول اخرى مثل لبنان وسوريا واليمن، رافقه تدخل ودعم عربي خليجي مباشر كما في اليمن وغير مباشر كما في العراق ولبنان وسوريا لمواجهة النفوذ الايراني، وتجلى هذا التدخل للدول الخليجية بعدة صور منها دعم المجموعات المسلحة بالسلاح والاموال، كذلك دعم الى العرب في ايران من اجل التأثير على الوضع الداخلي فيها.

  • العوامل الاقتصادية: ان التأكيد على العوامل السابقة لا يهمل العامل الاقتصادي في ايران، خاصة بعد العقوبات الامريكية الجديدة التي ادت الى انهيار العملة الايرانية وحدوث موجة تضخم وغلاء كبير، وبطالة، فمحافظة خوزستان ومدينة الاهواز تظم اكبر حقول النفط الايرانية وفيها اكبر مصافي النفط في عبادان، وميناء خرمشهر الاستراتيجي واراضي زراعية واسعة وانهار كبيرة مثل (الكارون)، ولكن هذه المدن العربية تشعر انها لم تستفاد ثروتها النفطية والزراعية وانه تم اهمالها من قبل الحكومة الايرانية، لهذا فان هذه العملية قد تكون للفت نظر الحكومة الايرانية الى الاهتمام بأحوال المنطقة وتحسبن وضعها الاقتصادي والمعاشي.

ان نتائج هذا الهجوم المسلح ستكون كبيرة سواء على الداخل الايراني او على دول المنطقة والمصالح الامريكية، وهناك عدة مشاهد محتملة منها:

اولا: مشهد المواجهة: وهو تشدد ايران ومواجهتها لأي تدخل خارجي او قمع أي معارضة مسلحة داخلية.

  • مشهد التشدد نحو الداخل: ان هذه العملية المسلحة في الاهواز ستكون ذات تأثير سلبي على المعارضة الايرانية وخاصة في مناطق الاقليات، فقد تقود الى تشدد الحكومة تجاه الاقليات والتعامل معها خشية من توسع الاضطرابات الى مناطق اخرى، وقوة الرد الحكومي سيكون واسعا وكبيرا لمنع أي تحرك او خرق في مناطق اخرى في ايران.

  • زيادة الصراع في المنطقة: بعد الهجوم المسلح توعد العديد من مسؤولي ايران بالرد الحازم على الدول التي دعمت وسهلت للهجوم، ومنهم الرئيس (حسن روحاني)، بل ان بعض المسؤولين وخاصة في الحرس الثوري اتهم دول خليجية بعينها في دعم الهجوم المسلح وقد صرح اللواء يحيى رحيم صفوي القائد السابق للحرس الثوري بالرد على الهجوم، وفق نبأ بثته وكالة الجمهورية الإسلامية “على الأعداء ألا يتوهموا أن بوسعهم أن ينالوا العزة بهذه الفعلة المشؤومة، سيرد شعب إيران وقواتها المسلحة على هذا الهجوم”:، لهذا فان أي رد فعل من ايران سوف يكون له تداعيات على المنطقة وخاصة في الدول التي تضم اقليات شيعية مثل السعودية او اغلبية شيعية مثل البحرين، وقد تكون لها اثار سلبية على استقرار المنطقة بعد القضاء على تهديد داعش الارهابي، وقد تشهد المنطقة عمليات انتقام متبادل يكون ضحيته المدنيون والابرياء.

  • توسع الصراع بين ايران وامريكا: توجه الاتهام لأمريكا في هذه الاحداث سوف يقود الى استهداف المصالح الامريكية في المنطقة، خاصة في الدول التي توجد بها قواعد عسكرية او شركات نفطية وغيرها، وهنا فان أي مواجهة غير مباشرة بين امريكا وايران ستقود الى اثارة الفوضى في دول المنطقة وهو ما تسعى اليه امريكا، وستكون المتضرر منه دول المنطقة وخاصة الدول التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي.

ثانيا: مشهد التراجع:

  • من اجل ضمان عدم تكرار هذه الاحداث في مناطق اخرى من ايران قد تسعى ايران الى كسب ود العرب في الاهواز من خلال التنمية الاقتصادية والمشاركة في ادارة الاقليم وبعض الحقوق الثقافية، خاصة وان الدستور الايراني ينص على امكانية استخدام لغة الاقليات في مناطقهم في مجال التعليم والصحافة.

  • قد تلجا ايران الى تقليص تدخلها في شؤون المنطقة خاصة في سوريا او اليمن من خلال قبول التفاوض بين اطراف الصراع، وسحب وحداتها العاملة هناك، خاصة وان هناك تقارير اكدت وجود مفاوضات ايرانية مع الاتحاد الاوربي من اجل تخفيف التوتر بعد انسحاب امريكا من الاتفاق النووي.

  • ان هذا العمل العسكري قد يدفع ايران الى السعي الى تحسين علاقاتها مع دول الخليج العربية، وخاصة مع المملكة العربية السعودية من اجل تخفيف حدة التوتر الطائفي ومنع أي عمليات مسلحة مستقبلا.

  • في نفس الاتجاه ان دول الخليج العربية ليس من مصلحتها الاندفاع اكثر نحو الصراع الطائفي خاصة وانها دول ضعيفة عسكريا مقارنة بإيران وتعاني من انقسام داخلي حاد وتنافس على الحكم بين العوائل المالكة في هذه الدول، لهذا فان اثارة مسالة الطائفية بقوة ستقود الى فوضى في هذه الدول وتقود الى حروب داخلية فيها، خاصة في البحرين وشرق المملكة، كذلك ان أي حرب امريكية على ايران تنطلق من هذه الدول ستقود لرد فعل ايرانية مدمرة ضدها، لهذا سوف تقبل دول الخليج الحلول الوسط التي نحفظ لكل الاطراف مصالها ومكانتها في المنطقة.

  • ادانة بعض الدول العربية للهجوم خاصة العراق وعمان التي اكدتا في بيان صادر عن وزارة الخارجية موقفهما الرافض لكل أشكال الإرهاب والعنف في أي زمان ومكان، مهما كانت الدواعي والأسباب، باعتباره أداة تتنافى مع كل الأديان والأعراف والأخلاق الإنسانية، وهو ما يعزز جهود السلام والمصالحة في المنطقة.

  • على الرغم من العداء الامريكي للنظام الايراني وسعيها الى اثارة المشاكل الداخلية والاقليمية ضده، الا ان أي فوضى جديدة في المنطقة لن تكون في صالح امريكا ومصالحها في منطقة تعد من اهم المناطق لدول العالم اجمع، فالمنافسة بين الدول الكبرى على المنطقة لن تترك امريكا تتصرف كيفما تشاء في هذه المنطقة خاصة وان الرئيس الروسي (فلاديمير بوتين) اكد خلال رسالة التعزية للرئيس الايراني عن استعداد موسكو للتعاون مع ايران في مكافحة الارهاب، كذلك معارضة دول المنطقة للهجوم الامريكي على ايران سوف يحجم من اندفاع امريكا اكثر في الاضرار بإيران.

  • ان المعارضة الايرانية بكل اطيافها (الوطنية والاقليات) لا تريد تصعيد المواجهة مع الحكومة الاسلامية الايرانية في الوقت الحاضر، لأسباب عديدة اهمها الفوضى في المنطقة بعد الاحتلال الامريكي للعراق واحداث الربيع العربي، فالكل اصبح يدرك ان هدف امريكا ليس اسقاط النظام الاسلامي وانما تشجيع الفوضى في المنطقة واقامة كيانات قومية وطائفية تكون تحت سيطرتها.

خلاصة القول، ان أي تأييد من بعض دول المنطقة لهذا العمل هو خطا كبير، لان المستهدف ليس النظام بل ابناء الاهواز انفسهم، ان من قتل اغلبهم عسكريين ومدنيين، ان هذه السياسات الهوجاء الغير مسؤولة لن تقود الا الى الفوضى والدمار، السياسة السلمية بالمطالبة بالحقوق وتحسين الوضع الاقتصادي هي انجع طريق للوصول للهدف، اما سياسة القتل والدمار فهي سياسة امريكية لتدمير شعوب ودول المنطقة والسيطرة عليها، وان دعم الغرب للحركات القومية في ايران هي من اجل مصلحتها الخاصة، وان احداث عام 1925 في الاهواز وخيانة الانكليز لهم هي واضحة وحاضرة في الاذهان.