قصف إيران لداعش في سوريا والتهديدات الامريكية… قراءة في الرسائل والدلالات

م. حمد جاسم محمد الخزرجي

باحث في قسم ادارة الازمات/ مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

تشرين الأول-أكتوبر 2018

عدد من الصواريخ البالستية بعيدة المدى مع طائرات مسيرة اطلقت من إيران باتجاه مدينة البوكمال السورية استهدفت تواجد تنظيم داعش الارهابية بالمنطقة، وقد ذكرت التقارير ان عدد من الارهابيين قتلوا في هذه العملية، وقد كانت إيران قد اكدت ان هذه العملية ما هي الا رد على الهجوم الذي استهدف عرضا عسكريا في مدينة الاهواز الإيرانية صباح يوم 22 ايلول 2018 ، وقد اسفر الهجوم المسلح كما ذكرت وسائل الاعلام الإيرانية عن مقتل 25 شخصا بين عسكري ومدني، واصابة العشرات، وقد تبنت الهجوم مجموعتين مسلحتين، الاولى جماعة مسلحة اهوازية وهي لا تمثل حسب اغلب التقارير بنفوذ كبير في المدينة وهي  ما تسمى بـ(منظمة المقاومة الوطنية الأحوازية)، والثانية هي تنظيم داعش الارهابي الذي هو الاخر لا يمتلك تلك الامكانيات او النفوذ في المدينة، كما ان هجوم طائرة مسيرة من اليمن على مطار دبي هي الاخرى رسائل موجه الى دول الخليج لوقف عملياتها في اليمن، ورسائل ان توسيع الحرب ممكنة ان لم يتم ايقافها.

وعلى الرغم من ان الهدف المعلن من الضربة العسكرية هو رد على هجوم الاهواز، الا انه يمكن قراءة عدد من الرسائل من بين اسطر هذه الضربة، وهي رسائل تنبيه وانذار الى كل من امريكا واسرائيل وبعض دول المنطقة، وقد نقلت وكالات الانباء الإيرانية والعالمية تصريحات لعديد من المسؤولين الإيرانيين ان امن إيران القومي خط احمر وانه سوف ترد على كل من يحاول ان يضر بأمنها، ومن هذه الرسائل هي:

  • تحاول إيران ان تثبت ان انتهاك امنها لا يمكن التهاون معه، في نفس الوقت تريد اثبات بهذه الضربة ان هناك علاقة بين المقاومة الاحوازية وتنظيم داعش الارهابي، وهو ما يقد يحرج موقف المنظمة الاهوازية امام اهالي الاهواز مستقبلا، ويقلل من مناصريها في المنطقة.
  • ان المنطقة المستهدفة تقع ضمن الدولة السورية وهذا يعني ضمنا ان إيران قد نسقت مسبقا معها ومع روسيا الحليف الرئيسي لسوريا، كذلك مرور الصواريخ عبر العراق، هنا تقرا رسالة موجهة الى امريكا والغرب انه لا زال هناك نفوذ وتعاون بين إيران وكلا من سوريا وروسيا، وان التعويل على التقارب مع سوريا لقطع علاقاتها مع إيران امر غير مكن الحدوث، خاصة بعد اسقاط الطائرة الروسية في سوريا بسبب الغارة الاسرائيلية على مدينة اللاذقية السورية.
  • المنطقة المستهدفة تبعد مسافة قليلة من تواجد القوات الامريكية في دير الزور والتنف السورية، حتى مرورها بالعراق هو بالقرب من تواجد القوات الامريكية في غرب العراق، وهي رسالة اخرى موجه لأمريكا ان قواتها ليس بمأمن في حالة اندلاع اي مواجهة معها في الخليج او في مواقع اخرى في المنطقة، خاصة وان امريكا اتهمت إيران صراحة حول القصف الذي طال قنصليتها في مدينة البصرة جنوب العراق.
  • الضربة الإيرانية كانت رسالة اخرى موجهة الى اسرائيل ان امنها ليس مؤمن كما تظن، فالقصف الإيراني يمكن ان يصل الى اي مدينة فيها، بل ان اي ضربة إيرانية لأي مدينة في اسرائيل سوف تكون لها عواقب كارثية من حيث الخسائر وتثير الرعب بين السكان.
  • رسائل تطمين الى حلفاء إيران في المنطقة ان إيران قد تبقى على تواصل ودعم لهم، وهي قادرة على مواصلة الدعم من داخل إيران اذا تطلب الامر.
  • مع اقتراب موعد تطبيق الحظر النفطي الشامل على إيران من قبل امريكا فان إيران تريد استباق الموعد وترسل رسائل تهديد وانذار، وان القوة العسكرية غير مستبعدة في المواجهة إذا حدثت.

هذه المواجهات غير المباشرة بين إيران وامريكا يمكن ان تكون دلالات عن حرب باردة قادمة بين الدولتين ومواجهات غير مباشرة في المنطقة، اذ ان دعوة امريكا الى انشاء حلف عربي (ناتو عربي) يضم دول الخليج ومصر وإيران هو بداية التحضيرات لها، ولكن هذه الحرب لن تقود الى موجهة مباشرة وحرب بين الدولتين، لان هناك عدد من الحقائق الموجود التي تؤكد الهدف من هذه المواجهات بين الدولتين، وهي:

  • هدف الرئيس الامريكي هو كسب المزيد من الاموال من دول الخليج العربية بحجج كثيرة منها، ان الرئيس الامريكي (دونالد ترامب) قد وجه تحذيرات الى كلا من إيران ودول الخليج، من خلال تغريداته حول دول الخليج ومطالبتها بدفع اموال مقابل حمايتها، وقد خص السعودية بهذه التغريدات، وقد نقلت اذاعة البي بي سي البريطانية ان الرئيس الامريكي قد قال امام حشد من مؤيديه في ولاية فجينيا الامريكية انه اجرى اتصال مع العاهل السعودي وانه قال له لا يمكن له ان يحافظ على استقلال دولته ولا حتى على طائرته الخاصة بدون امريكا وعليه ان يدفع مقابل هذه الحماية، وهذه المطالب قد قالها في حملته الانتخابية السابقة، لهذا فان الهدف من التهديدات الامريكية لإيران هو الحصول على اموال الخليج مقابل الحماية وبيع السلاح لدوله.
  • ان امريكا تسير وحدها في فرض العقوبات على إيران خاصة وان العديد من دول العالم اظهرت امتعاضها من تصرف الرئيس الامريكي، بل وقد وصلت مع بعض الدول الى المواجهة التجارية مثل الصين وكندا والمكسيك، من جانب اخر اكدت دول الاتحاد الاوربي والصين وروسيا والهند وهي دول صناعية ومتقدمة على مواصلة التعاون مع إيران في مجال التجارة وانها لن تنسحب من الاتفاق النووي، خاصة وان إيران تملك فرص اقتصادية هائلة للاستثمار في مجالات الطاقة والخدمات والبنى التحتية، لهذا فان الشركات العالمية وحتى الامريكية ترى في إيران فرص للعمل المربح.
  • إيران تقع في منطقة تعد في قلب الطاقة العالمية اذ نفط الخليج غربها ونفط وغاز دول بحر قزوين واسيا الوسطى شمالها واسواق اسيا المستورد للنفط شرقها، لهذا فأنها تعد ممرا امنا ورخيصا (مقارنة بخطوط نقل الطاقة عبر البحر الاسود او تركيا الى المتوسط) لمرور نفط بحر قزوين الى الاسواق العالمية عبر المياه الدافئة في الخليج العربي التي طالما ما حلمت هذه الدول الوصول اليها، وهنا ان الشركات العالمية المستثمرة للنفط في هذه المناطق تريد التعاون مع إيران وان المعارضة الامريكية لن تستمر الى الابد، خاصة وان هناك تعاون روسي إيراني باكستاني لمد خطوط غاز من إيران الى بكستان والهند.
  • ان الناتو العربي الذي تسعى امريكا الى تأسيسه ويضم كلا من مصر والاردن ودول الخليج العربية الهدف الاساسي منه هو تقليل الجهد والتكاليف على القوات الامريكية في المنطقة من جهة، كذلك الحصول على المزيد من الاموال من صفقات السلاح التي سوف تبرهما هذه الدول من اجل تمويل قوات الحلف وتسليحه، خاصة وان هذا الحلف حتى في حالة انشاءه فهو اضعف من ان يقوم بدور حماية دول الخليج او مواجهة قوة إيران العسكرية، خاصة وان هناك قوة سابقة هي درع الجزيرة التي تأسست في الثمانينات والتي لم تستطيع حماية هذه الدول او الوقوف بوجه التهديدات، لهذا سوف يسهل على امريكا فرض شروطها على دول الخليج لأنها سوف تصبح عاجزة عن توفير الحماية لوحدها.
  • الخلافات بين دول الخليج العربية سابقا وحاليا حول العديد من قضايا المنطقة ومنها الخلاف حول المواجهة مع إيران، اذ تصر العديد من دول الخليج على عدم المشاركة او استخدام اراضيها في ضرب إيران، بل وبعضها لها علاقات تجارية وتحالف مثل عمان وقطر.
  • ان قوة إيران العسكرية وان كانت اقل من قدرات امريكا القتالية، ولكن قياسا بدول المنطقة فان إيران يمكن ان تسبب تهديدا جديا للمصالح الامريكية في المنطقة، بل قد تقود الى حرب طويلة واستنزاف لأمريكا كما حصل في حرب فيتنام في السبعينات القرن الماضي، لهذا فان امريكا تحاول ان تثير العداء بين دول المنطقة من اجل الضغط على إيران من جهة والحصول على الاموال الخليجية من جهة اخرى.

خلاصة القول، ان المواجهة الحالية بين إيران وامريكا لن تصل الى حرب شاملة، لان هناك عدد من العوائق امامها، وان مواجهات وتهديدات سابقة بينهما قد تم احتوائها وانهائها، فالخطوط الحمر مرسومة بحذر ولا يمكن لأي طرف تجاوزها، كما ان الوساطات الاقليمية غالبا ما تكون هي الفيصل في نهاية المطاف، لهذا فان التعاون والتنسيق بين إيران ودول الخليج العربية هو الحل الامثل لأنها التوتر بينها والحفاظ على استقرار المنطقة وزيادة التبادل التجاري كذلك عدم اعطاء فرصة لأمريكا لابتزاز دول المنطقة وتجريدها من ثرواتها، ان إيران ودول الخليج مدعوة قبل غيرها الى نبذ العنف والتقارب والتفاهم حول قضايا المنطقة، والابتعاد عن المحاور والاحلاف لان المتضرر الوحيد فيها هم العرب.