ما وراء اغتيال جمال خاشقجي

م. مؤيد جبار حسن .

باحث في قسم الدراسات السياسية-مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء.

تشرين الاول –اكتوبر 2018

لم يكن جمال خاشقجي اول أنسان عربي يقع ضحية الدكتاتورية العربية، وبالتأكيد لن يكون الاخير. فمن يسترجع التاريخ يلاحظ ان هنالك الكثير من الحوادث التي ذهب ضحيتها الكثيرون لكن لم يسلط الضوء على ما جرى لهم من فضائع.

فنظام صدام حسين، مثلا، يعد من أكثر الانظمة التي مارست القتل الممنهج داخل الوطن وخارجه بحق من ظنوا انهم أستطاعوا الخلاص من ربقة أضطهاده وظلمه، لكن خابت امالهم.

ففي الداخل، ومنذ تولي صدام الحكم، تم تصفية المئات من الشخصيات المقربة للحكم والتي كانت تشكل تهديدا، من وجهة نظر الدكتاتور، لمن يتولى المنصب. فكان ان سقط ضحايا من ضباط كبار وأطباء وكُتاب ومثقفين، بعضهم كان مقربا للنظام، لكن ذلك لم يشفع لهم فالملك عقيم.

وفي خارج بلاد، تم مطاردة وقتل العشرات من الشخصيات التي شك النظام او علم بالادلة بانها تعارضه قولا وفعلا او لها نية في فضح اسراره. كاغتيال الفريق الركن الطيار حردان عبد الغفار التكريتي نائب رئيس الجمهورية، وزير الدفاع العراقي على الأراضي الكويتية يوم 29آذار/مارس 1971. وعبد الرزاق سعيد النايف، الذي كان أول رئيس حكومة عراقية بعد انقلاب 17 تموز عام 1968، لكن حكومته أطيح بها بعد أقل من أسبوعين من انقلاب 30 تموز، قبلها كان بمنصب مدير الاستخبارات العسكرية، وقد أغتيل في لندن 10/تموز/1978. وكذلك قتل ضابط المخابرات المنشق ماجد حسين في السويد عام 1985، والذي كان يمتلك معلومات بالغة السرية عن النظام البعثي بحكم عمله المخابراتي. وأيضا قُطِع ووضع في حقائب، على يد فريق قتل متخصص.[1]

كل تلك الجرائم – وغيرها الكثير -التي مارسها النظام العراقي السابق، وسبق بها باقي انظمة المنطقة، لم تُثر أي ضجة تُذكر حولها، عدا خبر في صحيفة هنا وهناك وعاجل في شاشة قناة تلفزيونية، وبعدها يتم نسيان او تناسي كل شيء.

القتل كان ومنذ الازل، أداة لتصفية الحسابات، ورغم التطور الكبير في مسار الانسانية وحقوق الانسان المزعومة، الا أنه بقي الوسيلة الانجع بيد من يمتلك السلطة او القوة، ولأسباب لا تتعلق بالفكر او التوجه او الاختلاف العرقي او الطائفي، انما العداوة تأتي لسبب واحد وتتغطى بكافة اللبوس السابقة، ان المصلحة هي وراء قتل الانسان لأخيه الانسان.

ان الانظمة العالمية يجمعها، رغم اختلافها الظاهري، حرصها على بقاء وشائج العلاقة السرية بين عناصرها حتى بين تلك التي تدعي العداوة والبغضاء. وفي قضية مقتل او اختفاء الاعلامي والصحفي البارز جمال خاشقجي فجميع الدول الاطراف (السعودية، تركيا، الولايات المتحدة) مستفيدة بشكل او بآخر من قتله.

فبالنسبة للسعودية، كان التخلص بهذه الصورة الدرامتيكية الدموية من معارض صلد كخاشقجي رسالة بالغة الوضوح لكل من تسول له نفسه في داخل السعودية او خارجها بأن يد المخابرات طويلة وقاسية جدا على من يعمل على مس النظام وان كان بنصيحة لغرض الاصلاح.

في حين تركيا، التي هي من المؤكد أكثر تطورا مخابراتيا ومن المفترض انها على علم بكل شيء، ستستغل هذا الانتهاك على اراضيها لغاية تعزيز موقعها بالنسبة لندها في زعامة العالم الاسلامي (العربية السعودية) والحصول على مكاسب سياسية بما يعزز تنافسها الجيو-سياسي مع إيران في سوريا ويعزز موقعها في تصارع اقطاب النظام العالمي على مسرح الازمات الشرق اوسطية.

اما الولايات المتحدة الامريكية، فسترى في تلك الواقعة، تراجعا لحكام السعودية عن وعودهم في دعم الديمقراطية وحقوق الانسان والعهد الجديد، الذي بدأ بحبس امراء الفساد واسترجاع الاموال الطائلة منهم، وسترى ان هذه فرصة لزيادة الضغوط وربما وضع اتفاق اخرى مع ال سعود ببنود أقسى لا تحرج ساكني البيت الابيض مرة اخرى وتثير الشيوخ في الكونغرس. وستقود مؤسسات صنع القرار الاميركي حملة كبيرة لإرغام العربية السعودية على الاستجابة لتكاليف الحماية الاميركية لها عبر بوابة حقوق الانسان وحرية الرأي التي تعاملت بازدواجية بشأنها مع حلفائها التقليديين في الخليج العربي خلال مرحلة ما سمي ” بالربيع العربي ” وتغيير بعض الانظمة السلطوية في المنطقة العربية والذي حظي بدعم اميركي.

[1] https://goo.gl/emppGE