العرب وإيران مشروع مثالي لكنه ليس بالمستحيل

د.سعدي الابراهيم

باحث في قسم الدراسات القانونية-مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

تشرين الأول-أكتوبر 2018

إذا كانت الجغرافيا قدرا الهيا، فلماذا لا نتعايش معها !!!

احيانا يعجر الانسان عن تبديل ما وجد نفسه عليه منذ مجيئه للدنيا، مثل الشكل والجنس وحتى نهايته بالموت، فيضطر الى تقبل قدره في الحياة ليعيش عمره سعيدا او على الاقل ليس تعيسا للغاية. الدول لا تختلف عن السلوك الانساني الفردي، فهي ايضا تجد نفسها في لحظة من اللحظات وهي اسيرة القدر الذي لا مفر منه ، مثل حدودها الجغرافية، جيرانها من الدول الاخرى، التي قد لا ترتبط معهم بوحدة اللغة او الدين او المذهب . وهي في هذه الحالة امام خياران: اما ان تبقى في صراع دائم مع حظها الذي اوجدها بهذه الصيغة، واما ان تتعايش وتتقبل الأمور وتسعى للتغلب على السلبيات او على الاقل تقليل اثرها .

الدول العربية وايران، ينطبق عليهما الكلام اعلاه تماما، فلم تختر ايران بارادتها ان تكون جارة للسعودية او العراق او بقية الدول العربية، والعرب ايضا لم ينتخبوا موقعهم الجغرافي، هي لعبة القدر ومزاج الطبيعة، وارادة الدول العظمى التي رسمت ملامح هذا العالم وحدوده .

اذا تقبل العرب وايران الكلام اعلاه، اي ان الجيرة هي قدر محتوم لا يمكن تغييره، وان ايران لا يمكن لها ان تقتل كل العرب، ولا يمكن للعرب ان يمحوا كل ايران . نقول اذا تقبلنا الكلام اعلاه، ينبغي ان نتقبل حقيقة قدرية اخرى، لا مجال لتغييرها، وهي مسألة النهج الديني، او المذهب المختلف، هنا ايضا فأن الدين هو وراثة، لو ولد الفرد الايراني في السعودية لكان سنيا، ولو ولد الفرد السعودي في ايران لكان شيعيا ، قليلون جدا اولئك الذين اختاروا مذاهبهم بالعقل والقناعة .

لنفترض ان العرب وايران امنوا ان مسالة المذهب امر لامجال لمناقشته ، لن يتحول الايراني الى سني ولن يتحول السعودي الى شيعي . اذا تقبلنا هذه الحقيقة ايضا، علينا ان نذهب الى حقيقة اكثر اهمية، وهي ان كلا الطرفين العرب وايران، يعرفان جيدا ان هناك مشروع امريكي – اسرائيلي لتفكيك المنطقة، واضعاف دولها، وهذا يتم عبر اشعال الفتنة السنية– الشيعية، بين العرب وايران . والا هل امريكا واسرائيل تأمن العربي الذي يعتبر القدس مكة الثانية؟ وهل هي تأمن ايران التي قال مرشدها الأول الامام الخميني ان الثورة الاسلامية هي مثل ثورة الحسين (ع) ، تبدأ في طهران وتنتهي بنهاية العالم؟ الجواب واضح، وهو ان امريكا واسرائيل لا يثقون ولا لطرفة عين بالعربي ولا بالإيراني، بل ينظران اليهما بعين واحدة .

لنكن متفائلين، بل مثالين للغاية، ونعتبر ان حكماء العرب وايران، قبلوا بكل ما ورد اعلاه، فما هي الخطوة الأخرى ؟

الجواب ، يكمن في النقاط الأتية :

1 – الصلح السري :

ان يبادر احد الطرفين، ولعله ايران، لأنها تمتلك قيادة موحدة عكس العرب المختلفين، بطلب عقد لقاء سري للغاية مع ملك السعودية كممثل عن العرب ، في اللقاء توضع النقاط على الحروف كما هي اعلاه، ان امريكا واسرائيل لن يتركوا المنطقة حتى يقلبوا عاليها سافلها، وحتى تسيل الدماء انهارا ويتهدم العمران ويكثر الفساد في البر والبحر. بعدها يوقع الطرفين على وثيقة الصلح.

2 – بنود اتفاقية الصلح :

  • يقسم رجال الدين في كلا البلدين، على قبول الأخر وعدم نفيه او التحريض على القتل والتكفير والتسفيه، وتوضع مصطلحات وتعابير محترمة، ينادي بها العالم السني الشيعة ويفعل العالم الشيعي الشيء نفسه .

  • يقسم الساسة (الحكام) العرب والايرانيين، على المصحف في ثلاثة اماكن مقدسة، في مكة والنجف وكربلاء على الاتي :

  • يحرم التدخل في قناعات الناس الدينية .

  • يحرم توظيف الدين لزعزعة استقرار الدول الاخرى.

  • يصدر الساسة قوانين تجرم من يسب المذهب الاخر او يسفهه.

  • يحرم ادخال الطرف الدولي في المشاكل الاقليمية .

  • يتفق الطرفان على حل مشكلة اليمن وسوريا على الفور، عبر ارجاع الاوضاع الى ما كانت عليه ، وتنظيم انتخابات فيهما تختار الشعوب عبره قادتها .

  • تبقى الاتفاقية سرية للغاية، وتكون مدتها لا تتجاوز العشرة اعوام ، يتم مراجعتها كل فترة للتأكد من فائدتها ومدى التزام كل طرف بها .

لعل النقاط اعلاه، هي مفاتيح اولية لمحاور اخرى يعرفها الطرفان، اما عن النتائج التي ستترتب على الاتفاقية اعلاه، فمن الممكن ان نتصورها بالشكل الآتي:

1 – انشغال المنطقة بالبناء والتنمية ، بعد ان كان جل هم الانظمة السياسية الإيرانية والعربية ، هو ضرب الاخر وارباكه ، وبعد ان كانت الاموال الطائلة تصرف على مشاريع اساسها الخوف من الجار .

2 – ستضطر امريكا الى تغيير استراتيجيتها في المنطقة، وستبذل طاقتها لأثارة الفتنة بين العرب وايران من جديد، وهذا يحتاج الى اعوام طويلة قد تكون اطول من عمرها كسيدة للعالم .

3 – ان كان هناك ثمة شعور ديني لدى الانظمة السياسية العربية والايرانية، فأن الله يدعو للسلم وحقن الدماء والحفاظ على الحرث والنسل، وهو ما سيحققه الاتفاق.

اذن، ثمة وقت قصير بين العرب وإيران ان يفكروا بعقلانية ويجنبوا شعوبهم الخطر، فالماكنة الامريكية صنعت لتطحن الدول الاسلامية بالكامل، ولا يهمها ان كان الضحايا عربا ام ايرانيين.