كيف ستؤثر نتائج الانتخابات النصفية على سياسة ترامب المقبلة؟

م. ميثاق مناحي العيساوي

باحث في قسم الدراسات السياسية / مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

تشرين الثاني/ نوفمبر 2018

انتظر المتتبعون والمراقبون نتائج الانتخابات النصفية الأمريكية التي جرت في 6 نوفمبر/تشرين الثاني بتحمس كبير؛ وذلك من أجل معرفة طبيعة الانطباع الأمريكي العام حول سياسات ترامب التي انتهجها في العاميين الماضيين. ومنذ عقود طويلة، لم يكن لانتخابات التجديد النصفي هذا القدر الكبير من الترّقب والانتظار لما ستسفر عنه من نتائج، إلا أن تولي ترامب لرئاسة البيت الأبيض والقرارات السياسية التي اتخذها منذ توليه الرئاسة اعطت هذه الانتخابات أهمية كبيرة على المستويين الداخلي والخارجي، وهي بمثابة أول اختبار حقيقي على رئاسته. وتستهدف هذه الانتخابات تغيير جميع أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 435 وثلث أعضاء مجلس الشيوخ البالغ عددهم 100 وانتخاب 36 من حكام الولايات. ويبدو الجدل كبيراً حول هذه الانتخابات؛ وذلك بسبب الطبيعة الراديكالية لبعض السياسات والقرارات التي اتخذها الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب في العامين المنصرمين. ولهذا السبب ربما توصف هذه الانتخابات بأنها استفتاء حول سياسة ترامب أكثر مما هي مجرد انتخابات نصفية، وهي كما تبدو بأنها اختبار حقيقي لسياسات الرئيس. فضلاً عن ذلك، هناك تحمس في الرأي العام الأمريكي والعالمي بشكل عام لمعرفة الانطباع الأمريكي العام حول سياسة الرئيس، لاسيما تلك المتعقلة بالشؤون الخارجية. وبهذه الدائرة تدور فرضية المقال، التي نريد من خلالها أن نستطلع تأثير نتائج الانتخابات النصفية على سياسة الرئيس الأمريكي المقبلة في البيت الأبيض؟

يعد فوز الديمقراطيين في الكونغرس الأمريكي في غرفتيه أو أحدهما متمثلاً بـ (مجلس الشيوخ ومجلس النواب) ضربة قوية توجه إلى اجندة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ سيضع ذلك حالة من التعقيد أمام البيت الأبيض في عدد من القضايا. ولحد الآن تشير النتائج الى استعادة الحزب الديمقراطي سيطرته على مجلس النواب، في حين احتفظ الحزب الجمهوري بسيطرته على مجلس الشيوخ. وبطبيعة الحال لاقى الرئيس الأمريكي الحالي أريحية كبيرة في قراراته السياسية السابقة على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ وذلك بسبب سيطرة الجمهورين على الكونغرس الأمريكي بغرفتيه دون عائق أو قيود تفرض على قراراته، إلا أن استعادة الديموقراطيين السيطرة على مجلس النواب الأمريكي سيكون له أثر كبير على تغيير مسار السياسات الأمريكية مع بداية العام المقبل، لاسيما وأن اعضاء الحزب الديمقراطي متحمسون بشكل كبير على سياسات ترامب، لاسيما تلك المتعلقة بالضمان الصحي والاجتماعي والتمييز العنصري على المستوى الداخلي، وميزانية الدفاع الأمريكي على المستوى الخارجي. فكيف سيؤثر فوز الحزب الديمقراطي بمجلس النواب على اجندة وسياسات الرئيس ترامب في المرحلة المقبلة؟

عندما تأسست الولايات المتحدة الأمريكية على يد المؤسسين الأوائل، كانت الفكرة بأن يكون هناك توازن داخل الكونغرس الأمريكي، بحيث يكون كل مجلس يراقب المجلس الآخر، ولكل مجلس صلاحيات، والسلطة التنفيذية محدودة أيضاً بوجود الرئيس في البيت الأبيض، وأن يكون الكونغرس بشكل عام يراقب ويحاسب الرئيس، إلا أن سيطرة حزب معين على الكونغرس بمجلسيه (النواب والشيوخ) ربما يعطي أريحية كبيرة للرئيس في اتخاذ القرارات والقوانين، وهذا ما كان متاحاً امام الرئيس دونالد ترامب خلال رئاسته في العاميين الماضيين. لكن ما سيعيق ترامب في السنتين المتبقيتين من ولايته هو سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب؛ لأن كل القرارات والمشاريع كمسودة في الولايات المتحدة قبل أن تصبح قوانين نافذة تمر أولاً عبر مجلس النواب الأمريكي، وتمرر الى مجلس الشيوخ “للمصادقة عليها” بموافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب، وبعد ذلك تمر إلى مكتب الرئيس للمصادقة عليها حتى تصبح قانون. وهنا تكمن العقبة الاساسية في اجندة الرئيس الأمريكي؛ فالرئيس بحاجة إلى موافقة ثلثي اعضاء مجلس النواب لكي يمرر القرارات والمشاريع إلى مجلس الشيوخ ومكتب الرئيس. فهناك ستكون عرقلة لأجندة الرئيس فيما يتعلق بعدة مواضيع منها قانون الضمان الصحي “أوباما كير” الذي الغاه ترامب منذ توليه الرئاسة، كذلك ما يتعلق بموضوع الهجرة وبناء جدار عازل مع المكسيك وموضوعة خفض الضرائب. لكن بموازاة ذلك سيكون هناك بعض الصلاحيات بيد الرئيس من خلال القرارات التنفيذية الممنوحة للرئيس بموجب الدستور الأمريكي، كالقرارات التي منع بموجبها دخول المسلمين الى الولايات المتحدة وعقد الاتفاقيات، كتلك التي عقدها أوباما مع طهران حول برنامجها النووي في العام 2015، أو ربما يعرقل مجلس الشيوخ بعض القرارات التي تمر له من مجلس النواب قبل أن تصبح قوانين بعدم المصادقة عليها.

لكن بشكل عام يعد فوز الديموقراطيين عائق أمام سياسات الرئيس، وهنا تكمن الإشارة لما ذكرته رئيسة مجلس النواب الأمريكي وزعيمة الديمقراطيين (نانسي بيلوسي) بعد نتائج الانتخابات الأولية، وهي تتوعد ترامب بعرقلة سياساته سواء تلك المتعلقة بشؤون الإصلاح الصحي أو الهجرة، وفرض قيود على سياسة الرئيس، وفتح مزيد من التحقيقات ضد ترامب. أما على الصعيد الخارجي أو ما يتعلق بالسياسة الخارجية الأمريكية، فأن الرئيس الأمريكي ربما لم يجد اية تعقيدات في تطبيق سياسته الخارجية في السنتين الماضيتين؛ وذلك بسبب سيطرة الجمهوريين على الكونغرس بمجلسيه، إلا أن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب في هذه الانتخابات، سيشكل عائقاً نوعاً ما إمام سياسة ترامب الخارجية، لاسيما تلك المتعقلة بميزانية الدفاع. فمن المتوقع أن تكون هناك جلسات مطولة لطاقم الأمن القومي أمام الكونغرس وجهود ديمقراطية من أجل تخفيض ميزانية الدفاع. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن مجلس النواب لا يمكن أن يشكل عائقاً كبيراً على الشؤون الخارجية الأمريكية، وربما لا يستطيع أن يوقف الرئيس عن تطبيق مجمل سياسته الخارجية؛ لأن العلاقات الخارجية ملك الرئيس في الولايات المتحدة الأمريكية. فضلاً عن ذلك، فأن مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريين لديه صلاحيات كبيرة أيضاً في رسم السياسة الخارجية والبت في مشاريع القوانين بعد تمريرها من مجلس النواب.

لكن بشكل عام، القوانين والتشريعات الأمريكية تسن بموافقة الكونغرس بمجلسيه، فاذا كان هناك عدم توافق في مجلس النواب بأغلبية ديمقراطية ومجلس الشيوخ بأغلبية جمهورية، سيكون له تأثير كبير على سياسة ترامب المقبلة، ومن شأن هذا الخلاف وعدم التوافق أن يصيب سياسة ترامب بالشلل، وربما سيحد من قدرته على ايجاد تشريعات لازمة تساعده على الوصول الى برنامجه الانتخابي أو الحكومي. إذاً، يمكن القول بأن تأثير نتائج الانتخابات النصفية سيظهر من خلال الشأن الأمريكي الداخلي عن طريق سن أو إلغاء بعض المشاريع والقوانين الأمريكية، أكثر منها على الصعيد الخارجي، وهذا ربما سيظهر تأثيره أيضاً بعد عامين من خلال الانتخابات الرئاسية الأمريكية.