العراق غير السعيد: استهداف من الداخل والخارج

بول بيلار Paul R. Pillar

ترجمة وعرض وتحليل: ا. م. د. حسين احمد السرحان

مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

افتتح الكاتب مقاله بالإشارة إلى التباين في الاهتمام بين القضايا والازمات التي تعصف بمنطقة الشرق الأوسط، ومنها الأزمة في سوريا والعراق، ناهيك عن الملف الأكبر وهو التوتر الأميركي الإيراني. اذ أكد أن الأزمة في سوريا استحوذت على اهتمام كبير في هذه المرحلة بوصفها غرفة قيادة شرق أوسطية للمنافسة بين القوى الكبرى، مع وجود خطوات عسكرية أخرى لإدارة الرئيس ترامب وتمديد الوجود العسكري هناك. مع ذلك، لا ينبغي لمشاكل سوريا أن تصرف الانتباه عن مشاكل مشابهة في الجوار (العراق) – الدولة الأخرى التي تهددها تحركات تنظيم “الدولة الاسلامية” داعش، ومكان آخر توظف إدارة الرئيس ترامب كلَّ شيء لحملتها العدائية لاحتوائها والمواجهة معها، هي إيران.

وبصدد العراق، أكد الكاتب أنه منذ الغزو الأميركي عام 2003، أصبح العراق بعيدا عن الديمقراطية الليبرالية الناشئة التي صورها ووعد بها دعاة تلك الحرب. وأصبحت قصة العراق على مدى خمسة عشر عاما الماضية، إلى حد كبير، قصة حرب أهلية، وتمرد، وصراع طائفي ممتد، وولادة جماعات إرهابية آخرها تنظيم داعش. وكما شهدت الآونة الأخيرة اندلاع حالة عامة من عدم الرضا وعدم الاستقرار قادت إلى اضطرابات عنيفة في أكبر المدن الجنوبية في العراق هي مدينة البصرة، إذ تضمنت الاضطرابات أعمال عنف كبيرة وإحراق مقرات حكومية متعددة والقنصلية الإيرانية.

وفيما يرتبط بالعراق، يرى الكاتب أن إدارة ترامب تنظر إلى العراق من عدسة ضيقة تركز على مناهضة إيران والتصدي لها، وأن العراق ساحة لعب سياسية حيث رجل اميركا في بغداد (المبعوث الخاص للرئيس الاميركي بريت ماكغورك) الذي تولى مهمة بقاء القادة المدعومين أميركيا في السلطة وإبعاد أيِّ صديق لإيران خارج السلطة. وهذا النهج يذكره الكاتب بأنه تكرار لما قامت به مساعدة وزيرة الخارجية الأميركية فيكتوريا نولاند، في ظل الإدارة الأميركية السابقة، وهي كيفية اختيار قادة لأوكرانيا. ويظهر البعد المناهض لإيران في سياسة الولايات المتحدة الاميركية المتمثِّلة بجهود الرئيس ترامب في البيت الابيض بألقاء اللوم على إيران في أيِّ شيء غير مرغوب فيه يحدث في العراق – بما في ذلك الضربات التي وقعت بالقرب من مبنيين دبلوماسيين أميركيين في بغداد والبصرة – بينما تتجاهل تدمير القنصلية الايرانية في البصرة في أحداث العنف الأخيرة، وفقا لراي الكاتب.

وعودة إلى ظروف صنع الغزو الاميركي للعراق عام 2003، يرى الكاتب أن صانعي الحرب استمعوا إلى عدد قليل من المنفيين في الولايات المتحدة الذين لم يكن لديهم سوى القليل من الإدراك والمتابعة حول الشأن العراقي، ومن ثمَّ فإن سياسة الولايات المتحدة لا تولي المزيد من الاهتمام لما يريده معظم العراقيين، وما يطلبوه يرتبط بتسلسل الأشياء التي حفزت المتظاهرين في البصرة من ماء نظيف وطاقة كهربائية موثوق بها، واستخدام لا يشوبه فساد لاستثمار الثروة النفطية في المنطقة الجنوبية.

وفيما يتعلَّق بالمواقف العراقية تجاه القوى الخارجية، يرى الكاتب أنها معقدة، على الرغم من أنها ليست أكثر تعقيدا في العديد من البلدان الأخرى التي تأثرت بتدخل قوى أجنبية خارجية؛ فالطائفية هي العامل المؤثر في المواقف العراقية تجاه إيران. وهذا العامل يشوبه تعقيد كبير؛ فأغلب السكان في جنوب العراق يتشاركون المذهب الشيعي مع أغلب الايرانيين. لكن الشيعة العراقيين – بما فيهم رجل الدين الشيعي اية الله علي السيستاني، مع أنه من أثنية إيرانية – لا يؤيدون نظرية اية الله خميني حول ولاية الفقيه أو الحكم المباشر من قبل رجال الدين. كذلك يدرك العراقيون تماماً ما هي القوة الخارجية التي ساعدتهم في صد تقدم المتطرفين السنة في تنظيم “الدولة الإسلامية”، وتلك القوة كانت إيران، التي قدمت مثل هذه المساعدة أكثر من الولايات المتحدة الأميركية، وفقا لرأي الكاتب.

يرى الكاتب أن الاقتراب الفعلي لإيران صوب التفكير العراقي والحياة العراقية تسير بطريق مزدوج، واحد منها اقتصادي، فالرخاء الاقتصادي يدعو ويتطلب تجارة مستدامة وكبيرة عبر الحدود العراقية – الإيرانية. وأن الضغط الاميركي على الحكومة العراقية لإيقاف تحويل الدولار إلى إيران وإيقاف استيراد تشكيلة السلع الايرانية بما فيها الوقود، هي وصفة للمعانة وليس للازدهار. ومن ثمَّ فإن مثل هذا الضغط بوصفه جزءا من الحرب الاقتصادية الأمريكية على إيران يعمل ضد هدف الولايات المتحدة المتمثل في دعم قبضة العبادي المهتزة على السلطة.

اما الطريق الآخر فهو الطريق الأمني؛ فكون العراق جارا لإيران، ولأن لا أحد من العراقيين والإيرانيين يريد إعادة الحرب العراقية الايرانية المدمرة التي شهدها عقد الثمانينيات من القرن الماضي. هذه الحقيقة، إلى جانب الاعتبارات الاقتصادية والتصدي المشترك لتنظيم “الدولة الإسلامية”، يسعى كلاهما إلى الحفاظ على علاقة ودية معقولة بين بغداد وطهران.

في الوقت نفسه، فإن العراقيين يضعون حدودا على تلك العلاقة. وبرزت مشاعر معينة خلال الحرب العراقية الايرانية؛ إذ وضع الشيعة العراقيين القومية فوق الدين في تحديد ولاءاتهم. وأغلب العراقيين يرحبون بتجارة متبادلة مربحة مع ايران والإيرانيين يساعدونهم ضد الارهاب وداعش، لكنهم (أي العراقيين) لا يقبلون بأي شيء من قبيل الهيمنة الإيرانية. ويمكن تفسير حرق القنصلية الايرانية في البصرة على أنها رسالة من هذا القبيل. وإذا تركت الأمور للعراقيين فأن الميول الطبيعية للعراقيين فيما يرتبط بالعلاقات الإقليمية تَّتجه إلى الحفاظ على علاقات ودية واسعة مع إيران، ولكن وفق مشاعرهم القومية يريدون الحفاظ على العراق بعيدا عن أن يكون دولة عميلة لإيران. ومثل هذه العلاقات المعيارية والمفيدة للطرفين، ستكون أكثر ملائمة للاستقرار داخل العراق وفي المنطقة المحيطة به.

ويستطرد الكاتب بالإشارة إلى مثل قريب من الأمريكان في إطار توجيه النصح لصانع القرار الاميركي، ويرى أن الامريكان الذين حررتهم جغرافيتهم من الاضطرار للعيش مع جارة مهددة، يواجهون صعوبة كبيرة في فهم هذا المنظور للعلاقات العراقية -الايرانية. وللمساعدة في تحقيق هذا الفهم، يرى الكاتب إمكانية وضع مقارنة غير تامة أقرب إلى الوطن (أي الولايات المتحدة): وهي علاقة المكسيك بالولايات المتحدة. حتى قبل ترامب، لدى المكسيكيين الكثير من الأسباب التي تجعلهم يشعرون بالحذر والاستياء تجاه جارهم الشمالي. لكن الازدهار الاقتصادي للمكسيكيين يتطلب علاقة وثيقة مع الولايات المتحدة الاميركية. وهذا ما وفَّرته اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا) من وجهة نظر المكسيكيين. ومؤكد أن المكسيكيين لا يريدون الحرب مع الولايات المتحدة؛ فالمرة الاخيرة التي خاضت فيها مثل هذه الحرب، فقدت المكسيك ثلث أراضيها.

وبغض النظر عن الاستياء والحذر تجاه الولايات المتحدة، يرى الكاتب أنه لا يوجد دور جيد لقوة خارجية بعيدة عن المحيط -مثل فرنسا – التي كانت تفرض نفسها على أنها ثقل موازٍ مفترض للنفوذ الأمريكي. حاولت فرنسا فعل ذلك في عقد الستينيات في القرن التاسع عشر، عندما شهدت الولايات المتحدة حالة من الاضطراب بفعل الحرب الأهلية، وبتثبيت أمير نمساوي للإمبراطور ماكسيميليان من المكسيك. هذه التجربة لم تكن جيدة بالنسبة للمكسيك وللإمبراطور ماكسيميليان (الذي أعدمته جمهورية المكسيك في عام 1867)، وحتى لفرنسا. لذلك لا يمكن للولايات المتحدة أن تدعم العبادي أو أية قيادة عراقية أخرى اذا كان ذلك يجعلها على مقربة من الامبراطور ماكسيميليان الاميركي (في إشارة من الكاتب على أن الولايات المتحدة لن تقدم دعمها للعبادي أو أية قيادة عراقية أخرى إذا أصبح ذلك الدعم عاملا يشجع رئيس الحكومة في التقرب من المرشد الأعلى في إيران).

التحليل:

تربط إيران والعراق حدود طويلة تتجاوز الالف كيلومتر، وقد جمعتهم الجغرافية ليكونا جارين. ولكن كل منهما له استراتيجيته وتكتيكاته في السياسة الخارجية تجاه الطرف الآخر أو أطراف أخرى انطلاقا من ايديولوجية النظام السياسي وفلسفته السياسية. ولهذا كانت مواقفهما تجاه قضاياهما المشتركة أو قضايا إقليمية معينة متباعدة وفي بعض الاحيان متعارضة ومتضادة، وهذا التَّضاد بلغ ذروته في الحرب العراقية – الايرانية ولم تنته إلا بعد أن قبل الطرفان أن يحتفظ كل منهما بتوجهاته السياسية المستندة إلى الفلسفة السياسية لكل مهما. واستمر الحال كذلك حتى الغزو الاميركي للعراق عام 2003 الذي وفَّر فرصة لإيران أن تعيد توجهاتها السياسية وتحييها من جديد بعد الفراغ الأمني والعسكري الذي شهده العراق بعد حلِّ قواته الأمنية من قبل سلطة الاحتلال. ومع ذلك لم تُقدّم إيران على العدوان العسكري المباشر في تحقيق أهداف ثورتها “الإسلامية”، لاسيّما مع وجود القوات المحتلة التي تقودها الولايات المتحدة، فإيران لم تكن – ومازالت – غير قادرة على المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة برغم التهديد بذلك. لذا سلكت طريق خلق النفوذ والتأثير الإيراني داخل العراق موظِّفة القوى السياسية الكبيرة المعارضة للنظام الحاكم في العراق قبل 2003، التي كانت تتبنى أفكارا ورؤىً إسلاميةً تتسق مع ايديولوجية النظام الإيراني بشكل مباشر وغير مباشر.

وأسفرت هذه المرحلة عن خلق وتعزيز النفوذ الإيراني في العراق حتى دخول تنظيم داعش الإرهابي وسيطرته على أراضي واسعة من شمال وشمال غرب العراق. وبسبب ما يراه أغلب العراقيين أن إيران – التي تشاركهم في المذهب، وأنها القادرة على الدفاع عن العتبات المقدسة في العراق – قادرة على مساعدتهم في التصدي لإرهاب داعش، عملت إيران على تزايد نفوذها في العراق أمنيا وسياسيا وقدَّمت نفسها على أنها المساند الأكبر للعراقيين في الدفاع عن بلدهم. وفعلا كانت إيران السبّاقة في دعم العراق على مستوى التعامل الحكومي – عبر وجود مستشارين -وعلى مستوى دعم بعض الفصائل العسكرية.

لا ينكر العراقيون هذا الدور، غير أنهم لا يقبلون بالوقت ذاته بتمدد النظام الايراني وايديولوجيته – التي يرفضها أغلبهم حتى من بينهم الشيعة الذي يعودون في أمورهم الدينية الى مرجعيتهم الدينية في العراق وفي النجف الأشرف التي لها نظريتها الخاصة في الحكم، ولا تؤيد نظرية ولاية الفقيه أو حكم رجال الدين المباشر كما معمول به في إيران.

كما أن العراقيين يؤيدون أن تكون لبلدهم علاقات متوازنة قائمة على المصالح المشتركة مع إيران، وبما يحفظ كيان وسيادة بلدهم بدون التأثير والنفوذ السياسي والأمني الإيراني في شؤونهم السياسية والاقتصادية وغيرها، ويعارضون معاملة إيران للعراق بوصفه تابعا. ولكن بالنسبة لإيران وتوجهاتها، أرادت أن تستغل حالة الهشاشة الأمنية والوهن السياسي في العراق ليكون ساحة لتصارع نفوذها مع عدوها الولايات المتحدة الأميركية من دون الاكتراث بالمصالح العراقية، لا بل بدأ يتولد إدراك لدى العراقيين – ومنهم الشيعة – أن أطراف الصراع في بلدهم (إيران والولايات المتحدة) لا يكترثان بالمصالح العراقية.

رابط المقال الاصلي:

https://lobelog.com/unhappy-iraq-buffeted-from-within-and-without/