السيادة في القرن الواحد والعشرين

 

د. سعدي الابراهيم

باحث في قسم الدراسات القانونية-مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء

كانون الاول-ديسمبر 2018

في عصر الثورة التقنية والنظام العالمي الجديد باتت سيادة الدول من الماضي …

كثيرة هي التعريفات والمفاهيم التي قيلت في السيادة، الا ان جميعها لا يخرج عن ان السيادة : هي حرية الدولة دون غيرها بالتصرف في اركانها (الشعب ، الاقليم، الحكومة) . والسيادة كلمة لها جذور فردية، قادمة من الحاكم والمحكوم او العبد والسيد، حيث ان السيد يكون له الكلمة العليا، وهو المالك الحاكم ، القوي الأمر في اغلب الاحيان ، وغيره هم دون مستواه في كل شيء .

الا ان السيادة قد تراجعت كثيرا في العقود الماضية، وبلغت اعلى درجات تراجعها في القرن الواحد والعشرين، ويبدو ان قدسية السيادة تتناسب عكسيا مع الثورة العلمية والتقنية، بمعنى كلما ازداد التطور العلمي والتقني، كلما تراجعت السيادة وقل بريقها، بفعل فشل الدول في الحفاظ على الفضاء، او بصورة ادق الفشل في مواجهة البث الالكتروني، والذبذبات التي لا يقف شيء بوجهها، سواء اكان ا الفضائي، او شبكة الانترنيت، والهواتف النقالة، والاقمار الصناعية التي تجوب السماء.

ولا يرتبط تراجع السيادة، بالثورة العلمية والتقنية فحسب، بل هو يرتبط بأشياء اخرى، ولعل من اهمها التغيرات التي تحدث في بنية النظام الدولي، ورؤية وتفسير الدولة الاقوى في العالم، لمعنى السيادة. فالولايات المتحدة الامريكية، تعتقد بان لها فضل كبير على العالم اجمعه، وانها بعد ان انهيار الاتحاد السوفيتي، باتت هي الدولة الاقوى دون منازع، وبالتالي فلها خصوصية تميزها عن الاخرين، هذه الخصوصية تتمثل في ان لها الحق بالتدخل في شؤون اي دولة، بل وحتى التصرف نيابة عنها، عندما تجدها غير قادرة على ادارة امورها، او انها تذهب باتجاه يخالف المصلحة الامريكية.

البعض من دول العالم، قبلت بهذا الواقع، واعتبرت ان التدخل الامريكي، هو حق محصور بها بوصفها الدولة الراعية للنظام العالمي، والبعض الاخر من دول العالم، غير مقتنعة، لكنها مجبرة بفعل القوة التي تمتلكها امريكا، والذي يجعل من رفضها ليس له اهمية، فأمريكا تتدخل شأت ام ابت، وفي حال تم غلق كل ابواب السيادة بوجهها، فأنها ستدخل بطريقة اخرى، عبر العقوبات الدولية وتحشيد المجتمع الدولي بهدف اسقاط النظام السياسي في الدولة الهدف، او اتهامها بشتى التهم التي ستجعلها في النهاية تخضع للإرادة الامريكية.

الا نظرة الدول للسيادة، قد تختلف عن نظرة شعوبها اليها، اذ ان الشعوب لا زال البعض منها مخدوعا بأن لدولها سيادة كاملة، واغلبها (اي الشعوب) تنظر الى الموضوع بعاطفة جياشة، ولا تحكم عقولها في الموضوع. وهنا يأتي دور الانظمة السياسية العاقلة والرشيدة في ان تحاول افهام شعوبها بحقيقة الامور، والتغييرات التي اصابت المنظومة العالمية، والتي جعلت من قدسية السيادة من زمن الماضي. وبدون ذلك ستبقى الشعوب تتباكي على اوطانها التي لم تعد قادرة على حماية نفسها من التدخلات الخارجية.