حقوق الانسان في العراق بعد عام 2003

   د. سعدي الابراهيم

 

.باحث في قسم الدراسات القانونية.

مركز الدراسات الاستراتيجية بجامعة كربلاء

 

تقدم الدول وازدهارها يقاس بمدى احترامها لحقوق الانسان ….

———————————-

يولد الانسان وتولد معه حقوقه لمجرد كونه انسان . وبالتالي فهي هبة الله وفطرته، او هي منحة الطبيعة عند اخرين . وقصة نضال الانسان في سبيل نيل حقوقه هي طويلة ولا زالت مستمرة ، و وجود الدولة بمؤسساتها المختلفة ما هي الا ادوات اوجدها الانسان كي يسترد حقوقه ويحافظ عليها ، وبالتالي فعندما تتحول الدولة من اداة للحفاظ على حقوق الانسان الى اداة لهدر الحقوق وتضييعها فسنكون هنا امام دولة فاشلة .

وحقوق الانسان بالرغم من مرور عشرات الاعوام على الاعتراف العالمي بها، كما في الاعلان العالمي في منتصف القرن الماضي ، الا انها لم تكتمل حتى في الدول المتقدمة، اذ لازلت منقوصة وتمر بحالة من المد والجزر ، والدليل المظاهرات والاعتصامات وحالات الانتحار التي تشهدها اكثر الدول تقدما، كما حدث في فرنسا في نهايات عام 2018 .

اذا كانت حقوق الانسان منقوصة في الدول المتقدمة، فمن الطبيعي ان لا تكون على ما يرام في الدول غير المتقدمة، ومنها العراق . فهذا البلد على الرغم من انه مر بتحول نوعي من الدكتاتورية الى النظام الديمقراطي، الا ان حقوق الانسان لم تشهد تحولا حقيقيا، فهي لازالت في الكثير من جوانبها مجرد نصوص في الدستور وفي القوانين وفي الشعارات السياسية ، دون ان تطبق بشكل جدي على الواقع، ولعل الجانب الاكثر تطبيقا منها يتعلق بالجانب السياسي، او الديمقراطية، حيث ان هذا الجانب فيه تقدم كبير مقارنة مع غيره، ومن الممكن ان نرصد الاسباب التي ادت الى تأخر ملف حقوق الانسان في العراق، بالاتي :

1 – العنف : العنف بشتى انواعه يعتبر احد اهم المعرقلات التي تحرم الانسان من الحصول على حقوقه، كونه (اي  العنف) سيجعل الانسان يبحث عن حق واحد فقط، ويهمل البقية، الا وهو حق البقاء على قيد الحياة. ومشكلة العراق ان العنف تفاقم بعد عام 2003، وعطل معه كل امل في ملف حقوق الانسان، بسبب انعكاساته الخطيرة، من تهجير قسري ونزوح جماعي، وتدمير لبنى الدولة الفوقية والتحتية ، واشغال المؤسسات المعنية بحقوق الانسان بقضايا القتل والخطف والايتام والارامل ،وغيرها ، من مخلفات العنف واثاره التي لا تنتهي.

2 – الثقافة السائدة : الكثير من الناس لا يعرفون ماهي حقوقهم، ويتصور البعض ان حرية انتقاد النظام السياسي وحرية المشاركة في الانتخابات هي كل ما تعنيه حقوق الانسان . وهذا شيء خاطئ وناتج عن العقل الجمعي والثقافة السائدة والمتراكمة منذ تأسيس الدولة العراقية، فأغلب الناس لا يتصورون ان العيش بسلام وامان وسعة الرزق والاستقرار وراحة البال والنفس المطمئنة ، فضلا عن حرية التنقل والتنعم بخيرات البلاد، والاستمتاع بالخدمات الجيدة ، وغيرها، هي من حقوق الانسان .

3 – تأخر مؤسسات الدولة : حقوق الانسان تتناسب طرديا مع  دولة المؤسسات، والعكس صحيح ايضا، اي كلما كانت الدولة تعيش حالة من انعدام المأسسة كلما عجز الانسان عن استحصال حقوقه، ولأن العراق لم يصل الى مرحلة المأسسة فأن الانسان فيه لم ينال حقوقه بشكل فعلي .

4 – البيئة الاقليمية : قد لا تتوافق فلسفة حقوق الانسان مع رغبات الانظمة السياسية في الدول المجاورة، بالأخص وانها فيها جانب سياسي هو الديمقراطية . لذلك فأن الدول المجاورة عملت وتعمل وستعمل على تأخير هذا الملف، اذا ما قلنا افشله، مخافة ان يطالب الانسان فيها بالشيء نفسه .

اما عن اليات النهوض بملف حقوق الانسان، فينبغي القيام بعدة اليات، لعل من اهمها:

1 – التعريف بحقوق الانسان : فكما اشرنا اعلاه، كيف للإنسان ان يطالب بحقوقه اذا لم يكن يعرفها ! وبالتالي لابد من ان تضع الدولة خطة عامة عبرها تعرف الانسان في البلاد بحقوقه . ولا بأس ان يساعدها في ذلك المؤسسات غير الرسمية، مثل المجتمع المدني ورجال الدين واهل الثقافة والعلم ، ويستخدم في ذلك كل الوسائل التقليدية والحديثة .

2 – ان تتبنى النخبة السياسية رعاية حقوق الانسان : النخبة السياسية، بأماكنها ان تضمن برنامجها الانتخابي والسياسي، حماية حقوق الانسان في العراق ، والسعي لتثبيتها في العمل عندما تصل الى السلطة .

3 – الانسان وحده يقدر على استرجاع حقوقه : بمعنى ان المواطنون مطالبون بالدفاع عن حقوقهم، كونهم المعنيون بها بالدرجة الاولى، بالأخص وان الدستور قد كفل للمواطن ان يعبر عن مطالبه بالطرق القانونية والدستورية المعروفة .

4 – تفعيل المجتمع المدني : هناك الكثير من المنظمات التي تعنى بالدفاع عن حقوق الانسان ، لكنها غير فعالة . هذه المنظمات تستطيع ان تفعل الكثير لو انها تخلت عن مصالحها الشخصية ، وجعلت من تحقيق مصلحة المواطنون هدفا لها .

اذن، حقوق الانسان في العراق لم تشهد تطورا كبيرا، بل لا زالت تراوح في مكانها وتحتاج الى المزيد من الجهد لإرساء دعائمها .