دفاع روسيا عن نفوذها في الشرق الاوسط…قراءة في الاسباب والنتائج

م. حمد جاسم الخزرجي

 

باحث في قسم ادارة الازمات – مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

13 كانون الثاني-يناير 2019

     تعد منطقة الشرق الاوسط عامة وسوريا خاصة من اهم مناطق العالم من الناحية الاقتصادية والاستراتيجية، فهي تضم مخزونات مهمة من النفط والغاز والمعادن الاخرى، كذلك توافر الاراضي الزراعية الواسعة ومصادر المياه، مما جعلها محط انظار اغلب دول العالم الشرقية منها ام الغربية، الا ان اهم قوتين تتنافسان في المنطقة هما روسيا الاتحادية (وريثة الاتحاد السوفيتي السابق)، والولايات المتحدة الامريكية، ولا زالت القوتان تتنافسان للسيطرة على مناطق النفوذ، وتخوضان الحروب بالوكالة من اجل السيطرة على المنطقة, فقد وفر انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1992, فرصة لأمريكا لمد نفوذها في المنطقة, بداتها بوحدة اليمن عام 1993، ثم استغلال ذريعة احتلال العراق للكويت وزيادة تواجدها في المنطقة, ثم وسعت من خطواتها باحتلال العراق عام 2003, بحجة أسلحة الدمار الشامل وتهديد السلم العالمي, ثم دعم الربيع العربي من اجل انهيار الانظمة العربية السابقة (حتى الموالية لها) من اجل اعادة صياغة المنطقة من جديد، ومن ثم التقرب من دول تعد تاريخيا مناطق نفوذ مهمة ووحيدة لروسيا في المنطقة ومنها سوريا التي اشتعلت فيها حرب اهلية لازالت مستعرة الى الان، وفرض عقوبات اقتصادية على ايران .

    إن محاولة امريكا في سوريا للسيطرة الكاملة على المنطقة وانهاء النفوذ الروسي، لم يكتب له النجاح، فقد بدأت روسيا وخلال مدة وجيزة من اعادة بناء قوتها العسكرية والاقتصادية من خلال استغلال ثروة النفط والغاز الضخمة لديها, والسيطرة على سوق الغاز الاوربية, وبدأت تعارض توجهات أمريكا في المنطقة والعالم, ووقفت ضد انضمام جورجيا واوكرانيا لحلف الاطلسي, وساهمت في انفصال منطقتي ( ابخازيا واوستيا الجنوبية) عن جورجيا،  وسعت نفوذها نحو إفريقيا واسيا, ووقفت ضد أي عمل عسكري موجه لإيران، ولم تلتزم بالعقوبات ضدها, وكانت الممول الرئيسي للسلاح لإيران.

   وقد كانت الازمة السورية عام 2011 فرصة لأمريكا لإنهاء نفوذ روسيا في المنطقة، من خلال دعم المعارضة المسلحة واغلبها مجموعات جهادية تكفيرية لإسقاط نظام الحكم في سوريا، وتعد سوريا اخر معقل لنفوذ روسيا في الشرق الاوسط بعد ان تخلت عن نفوذها في اليمن بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق والوحدة اليمنية، وهناك روابط عسكرية بين روسيا وسوريا، وهي قديمة تعود إلى الحقبة السوفيتية، اذ يعد ميناء طرطوس السوري قاعدة عسكرية بحرية مهمة للأسطول الروسي في البحر المتوسط، وان أي تخلي لروسيا عن سوريا يعني ان نفوذها في المنطقة قد حكم عليه بالموت, وعلى هذا الاساس جاء التدخل العسكري الروسي المباشر في الازمة السورية عام 2015، وإنزال قوات روسية برية وجوية في سوريا وتزويدها بصواريخ مقاومة للطائرات (اس 400)، هو محاولة روسية لقطع الطريق على أمريكا.

والتنافس الأمريكي الروسي على سوريا لم يأتي من فراغ, أو من اجل إثبات الوجود فقط, بل له أسباب جوهرية مهمة, لها نتائج مصيرية على الدولتين, ومنها:

  • تضم المنطقة أضخم مخزونات النفط والغاز في العالم, ويخرج منها ما يقرب من 60% من النفط المصدر عالميا، والخشية الروسية هي إن أي سيطرة أمريكية على سوريا سوف يحرمها من موارد طبيعية اضافية وخاصة الغاز السوري، وان أي احتلال امريكي لسوريا يعني مد انابيب الغاز من الخليج الى اوروبا عن طريق تركيا وبأسعار تفضيلية، والسيطرة الامريكية على مبيعات النفط والغاز العالمية، لهذا جاء اندفاع روسيا في سوريا هو لحماية مبيعاتها من الغاز الى اوروبا وافشال المخططات الامريكية.

  • لسوريا موقع مهم واستراتيجي في شرق المتوسط، فهي قريبة من مناطق النفوذ المهمة (إسرائيل ولبنان والعراق والأردن)، لهذا لن تكون خسارتها سهلة لروسيا، لأن سقوطها يعني خسارة اخر معقل مهم لها في الشرق الأوسط, وترى روسيا إن وجودها في سوريا هو مصيري لأجل إثبات وجودها عالميا, وإقليميا, وجعلها حلقة وصل بينها وبين باقي دول المنطقة.

  • ان الهيمنة الامريكية على سوريا يعني الهيمنة المطلقة على المنطقة، وفرض حصار على أي تحرك روسي، وجعلها محاطة بدول اغلبها موالية للغرب وأمريكا, ومن ثم تعرض أمنها القومي للخطر, من هنا ركزت روسيا على الابقاء وزيادة تواجدها في سوريا كقاعدة متقدمة للدفاع عن نفوذ روسيا في الشرق الاوسط، وافشال أي مشروع غربي يحاول ابعادها عن المنطقة.

  • تعتبر روسيا ان تواجدها في سوريا هو مفتاح للتوسع نحو دول اخرى مهمة في المنطقة وخاصة في العراق واليمن, فقد قدمت روسيا السلاح للعراق في حربه مع داعش بعد ان توقفت امريكا عن تزويده بالسلاح، مما ساعد العراق على صد هجمات التنظيم وانهاءه عام 2017, ودعوة العديد من الجهات العراقية إلى التعاون مع روسيا في مجال التسليح.

فرغم تسارع الأحداث في اليمن والتدخل السعودي ضد الحوثيون عام 2015, والدعم الامريكي المباشر للتحالف العربي, الا ان الأحداث في اليمن وسيطرة الحوثيون على أجزاء كبيرة من اليمن, هو يصب في صالح روسيا في المنطقة، لان يمن موحد تحت سيطرة الحوثيون المدعومين من إيران وروسيا, أو تقسيم اليمن إلى شمال وجنوب, في كل الحالات لصالح نفوذ روسيا، لهذا فان اندفاع السعودية في اليمن جاء بدعم وتخطيط امريكي للوقوف بوجة تمدد النفوذ الروسي. يعود لليمن شماله وجنوبه, لذا دفعت أمريكا بالسعودية عوضا عنها للوقوف بوجه هذا المخطط, لأنه بالنهاية سيكون ضربا لمصالحها في المنطقة.

  • تعد دول منطقة الشرق الاوسط ذات موارد اقتصادية هائلة، وهي متأتية من بيع النفط والغاز، ونتيجة التوتر في المنطقة بدأت العديد منها بإعداد ميزانيات عسكرية كبيرة من اجل حماية نفسها، لهذا تسعى روسيا الدخول الى سوق تصدير السلاح في الشرق الأوسط بكل قوة, وتكون منافسا لأمريكا في المنطقة, خاصة وان مبيعات الأسلحة الروسية للمنطقة بلغت عشرات المليارات من الدولارات، وان محافظة روسيا على نفوذها في سوريا هو مفتاح نجاحها في المنطقة.

  • بعد سنوات من الشك بالحليف الروسي وانه يتخلى عن حلفاءه، ارادت روسيا ان تظهر جديتها في الدفاع عن حلفائها، من خلال تعزيز حضورها العسكرية المباشر، اضافة الى التعامل المرن مع قضايا المنطقة، وارادت روسيا ان تكون الأكثر حضورا وتأثيرا في أزمات المنطقة.

    لقد حققت روسيا من تواجدها في سوريا نتائج مهمة على مستوى العالم والمنطقة، فهي اثبتت للعالم انها قوة عظمى ولها مصالحها ونفوذها الذي لا يمكن التخلي عنه، خاصة في سوريا، لهذا فهي القت بثقلها في الحرب السورية حتى اجبرت امريكا اخيراً على الانسحاب من سوريا نحو العراق، وعلى الرغم من ان العديد من المصادر ترى ان الانسحاب الامريكي جاء من خلال تفاهمات وتوافقات روسية امريكية حول المنطقة، الا انه في النهاية يترجم على انه تفوقا لروسيا وتمسكا بنفوذها، ومن نتائج الانسحاب الامريكي هو عودة علاقات العديد من الدول العربية مع سوريا، مثل الأمارات والبحرين وتونس، والتي قطعت علاقاتها مع سوريا بعد احداث عام 2011، وهو ما يعد نتيجة مهمة لروسيا وتحسن لعلاقاتها هي الاخرى مع الدول الخليجية الغنية.

   كان ينظر الى الدور الروسي في المنطقة على ان هدفه الوصول الى المياه الدافئة التي طالما حلم بها اسلافهم القياصرة، مسكونا بهاجس الخوف والعزلة والجغرافية الصعبة، ولكن الدور الروسي الجديد في المنطقة هو دور جديد يقوم على القوة والدبلوماسية الناعمة في التعامل مع قضايا المنطقة خاصة ذات الاهتمام العام مثل القضية الفلسطينية وقضايا الارهاب، لهذا يرى بعض المحللين تفوق الدور الروسي على الامريكي وخاصة في الازمة السورية.

    استطاعت روسيا عبر ازمات المنطقة من بناء علاقات استراتيجية مع العديد من دولها فيما يشبه التحالف خاصة مع ايران، واستطاعت حسب المراقبين كسب تركيا إلى جانبها في حل قضايا المنطقة، وبناء علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية معها، خاصة الموافقة على تزويد تركيا بمنظومة الدفاع الجوي (أس 400).

بعد عقود من التراجع في سوق السلاح، اضحت روسيا مورد للسلاح للمنطقة خاصة لمصر، التي اتفقت مع روسيا لبناء مفاعل نووي، وتسهيلات للطيران الروسي في القواعد المصرية، وعقود تسليح مماثل مع السودان من خلال بناء مفاعل نووي وقاعدة عسكرية على البحر الاحمر، وتحالف عسكري.

وعلى النقيض من الدور الفوضوي الذي يمارسه ترامب (وفقا لمحللين) يأخذ الروس فرصتهم في إعادة ترتيب علاقتهم بدول الخليج. ووقفت موسكو مع مبدأ الحوار، في أزمة حصار قطر، وحافظت على علاقات متوازنة مع كل الأطراف، كللت بتعاون اقتصادي وعسكري (غير مسبوق) مع دول المنطقة، بما فيها صفقات سلاح، وتعاون عسكري وفي مجال الطاقة النووية.

خلاصة القول، يرى العديد من الخبراء والمحللين إن أزمات المنطقة لا يمكن حلها إلا عن طريق التوافق بين القوتين, روسيا وأمريكا, لان استمرارها سوف يقود إلى تدخل دول أخرى تبحث عن نفوذ وموطئ قدم في المنطقة, فخلال الأحداث في سوريا والعراق نرى إن دول الجوار وحتى دول العالم الأخرى لم تكن لها رؤية واضحة أو واحدة من أزمات المنطقة, فبعض الدول تريد تحقيق مكاسب اقتصادية فقط حتى لو أدى ذلك إلى قتل وتهجير الملايين من المنطقة, بينما بعضهم يريد تحقيق مكاسب طائفية وتثبيت وجوده من خلال القتل والتهجير, وبهذا فان على روسيا وأمريكا إن تدركان إن الأوضاع متغيرة وان عليهما إتباع طريق الحل السلمي لازمات المنطقة, حفاظا على وجودهما وسلامة البشرية.