هل تدرك السلطات العراقية الدور الاقليمي المرتقب منها؟

أ. م. د. حسين احمد السرحان

رئيس قسم الدراسات السياسية – مركز الدراسات الاستراتيجية.

كانون الثاني/ 2019

خلال الايام القليلة الماضي توالت الزيارات الدبلوماسية الى العراق بدءا من وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو في اطار جولته الشرق اوسطية التي شملت سبع دول، ثم اعقبتها زيارة العاهل الاردني الملك عبد الله الثاني بعد عشر سنوات من زيارته الاولى الى العراق عام 2008، ثم زيارة وزير الخارجية الايراني جواد ظريف، ثم وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، وآخرها زيارة وزير الدفاع الاسترالي السيد كرستوفر باين اليوم الثلاثاء 15 كانون الثاني الجاري. واغلب هذه الزيارات شملت لقاءات مع رئيس مجلس الوزراء ورئيس الجمهورية ورئيس البرلمان ومسؤولين في اقليم كردستان وبعض زعماء الكتل النيابية، فضلا عن زيارة محافظة النجف واللقاء بالمرجعية الدينية.

على الرغم من اختلاف اهداف الزيارات، الا انها جميعها تأتي في مرحلة مهمة تعيشها المنطقة – في ظل التطورات في الساحة السورية والانسحاب الاميركي، والتوجهات الاميركية الجديدة حول أزمات المنطقة – ويعيشها العراق بعد اشهر من عملية لم تكتمل لتشكيل الحكومة، واكثر من سنة على هزيمة داعش عسكريا والتطورات السياسية والامنية والاقتـصـادية الاخرى.

ومع تنوع اهداف تلك الزيارات – التي تؤشر نجاح التواـصل مع العراق – ما بين سياسي وامني واقتصادي، يبقى العراق هو محور كثير من التفاعلات الاقليمية. ولكن لابد من ادراك ما يُراد للعراق من قبل الاطراف الفاعلة من دور في هذه التفاعلات، هل يُراد له ان يكون تابع ام شريك يساهم في تعزيز حالة التواـصل الاقليمي؟ وماذا يتطلب من العراق ليكون بمستوى من الفاعلية السياسية التي تؤهله لاستعادة دوره الاقليمي؟

اذا ما استثنينا زيارة وزير الدفاع الاسترالي السيد باين التي ركزت على اهمية تعزيز التعاون بين البلدين في مجال الدفاع ودعم قدرات القوات العراقية وتلبية احتياجاتها للأسلحة والمعدات العسكرية والتدريب، فأن الوزير بومبيو استهدف بحث الاستراتيجية الاميركية في المنطقة بعد قرار ترامب الانسحاب من سوريا وطمأنة الحلفاء بضمان الامن في المنطقة، وخطط واشنطن في الضغط على شركائها وحلفائها في تحديد النفوذ الايراني، فضلا عن بحث قضايا التعاون في مجالات الاقتصاد والطاقة ومواجهة الارهاب. كذلك تتنوع اهداف ايران في تعارضها مع الاستراتيحية الاميركية الجديدة، فضلا عن فرنسا التي تقترب مع الولايات المتحدة لاسيما اعتراضاتها الاخيرة لملف صناعة الصواريخ الايرانية البعيدة المدى الذي لم يتم تضمنه في الاتفاق النووي بين ايران ومجموعة الـ(5+1). كذلك الحال مع المملكة الاردنية الهاشمية التي تهدف الى الاستفادة من العراق لتكون ممرا لتصدير النفط العراقي وفتح المنافذ الحدودية وتسهيلات حركة التجارة بين البلدين في تحسين اوضاعها الاقتصادية الصعبة والتي تسببت في خروج حركة احتجاجات كبيرة قبل اشهر وتجددت باستمرار بشكل متقطع.

استهدفت الزيارات الاخيرة امرين اساسيين: الاول معرفة الموقف الرسمي للسلطات العراقية من قضايا المنطقة ولاسيما الارهاب والتأثير الايراني، والثاني، البحث في امكانية ان يكون للعراق فاعلية ودور في تلك المصالح والاهداف المتفقة في حدودها الدنيا والمتعارضة في واقعها العام.

لكن احد المؤشرات السلبية الاساسية لزيارة المسؤولين العراق بعد عام 2003 والى الوقت الحاضر هو لقائهم برؤساء السلطات الثلاث ورئاسة اقليم كردستان وبعض زعماء القوى والتحالفات السياسية والنيابية. الامر الذي يؤشر انعدام تبلور منطق الدولة، وبالتالي تعدد الجهات المعبرة عن التوجه السياسي والامني داخليا وخارجيا. كذلك يلاحظ تشتت وتعارض مواقف وتصريحات المؤسسات الصانعة للسياسة الخارجية والقوى السياسية تجاه قضايا المنطقة وازماتها.

عليه، ووفقا للتوجهات الواضحة والمتعارضة للأطراف اعلاه، تأمل تلك الاطراف ان يكون للعراق دور في تلك الاستراتيجيات والتوجهات لموقعه المهم وعلاقاته الايجابية مع الاطراف الاقليمية والدولية، فضلا عن انه على ابواب حكومة جديدة مجلس نواب جديد. لذا تحتاج الحكومة العراقية الى مواقف واضحة وثابتة من تلك التوجهات والمصالح عبر بلورة توجه معلن للسياسة الخارجية في المرحلة القادمة يراعي المصالح الوطنية العراقية، وان تكون باقي السلطات والقوى السياسية العراقية داعمة لهذا التوجه وتلافي انعكاس الخلافات السياسية الداخلية على التوجهات الخارجية للحكومة. كما تحتاج تلك السلطات والقوى السياسية الى وحدة الموقف من جميع تلك الملفات. وان اعتماد المصلحة الوطنية في بلورة تلك المواقف ستنتج وحدة الهدف ووضوحه. وبدون ذلك، فان الحكومة العراقية ستفشل في اختبار بلورة دور اقليمي واضح ومميز. وبدون تحقق ذلك، سيكون العراق تابع في دوره لهذا الطرف وذاك.

لذا لابد من الاهتمام اكثر بالأدوات ولاسيما ادوات السياسة الخارجية والاقتصادية والامنية. لذا نحتاج الى الاهتمام بتلك الادوات (المؤسسات). على مستوى وزارة الخارجية تحتاج الى اعتماد سفراء في تلك الدول مدركين لطبيعة التفاعلات الاقليمية والدولية بعيدا عن المحاصصة الحزبية ومزودين بمواقف ثابتة وواضحة من مراكز صنع القرار السياسي الخارجي في بغداد. كذلك الحال مع مؤسسات التعاون الاقتصادي والامني المتمثلة بوزارتي الدفاع والداخلية والتجارة وباقي دوائر صنع القرار الاقتصادي والامني في الدولة العراقية.