حلم نبوخذ نصر ومستقبل الدولة العراقية

م.د سعدي الابراهيم /باحث في قسم الدراسات القانونية /مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

كانون الثاني –يناير 2019

الدول الناجحة تأخذ عينات من تاريخها لصنع المستقبل

_____

لا فائدة من ان يكون لدولة ما، حضارة عميقة، تمتد جذورها الى بدايات التكوين الانساني على سطح الأرض، ما لم تتمكن من توظيف هذه الميزة لتحسين احوالها في الحاضر والمستقبل.

العراق من بين البلدان الاكثر حضارة في العالم، فهو موطن النهرين والكتابة والزرع والاديان والفلسفة والفن بشتى انواعه. الا ان هذه الميزات لم يتم توظيفها بالشكل الصحيح، بل استعيض عنها بالأفكار المستوردة التي شتت الوحدة وضيعت بيضة الدولة وبوصلتها التي كان من المفترض ان تتواصل مع سالف العصور، فقد خسر العراق بفعل توجهه العروبي القومي في مرحلة ما قبل عام 2003، وخسر أكثر عندما ركض نظامه السياسي بعد نفس التاريخ، خلف الهويات الفرعية، فتوسعت التفرقة، وكادت ان تودي بحياة البلاد وتقتلها.

الا انه في المرحلة التي اعقبت عام 2017، اي مرحلة ما بعد طرد الجماعات الارهابية من بعض المحافظات، ظهرت بوادر الصحوة العراقية الجمعية، وهناك شبه اتفاق وان كان غير مكتملا ما بين النخبة الحاكمة والشعب، من ان المرحلة المحصورة ما بين 2003 و2017، هي مرحلة مرة وسوداء من تاريخ العراق ينبغي القفز عليها، واعادة كتابة ذاكرة الدولة العراقية من جديد. هذه الكتابة ينبغي ان تتسم بالتخطيط والرسم العلمي المحكم، كونها الخارطة التي ستسير عليها الاجيال العمرية، ما بعد المرحلة المرة والسوداء اعلاه. او بالأحرى اجيال ما بعد عام 2017. واولى خطوات الانطلاق الخلاق نحو المستقبل، انما تتمثل في البحث عن هدف جمعي، سامي وعظيم، يستحق ان يعطي الانساني العراقي طاقته القصوى في سبيل تحقيقه، وينبغي ان يكون مقنعا بما فيه الكفاية، وان يكون له امتداد تاريخي، ويزرع الأمل بغد أفضل.

وإذا ما ارادنا ان نبحث عن مثل هذا الهدف الجمعي والاستراتيجي، فلعلنا لن نجد خير، من نبوءة او حلم الحاكم العراقي (نبوخذ نصر). فهذا الملك، وبحسب الروايات التاريخية التي جاءت بها الاديان السماوية، قد رأى في المنام حلما، تم تفسيره من قبل رجال العلم والدين في زمانه، على أن نسل هذا الملك سيكون لهم امبراطورية عظيمة مترامية الاطراف، قد تكون هي الاقوى في العالم. وبما ان العراقيين هم احفاد هذا الملك، بحكم الوقائع التاريخية والجغرافية، فمن الممكن ان يتم اعادة صياغته، وجعله من شعارات الدولة العراقية الحالية، وتسليط الاضواء عليه وابرازه كي يطبع في الذاكرة والوجدان العراقي، ومن الممكن ان يتم ذلك عبر عدد من الاليات العلمية، مثل:

اولا – المناهج الدراسية وحلم نبوخذ نصر: تستخدم المناهج الدراسية في كل مكان وزمان، لتثقيف التلاميذ، وتوجيهم نحو الامام بما يخدم مجتمعهم ودولتهم. من المفيد جدا ان يتعرف التلاميذ والطلبة على حلم اجدادهم، وان يتم تنشئتهم على ان الحلم لم يتحقق بعد، وان من الممكن تحقيقه على ايديهم، او على الاقل ان مستقبل العراق هو ان يكون امبراطورية عظيمة.

ثانيا – الشعارات السياسية وحلم نبوخذ نصر: الشعارات الحزبية، وشعارات الدولة وعلاماتها الرسمية، تستمد من هويتها الوطنية ومن اهدافها المستقبلية. لذلك ينبغي ان ترمز الى الحضارة القديمة، بالأخص موضوعة الايمان بالنهوض المستقبلي للعراق.

ثالثا – السينما والتلفزيون وحلم نبوخذ نصر: نجح المصرين في ان يروجوا لحضارتهم القديمة عبر الفن (الافلام والمسلسلات التلفزيونية). ولا بأس ان يفعل العراق الشيء نفسه، من خلال التركيز على الجوانب التاريخية المشرقة، مثل حلم نبوخذ نصر، الذي تعرفه اغلب الشعوب في حين ان الكثير من العراقيين يجهلونه.

ان بناء الاستراتيجية الوطنية، على ان للعراق مستقبل أفضل، من خلال احياء احلام الملوك القدامى، فيه فوائد كثيرة، مثل:

1 – توحيد الصفوف، على اعتبار ان الكل يفتخر بالانتماء للحضارات القديمة (الجذر الاوحد)، سواء اكانوا العرب ام الاكراد ام التركمان ام غيرهم.

2 – زرع الامل والتفاؤل بالمستقبل. وكسر حالة الجمود واليأس والتثبيط التي تسيطر على عقول اغلب ابناء الشعب.

3 – سحب البساط، من تحت المنادين بالهويات الفرعية المفرقة، واعادتهم الى هوية وطنية جامعة.

اذن، امام النخبة السياسية الحاكمة، ادوات مهمة من الممكن توظيفها بشكل علمي لصنع المستقبل.