أزمة المياه في العراق (الوجه الجديد للتحدِّي الأمنيِّ في القرن الحادي و العشرين)

 

سيف الامارة : باحث متخصص بالعلاقات الدولية /مركز الدرسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

كانون الثاني- يناير 2019

تُصوِّر الأدبيَّات الفنـِّيَّة أزمة المياه القائمة اليوم بين العراق وتركيا بالأوضاع المعيشيّة لرجل وامرأه ينتميان لجيلين مُختلِفين، ومن بلدين مُختلِفين، ويعيشان بعيدين عن بعضهما بمسافة 1100 كيلومتر، لكنَّ مصير سليمان أغالدي، ونشوى نصر مُرتبط بالسياسات التي قد تُغيِّر نهر دجلة الذي روى مدينتيهما لقرون، وبات الآن كلاهما مُهدَّداً بالتهجير. سيُشاهِد السيِّد أغالدي البالغ من العمر (39 عاماً) الذي يسكن في جنوب شرقيّ تركيا الكهوف القديمة، والتكوينات الصخريَّة في مدينة حسن كيف التي يعود تاريخها إلى 12,000 سنة، وتقع في الجزء الكردستانيِّ من تركيا تغمرها المياه ببطء؛ بسبب سدّ إليسو المُثِير للجدل الذي سيُغرِق في الأشهر المقبلة منازل، وحدائق وُجِدَت منذ آلاف السنين.

غير أنَّ غرق موطن السيِّد أغالدي يُهدِّد -أيضاً- بالتسبُّب بنقص حادّ في أهوار مدينة السيِّدة نصر في جنوبيّ العراق؛ ممَّا قد يُؤدِّي -أيضاً- إلى القضاء على حضارات ما بين النهرين، بما فيها “جنة عدن” التي أعيد بناؤها حديثاً في العراق، إذ اعتادت السيِّدة نصر على استقبال مياه نهري دجلة والفرات، وهما يتدفـَّقان من المرتفعات التركيّة، وسلكت كأسلافها نهج تربية جاموس الماء بين القصب العالي، وفي صغرها كانت المياه عالية جدّاً، وكان يُمكِنها أن تنحني من منزلها المُسقـَّف بالقش، وتغرف من الماء، أمَّا الآن، فحتى لو كان بمقدور السيِّدة البالغة من العمر 78 عاماً أن تصل إلى الماء من كوخها فإنـَّها ستجده مُلوَّثاً جدّاً، وغير صالح للشرب، وتقول السيِّدة نصر إنها وعائلتها يُفكّرون في كلِّ يوم بالهجرة على مضض، لكنـَّهم لا يعرفون إلى أين. وتُضِيف نصر: “كلّ ما نعرفه هو تربية الجاموس. كيف سننجو من هذه المحنة؟ إنّنا ننتظر الرحمة من الله”.

لقد قطعت تركيا مُؤخَّراً تدفـُّق المياه من نهر دجلة، وروافده إلى العراق بحُجَّة ملء سدّ أليسو؛ ممَّا أدَّى إلى تعطيل أغلب الأراضي الزراعيَّة، وموت الأسماك في المناطق التي كان يصبُّ فيها النهر، وبُرُوز كارثة بيئيّة خطيرة.

ونشرت وسائل الإعلام بعض أشرطة الفيديو المأساويَّة التي تُظهِر ناساً يعبرون نهر دجلة على أقدامهم، وهو ما يُؤكّد فقدان النهر لكمِّيَّة كبيرة من المياه، بخاصّة أنّ منسوب المياه في نهري دجلة والفرات قد انخفض بنسبة 60٪ في غضون عقدين.

ترتكب دول الغرب اليوم خطأً ستراتيجيّاً في العراق بدعمها بناء سد أليسو، وتغييب دورها في معالجة عواقب ذلك السدّ على العراق، فيُساهِم بذلك الغرب بإعادة السيناريو الكارثيِّ الذي تُسبِّبه في العراق بإغفاله لمخاطر نُمُوِّ مدراس التطرُّف، والتجنيد، والفقر، والتهميش الذي ساهم بإنتاج أعتى إرهاب عرفه التاريخ الحديث، والمُتمثـِّل بارهاب داعش الذي دمَّر العديد من دول المنطقة، وأرعب العالم برُمَّته.

إنَّ ما شهده العراق مُؤخـَّراً من تظاهرات، واضطرابات واسعة اجتاحات المناطق الجنوبيَّة يُعَدُّ مُؤشِّراً أوَّليّاً لمخاطر أزمة المياه في استقرار البلاد، ومن المُتوقـَّع أن تزداد حِدَّة تلك الاضطرابات بالتوازي مع تنامي حِدَّة أزمة المياه، إذ تذهب أكثر من 80% من مياه العراق إلى الزراعة التي يعتمد عليها أكثر من ثلث السكان البالغ عددهم 37 مليون نسمة.

إنَّ تنامي الاضطرابات الداخليَّة في العراق من شأنها أن تُربِك الحكومة المركزيَّة، وتصرف انتباهها عن مُحارَبة الإرهاب؛ ممَّا يسمح للأخير بإعادة تنظيم نفسه، والبُرُوز من جديد؛ ممَّا يُجبر دول الغرب على إعادة مُحارَبته بكلفة باهظة، ناهيك عن حجم الدمار الذي سيُخلـِّفه فيها.

من الناحية الجيوسياسيَّة يُساعِد الموقع الحيويّ للعراق، وصلات مُجتمَعه بالعديد من دول المنطقة في خلق آثار وخيمه؛ في عدم استقرار دول المنطقة، ولاسيَّما دول الجوار.

يُشجِّع عدم الاستقرار في العراق الهجرة إلى أوروبا، إذ يُمثـِّل العراق رابع أكبر كثافة سكانيّة في الشرق الأوسط. فإذا تشهد اليوم أوروبا أخطر أزماتها منذ الحرب العالميّة الثانية نتيجة مُعاناة 23 مليون مُواطِن في سوريا، فكيف سيكون وضع أوروبا لو أضيف 37 مليون عراقيّ إلى المُعادَلة؟!

من حيث مصادر الطاقة من المُمكِن أن تصيب أزمة المياه في العراق الذي يحتلّ أكبر احتياطيّ نفطيّ في العالم بعد السعوديّة اقتصادات أوروبا بالشلل عبر رفع أسعار النفط بشكل خطير؛ لأنَّ المناطق الجنوبيَّة التي تحتوي على أغلب المصادر النفطيَّة للعراق هي الأكثر تأثـُّراً بأزمة المياه.

تضع ازمة المياه في العراق دول الغرب امام خيارين اساسيين، وهو إمَّا معالجة الأزمة قبل تفاقمها بكلفة مُناسِبة، وذلك عبر الضغط على تركيا بمنح العراق حِصَصاً كافية من المياه، ودعم مساعي العراق في تحديث بناه التحتية الخاصة بالمياه، والاستفادة من التجارب الاوربية الرائدة بهذا الشأن، لتمكينه من مواجهة خطر تناقص المياه، فضلاً عن مأسسة موضوع المياه على المُستوى الدوليِّ عِبْرَ عقد اتفاقيَّات أمميَّة تُنظـِّم العلاقة بين دول المنبع والمصبّ بالشكل الذي يُحرِّر تلك العلاقة من المُتغيِّرات السياسيَّة- أو ستكون دول الغرب امام سيناريو معالجة الأزمة بعد تفشـِّيها بدفع كلفة باهظة، ولمُدَدٍ طويلة نسبيّاً.