جذور العنف الداعشي في التاريخ الإسلامي ” الازارقة أنموذجا “

أ. م. حيدر خضير مراد

قسم الدراسات السياسية -مركز الدراسات الاستراتيجية

شباط/ 2019

ان ما يرتكبه تنظيم داعش من عنف وأرهاب وتقتيل للناس وتدمير الحضارة والمدنية في الوقت الحاضر، وما يعتمده من استقطاب طائفي وايديولوجي، أصبح حديث الساعة من قبل الباحثين والمفكرين لمعرفة اسبابه وعوامله المختلفة، والواقع ان هناك من يرى أن ظاهرة داعش الدموية تكشف عن جذور تاريخية عميقة للأتجاه السلفي المتشدد في حقب زمنية متعاقبة من تاريخ المسلمين.

وتمثل فرقة الخوارج الازارقة التي ظهرت في العصر الاموي نموذجاً قديماً لداعش في التاريخ المعاصر بما مثلها من غلوّ وتكفير وتطرف وبُعد عن السُنّة النبوية واعتقاد ان العبد متعبد بعين الحق في كل مسألة. وقد اجتذبت كل من الفرقتين بسطاء الناس ومحدودي التفكير ليصبحوا لقمة سائغة للتكفير والعنف والارهاب. ويزداد تمسكهم وتعصبهم للنظريات والآراء التكفيرية من خلال رفض استخدام العقل والتمسك بأقوال زعمائهم وأمرائهم لتخلق في النهاية ظاهرة تكفيرية دموية استناداً الى نصوص يفسرها هؤلاء المتطرفون على حسب اهوائهم وآرائهم ليستبيحوا بها دماء البشرية من المسلمين وغيرهم ليشكل كلا التيارين معاً رابطاً اساسياً للفكر التكفيري المتشدد من حيث الفحوى والمضمون عبر التاريخ الإسلامي والمعاصر.

ظهرت فرقة الازارقة في النصف الثاني من القرن الأول الهجري/ السابع الميلادي في منطقة البصرة وما حولها وقد سميت بهذا الاسم نسبة الى زعيمها نافع بن الازرق بن قيس الحنفي البكري، الذي كان من أكبر فقهائهم والمنظرين لجماعتهم (1)، وتعتبر فرقة الازارقة من أكثر فرق الخوارج غلواً في مبادئها (2)، ولم تكن من الخوارج قط فرقة أكثر عدداً ولا أشد شوكة منها (3). وقد كفرت فرقة الازارقة الامام علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجميع المسلمين(4). وذهب نافع بن الازرق الى القول: “بأنه لا يحل لأصحابه المؤمنين ان يجيبوا أحداً من غيرهم إذا دعاهم للصلاة، ولا ان يأكلوا من ذبائحهم ولا أن يتزوجوا منهم، وهم في نظره مثل كفار العرب وعبدة الاوثان، كما قال عن بلادهم إنها دار حرب، ويحل قتالهم وقتل أطفالهم ونسائهم لأنهم كانوا يعتقدون ان أطفال مخالفيهم مشركون وانهم مخلدون في النار (5).

وكان نافع بن الازرق لا يجيز التقية في قول ولا في عمل، لأن الله تعالى يقول: ” إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله او أشد خشية” (6). وكان يستحل الغدر بمن خالفه ويكفر القعدة الذين كانوا على رأيه عن القتال مع قدرتهم عليه او عن الهجرة إليهم، وأوجب امتحان من ينضمون إليهم، وكانوا يدفعون إليه واحداً من أسرى مخالفيهم ويأمرونه بقتله، فأن قتله صدقوه وإن لم يقتله قالوا هذا منافق ومشرك وقتلوه (7).

وكذلك كان الازارقة يكفرون مرتكب الكبيرة مستدلين بكفر إبليس الذي يقولون عنه إنه لم يرتكب الا كبيرة واحدة حيث أمر بالسجود لآدم فأمتنع (8) وقال: ” أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ” (9).

وزاد نافع بن الازرق بأن أسقط حد الرجم على الزاني المحصن لأنه لم يرد نص عليه في القرآن، وأسقط الحد عمن قذف الرجل المحصن، ولكنه اقامه على من قذف المحصنات من النساء (10)، وحكم بقطع يد السارق في القليل والكثير، وقد كفر المسلمون فرقة الخوارج الازارقة بهذه البدع التي استحدثوها (11).

كانت فرقة الازارقة من أكثر فرق الخوارج عداءً للدولة الاموية (41 – 132هـ / 661 – 749 م) وقد هاجم نافع بن الازرق البصرة، وأستمر القتال بين الازارقة والدولة الاموية ما يقارب عشرين عاماً في مناطق البصرة والأهواز وفارس وكرمان، بسبب قوة الازارقة وشدتهم وكثرة عددهم، الى ان تمكنت الدولة الاموية من سحق حركتهم والقضاء على تمردهم في عام 78هـ /697 م، وقد كانت حركة الازارقة من أهم اسباب ضعف الدولة الاموية وسقوطها على يد العباسيين سنة 132هـ / 749 م لأنها استنفذت الكثير من مواردها وقوتها (12).

وهكذا ومن خلال الاستعراض السابق لتاريخ ومعتقدات فرقة الخوارج الازارقة نجد ان العنف الداعشي في العصر الراهن له جذوره التاريخية التي تضرب في عمق التاريخ الإسلامي، والتي لها صلة وثيقة بفكر ومعتقدات واراء فرقة الازارقة أشد فرق الخوارج عنفاً وتطرفاً في تاريخ المسلمين، وليس من المبالغة القول ان فرقة الازارقة تمثل نموذجاً كلاسيكياً للفكر التكفيري المتطرف الذي يجسده داعش في الوقت الحاضر، بل من الممكن القول ان الازارقة يعتبرون وبحق دواعش القرن الأول الهجري في التاريخ الإسلامي.

الهوامش:

  • الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم ( ت 548 هـ / 1153 م ) ، الملل والنحل ، تح : أحمد حجازي ومحمد رضوان ، ( المنصورة : مكتبة الأيمان ، 1427 هـ / 2006 م ) ، ج 1 ، ص 101 ؛ حسن ، حسن إبراهيم ، تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي ، ط1 (القاهرة : مكتبة النهضة المصرية ، 1967 م ) ، ج 1، ص318.
  • أحمد ، لبيد ابراهيم وعبد الواحد ذنون طه وعبد القادر سلمان المعاضيدي ، الدولة العربية الاسلامية في العصر الاموي ، ( بغداد ،1412هـ/1992م ) ، ص28 .
  • حسن ، تاريخ الإسلام ، ج 1 ، ص 318 .
  • الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص102 – 103 .
  • حسن ، تاريخ الإسلام ، ج 1 ، ص 318 .
  • سورة النساء ، الآية 77 .
  • حسن ، تاريخ الإسلام ، ج 1 ، ص 318 – 319 .
  • الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 104 .
  • سورة الاعراف ، آية 12 .

(10) الشهرستاني ، الملل والنحل ، ج 1 ، ص 103 .

(11) حسن ، تاريخ الإسلام ، ج 1 ، ص 319 .

(12) ينظر : أحمد وآخرون ، الدولة العربية الاسلامية في العصر الاموي ،  ص28 – 32 ؛ حسن ، تاريخ الإسلام ، ج 1 ، ص 312 – 313 .