حكومة عبد المهدي ستبقى في دائرة الخطر

 

م. ميثاق مناحي العيسى

باحث في قسم الدراسات السياسية

مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

أذار/مارس 2019

على الرغم من تجاوز الدولة العراقية في السنوات الأربع الأخيرة أخطر تهديدان في تاريخ الدولة العراقية الحديثة، لاسيما بعد عام 2003، إلا وهما خطر تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وخطر الازمة المالية الكبيرة التي ضربت كل مفاصل الدولة العراقية بعد الانخفاض الحاد في اسعار النفط العالمية، إلا أن هناك مخاطر كبيرة وكثيرة لا زالت تمثل تهديد كبير لمستقبل حكومة السيد عادل عبد المهدي في المرحلة المقبلة، لاسيما وأن حكومته تجاوزت مدة المائة يوم، دون أي تقدم يذكر في مجال الإصلاح السياسي والاقتصادي أو الخدمي أو في مجال مكافحة الفساد، وهي المدة التي قطعها السيد رئيس الوزراء على نفسه إمام الشعب العراقي من أجل تقييم اداء حكومته خلال هذه الفترة. بالتأكيد أن خطر تنظيم “داعش” ما يزال قائماً وسيبقى كذلك، مالم تكن هناك إصلاحات حقيقية تمتد إلى بنية وطبيعة النظام السياسي القائم وإعادة القراءة في كل السياسات الحكومية السابقة ومعالجة الأخطاء الجسيمة التي ارتكبتها الأحزاب والقوى السياسية العراقية بمختلف توجهاتها على الصعيد السياسي والقانوني والاقتصادي والعسكري، ووضع معالجات حقيقية لمغذيات التطرف الاجتماعي وإعادة النظر في طبيعة إدارة السلطة بشكل عام. كذلك ما تزال مخاطر تقلبات اسعار النفط العالمية خطر يهدد الدولة العراقية، وهذا بحاجة أيضاً الى مراجعة حقيقية لوضع البلد الاقتصادي، أي بمعنى تنويع الاقتصاد الوطني وعدم الاعتماد على النمط الريعي للاقتصاد؛ وذلك من خلال تفعيل وتنشيط قطاعات البلد الأخرى كقطاع الزراعة والصناعة واحياء القطاع الخاص.

بطبيعة الحال أن فرضية المقال لم تبنى على تلك المخاطر فقط، بل أن هناك مخاطر حقيقية ستواجه حكومة السيد عادل عبد المهدي، والتي من شانها أن تحدد مستقبل حكومته ولربما “وبدون مبالغة” من الممكن أن تحدد مستقبل العملية السياسية والنظام السياسي القائم.

يأتي ملف مكافحة الفساد في مقدمة تلك المخاطر، ربما يرى البعض بأن السيد عبد المهدي عازم على محاربة الفساد بكل صوره، إلا أن هناك الكثير من المؤشرات تدلل على أن السيد رئيس الوزراء الحالي لا يمكنه القيام بذلك، حتى مع الاجراءات التي انتهجها لحد الآن سواء من خلال تشكيله المجلس الأعلى لمكافحة الفساد (الذي لا يتمتع بأي سند دستوري أو قانوني) أو من خلال سلوكه السياسي وطبيعة تعاطيه مع ملف تشكيل الحكومة العراقية. وإن النافذة القانونية التي اعلن عنها السيد عبد المهدي في بداية تكليفه بتشكيل الحكومة العراقية كانت واحدة من المآخذ التي كشفت عن عدم قدرته في التعاطي مع ملف الفساد والملفات الأخرى الأكثر تعقيداً وطبيعة إدارته للحكومة الحالية. كذلك يعد ملف الخدمات وانتشار الفقر والبطالة من الملفات الأكثر تعقيداً امام الحكومة الحالية، لاسيما مع قدوم فصل الصيف، فملف الكهرباء والخدمات يأتي في مقدمة تلك الملفات التي ستؤجج حركة التظاهرات والاحتجاجات خلال الصيف القادم، لاسيما في محافظات العراق الوسطى والجنوبية، التي تشهد حركة احتجاجات واسعة وكبيرة ضد السياسات الحكومة في السنوات الأخيرة, وأن فشل الحكومة الحالية في حل تلك الملفات، سيجعل الوضع السياسي والأمني معقد جداً إمام حكومة السيد عادل عبد المهدي، لاسيما مع استمرار حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، وفشل السيد رئيس الوزراء في عملية استكمال تشكيل حكومته واختيار وزراء (الداخلية والدفاع) لحد الآن.

فضلاً عن ذلك، فأن الحكومة الحالية ما زالت غير قادرة على الخروج من دائرة خطر أملاء الاحزاب والقوى السياسية العراقية والإرادات الخارجية، على الرغم من أن تضمينها وزراء من الشخصيات المهنية والتكنوقراط. وهذا ما يعيدنا إلى أصل وطبيعة المشكلة التي يعاني منها النظام السياسي العراقي بعد عام 2003. وبالتالي فأن الحكومة الحالية أن لم تستطع الخروج من هذه الدوائر ستبقى في دائرة الخطر، الذي ستفشل بدورها مستقبل العملية السياسية الحالية، لاسيما اذا ما اخذنا نسبة المشاركة في انتخابات 12 أيار 2018 بنظر الاعتبار، والانقلاب على الدستور من خلال تغييب مفهوم الكتلة النيابية الأكبر. وعليه ربما يكون مستقبل النظام السياسي العراقي والعملية السياسية الحالية مرهون بأداء حكومة السيد عادل عبد المهدي في حل المشاكل السياسية والاجتماعية والاقتصادية الملازمة للعملية السياسية منذ عام 2003.