القمة العربية في تونس 2019… قراءة في المتطلبات والمعوقات

 

م. حمد جاسم محمد الخزرجي

باحث في قسم ادارة الازمات/مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

نيسان-ابريل 2019

عقدت القمة العربية الثلاثون في تونس في 31 اذار 2019، وسط غياب لبعض الزعماء العرب، واحداث كثيرة وكبيرة يمر بها الوطن العربي، اذ لازالت احداث الربيع العربي تضرب عدة دول فيه كما في سوريا واليمن، وامتدادها الى دول اخرى مثل الجزائر والسودان، ولا زالت الخلافات العربية – العربية مستمرة وكما حدث بانسحاب امير قطر من القمة العربية ورجوعه الى دولته، والسبب هو خطاب الملك السعودي حول دعم قطر للإرهاب، وابرز القضايا التي ناقشتها القمة العربية في تونس 2019 هي الارهاب وايران وقضية الجولان وليبيا واليمن، خاصة بعد اعتراف الرئيس الامريكي (دونالد ترامب) بالسيادة (الاسرائيلية) على الجولان السوري المحتل، وهو ثاني ضربة امريكية توجه للعرب بعد الاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الاسرائيلي، لقد جاءت القمة العربية وسط زوبعة من التناقضات والصراع بين الدول العربية، ففي الوقت الذي تتوجه انظار الشعوب العربية الى هذه القمة من اجل حل مشاكلها وتحقيق الاستقرار في دولها من خلال مقاومة الارهاب، وتوحيد الصف العربي للوقوف بوجه كيان الاحتلال (الاسرائيلي) والادارة الامريكية خاصة في قضية القدس والجولان، فان حال العرب هو ابعد ما يكون عن تحقيق اجماع شكليا، من اجل اصدار قرار من الجامعة العربية يحسن صورة الحكام العرب امام شعوبهم.

ان نجاح أي قمة عربية سواء في تونس او في أي مكان اخر لابد من توافر عدة شروط ومتطلبات وقرارات تصدر عنها ويتم تنفيذها بعد القمة، لا ان تبقى حبرا على ورق وتقتصر على الاستنكار والتنديد، ومن هذه المتطلبات هي:

  • ايلاء القضية الفلسطينية اهمية خاصة من خلال دعم المقاومة الفلسطينية بكل ما يمكن تقديمه، وعدم تركها للتجاذبات والتنافس الاقليمي، كذلك فتح الحصار عن قطاع غزة، ثم رفض أي قرارات امريكية الخاصة بالقدس ودعم المشروع الفلسطيني في الامم بإعلان دولتها المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
  • اعلان صريح من قبل القادة العرب برفض أي قرار امريكي يمس السيادة العربية على القدس او الجولان المحتل، من خلال مقاطعة الشركات الامريكية او تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع الولايات المتحدة، لان سكوت العرب هو من شجع ادارة الرئيس الامريكي (ترامب) على التمادي ضد العرب ودعم كيان الاحتلال.
  • تفعيل معاهدات الدفاع المشترك العربية، ومنع أي تدخل من دول الجوار في الشأن العربي، كذلك ارجاع مقعد سوريا الى الحكومة السورية الحالية وذلك من اجل دعم جهود التسوية فيها وبث روح الثقة بين العرب من اجل اعادة الاستقرار للمنطقة.
  • انهاء معانات الشعب اليمني من خلال وقف الاعمال الحربية ودعم جهود الامم المتحدة في اجراء محادثات تسوية لحل الخلافات بين الفرقاء، لان استمرار الصراع في اليمن سيكون له اثار مدمرة على كل المنطقة وهو سبب تدخل دول الجوار في المنطقة.
  • ان وفرة الموارد المالية في بعض الدول العربية وخاصة الخليجية منها وحاجة بعض الدول العربية للمساعدة خاصة التي تمر بظروف اقتصادية سيئة مثل السودان التي تستمر فيها الاحتجاجات ضد تدهور الحالة الاقتصادية، يتطلب وجود تعاون بين الدول الغنية والفقيرة من خلال تقديم المساعدات المالية لها، والتوقف عن تقديم الدعم المالي لما يسمى بالمعارضة والتي اغلبها جماعات ارهابية كانت السبب في التدهور الامني في المنطقة.
  • توجيه الاعلام العربي نحو المساهمة في اشاعة ثقافة السلام والتكاتف، ومنع القنوات الاعلامية التي تروج للفرقة او توجيه الاتهامات المتبادلة بدعم الإرهاب كما في الخلاف السعودي – القطري، كذلك منع أي شعارات طائفية ودينية تسيئ لاي مكون في الدول العربية، والتركيز على المشتركات التي تساهم في البناء والاستقرار.
  • حل الازمات الداخلية في بعض الدول العربية التي اصبحت تهدد الاستقرار، ومدعات للتدخل الدولي والاقليمي مثل ازمة الصومال وليبيا.
  • اقامة سياسة خارجية عربية واحدة في التعامل مع دول الجوار، والامتناع عن اقامة سياسة المحاور والتحالفات خارج المنظومة العربية، لان سياسة المحاور قادت الى زيادة الفحوة بين الدول العربية لصالح دول الجوار الاقليمي، فقد كانت لازمة قطر مع السعودية عام 2017 دور اساسي في زيادة تدخل دول اخرى مثل تركيا وايران في الشأن المنطقة.

على الرغم من توجه انظار الشعوب العربية نحو قمة دولهم في تونس والحاجة الى قرارات لحل ازمات المنطقة، الا ان هناك عدد من المعوقات تقف حائلا امام أي تقدم يذكر في هذه القمة منها:

  • عدم الاهتمام العربي بهذه القمة، اذ لم يحضرها بعض زعماء الدول العربية، فقد غاب عنها (8) من الزعماء العرب، ابرزهم رئيسا السودان (عمر البشير) والجزائر (عبد العزيز بوتفليقة)، خاصة وان هاتين الدولتين تشهدان احتجاجات شعبية مناهضة للحكومة، وسلطان عمان (قابوس بن سعيد) وملك المغرب (محمد السادس) وهو ما يقلل من اهمية القمة وقراراتها.
  • الاتهامات المتبادلة بين الزعماء العرب حول دعم الارهاب والتدخل في الشؤون الداخلية، فقد اتهم الملك السعودي في خطابه السعودية قطر بدعم الإرهاب والتقارب مع إيران، وهو ما يعد ضربة موجهة لأي تقارب عربي.
  • عدم ادراج مسألة عودة سوريا إلى جامعة الدول العربية على جدول أعمال القمة، وهو ما يعد تخلي الدول العربية عن التحرك الجدي في حل ازمات المنطقة.
  • على الرغم من التنديد والاستنكار العربي للقرارات الامريكية فيما يخص القدس والجولان المحتل، الا ان عدم اتخاذ خطوات عملية ضد هذه القرارات، تبقى ردود الفعل العربية عبارة عن ردود فعل انية وغير مؤثرة على مجريات الاحداث في المنطقة.
  • ان اتهام بعض الدول العربية لإيران بالتدخل في شؤونها يتجاهل دورها في مكافحة الارهاب ودعمها للعراق وسوريا دور بارز في دحر الارهاب في المنطقة، لهذا فان على الدول العربية ان تمد يد التعاون مع دول الجوار في مكافحة الارهاب واستئصال جذوره، لا ان تقوم بتوجيه النقد ومساعدة امريكا في تهديد ايران، لان ذلك ستكون له عواقب كبيرة في عدم استقرار المنطقة.
  • وقوع اغلب دول القمة العربية تحت تأثير النفوذ الامريكي، خاصة دول الخليج العربية، وهو ما يضع قرارات القمة المتعلقة بالقدس والجولان والارهاب ضمن الشروط الامريكية ومصالحها في المنطقة.

خلاصة القول، ان عقد القمة العربية في تونس لا يختلف عن سابقاتها، وهو عبارة عن اجتماع سنوي ودوري بين الدول العربية، واصدار قرارات غير ملزمة وليس لها اداة تنفيذية، كما ان اغلب القضايا المطروحة هي قضايا كانت قد طرحت في القمم السابقة ولم تصل بعد الى حل، كذلك الخلافات العربية – العربية هي سيدة الموقف، لهذا فان الشعوب العربية التي تتطلع الى حل مرض لمشاكلها هي محبطة الان وقد تبحث عن طرق اخرى مستقبلا لحل مشاكلها اذا عجز زعماء العرب عن حلها، خاصة وان ثورات الربيع العربي قد فتحت الباب وكسرت حاجز الخوف الذي كان سائدا، وقد تشمل كل الدول بدون استثناء.