تطلّع إيران نحو تعزيز نفوذها في العراق

تطلّع إيران نحو تعزيز نفوذها في العراق

الكاتب: سرهانك حاماسيد من كبار مسؤولي شؤون الشرق الأوسط وأفريقيا في معهد الولايات المتحدة للسلام.

الناشر: معهد السلام الأمريكي

ترجمة: هبــــه عباس محمد علـــي

تحليل: م. ميثاق مناحي العيسى/ قسم الدراسات السياسية-مركز الدراسات الاستراتيجية-جامعة كربلاء

قام الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بأول زيارة رسمية له إلى بغداد، والتقى رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، وأعلن الزعيمان عن اتفاقات لتوسيع التجارة، وإنشاء خط للسكك الحديدية بين البلدين، وإزالة القيود المفروضة على السفر. كما عقد روحاني اجتماعاً رفيع المستوى مع آية الله العظمى علي السيستاني، السلطة الدينية الأكثر احتراماً في العراق. ويتناول هذا المقال الآثار المترتبة على العلاقة المعقدة بين إيران والعراق.

ماذا تعني زيارة روحاني الأولى الى العراق باعتباره رئيساً لإيران بالنسبة للعلاقات بين البلدين؟

تختلف اراء الشعب العراقي والمراقبين الخبراء بشأن العلاقة بين الدولتين (العراق وإيران). اذ يعتقد البعض أن إيران استفادت أكثر في العراق ما بعد 2003 من خلال زيادة نفوذها السياسي والأمني ​​والاقتصادي والثقافي. وبالمثل، ويمكن اعتبار زيارة الرئيس روحاني استمراراً لهذا التقدم الإيراني.

 

وقد تحقق هذا التقدم من خلال تعزيز المكاسب السياسية والأمنية والاقتصادية بعد انسحاب القوات الأمريكية عام 2011 وانتشار قوات الحشد الشعبي المدعومة من إيران، والتي حصلت على ثاني أعلى عدد من المقاعد في مجلس النواب العراقي، فضلا على الهزيمة العسكرية لتنظيم داعش.

فيما يعترف آخرون بالتقدم الإيراني لكنهم يعتقدون أن الصورة ليست قاتمة للغاية وأن من الممكن وجود علاقة أكثر توازناً، لذا قد توفر زيارة روحاني ووزير الخارجية جواد ظريف ومسؤولين حكوميين آخرين من قبله فرصًا لمزيد من الحوار والمفاوضات بين الدولتين من خلال القنوات الدبلوماسية وغيرها من القنوات المتخصصة.

صحيح أن ميزان القوى يميل لصالح إيران ولا يستطيع العراق احداث التغيير، لكن هناك حقيقة تقول بأن إيران تحتاج العراق في الوقت الحالي أكثر من أي وقت مضى؛ بسبب العقوبات الامريكية المفروضة عليها وبسبب وضعها الاقتصادي الداخلي، كما يمكن للعراق ان يكتسب المزيد من النفوذ من خلال زيادة التواصل مع الدول العربية الأخرى، الأمر الذي اعترف به روحاني عندما أشار الى العراق باعتباره “دولة عربية”.

اعتمد العراق على الدعم شبه العسكري الإيراني في الحرب ضد “داعش”، مع الهزيمة العسكرية لداعش، كيف سيتغير الدعم الإيراني لهذه الجماعات؟

مع انتهاء الحملة العسكرية، يمكن القول إن الفصائل التي تدعمها إيران لا تحتاج إلى دعم لوجستي كالسابق، بل هي وبلا شك قوية في حد ذاتها لكنها ماتزال بحاجة إلى المساعدة السياسية والتنظيمية لإيران، فضلا على احتياجهم لها من اجل مواصلة التركيز على هدف مشترك، وربما المساعدة في حل النزاعات داخل فصائل قوات الحشد الشعبي.

ومن جانبهم يناقش القادة العراقيون والمراقبون الدوليون أفكارا لنزع سلاح هذه القوات لكن أفكارهم هذه غالباً ما تختلف عن الواقع؛ لان أسباب صعود هذه القوات ماتزال موجودة، لكن بالنسبة للمستقبل المنظور فإن السؤال الأكثر واقعية هو كيفية تقليل حاجة الاعتماد عليها وتحسين الانضباط والمسائلة امام الدولة والشعب.

 

في غضون ذلك، تم اعتماد الفصائل المسلحة التي توسعت أو تشكلت لمحاربة داعش -استجابة مباشرة لفتوى آية الله العظمى علي السيستاني -من قبل مجلس النواب العراقي، وتنافست في الانتخابات الوطنية التي جرت في آيار 2018 وحصلت على 48 مقعدًا (ثاني أكبر كتلة)، مما عزز وصولها إلى الموارد الحكومية المتمثلة بالرواتب والتدريب والأسلحة.

يعترف القادة العراقيون بأن الدعم الإيراني المهم وصل بسرعة عندما بدأ تهديد داعش لبغداد وأربيل واستمر خلال الحرب ضد المتطرفين، ولم يساعد التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق في كسب الحرب العسكرية ضد “داعش” فحسب، بل قدم المساعدة الإنسانية لأكثر من خمسة ملايين شخص نزحوا بسبب النزاع، ودعم الاقتصاد العراقي وسط انخفاض أسعار النفط والحاجة إلى ضمانات دولية، وقدم المساعدة لتحقيق الاستقرار في العراق (المناطق المحررة من داعش)، فضلا على دعم الأقليات الدينية. وفي الوقت الذي يقدّر العراقيون الدعم الخارجي الذي تلقوه، يفخرون بقواتهم التي تقاتل “داعش”، وتستعيد الأرض وبفضلها تمكن أكثر من أربعة ملايين شخص من العودة إلى ديارهم.

ما هي المصالح الأخرى المشتركة بين بغداد وطهران والتي يمكن أن تعزز التعاون؟ وما هي القضايا التي تقسمها؟

هناك قائمة طويلة ومعقدة من المصالح المشتركة والمتباينة بين البلدين؛ منها تأمين الحدود التي تبلغ 900 ميل ومنع عودة ظهور “داعش” وغيرها من الجماعات المتطرفة، فضلا على التعاون في قضايا الطاقة وتعزيز التكامل الاقتصادي -على سبيل المثال -السياحة الثقافية والدينية؛ واستيراد المنتجات الغذائية من إيران، إذ ألحق الصراع والإهمال أضرارا بالغة بالقطاع الزراعي في العراق.

اما القضايا الرئيسة التي تقسم البلدين تتمثل في تورط إيران القوي في العراق لتأمين عمق ونفوذ استراتيجيين، وبالتالي السيطرة الكاملة، وتحويل إيران للأنهار التي تصب في العراق والاختلافات حول ترسيم الحدود، كما إن الاندفاع الناجح لفصائل الحشد الشعبي المدعومة من إيران في السياسة قد حولها إلى موضوع حساس يحتل المنطقة الرمادية بين المصالح المشتركة والمتباينة.

كيف يمكن أن يحد العراق من التأثير السلبي الخارجي؟ ومن يستطيع مساعدته؟

الشعب العراقي هو أفضل اداة لمواجهة التطرف العنيف والتأثيرات الخبيثة، اذ خرج العراقيون من جميع الأعراق والطوائف إلى الشوارع مراراً وتكراراً للمطالبة بتوفير الخدمات والوظائف وتحقيق العدالة والأمن والعمل ضد الفساد، كما يعبرون عن مشاعرهم المعادية لإيران ومعارضة تدخلها في الشأن العراقي، ولوم جارتهم على تقييد التدفق الطبيعي للمياه، واعتبارها مصدراً للمخدرات غير المشروعة.

صرح القادة العراقيون في جميع المجالات السياسة والاجتماعية والسياسة، فضلا على بعض كبار المسؤولين في الحشد الشعبي بشكل علني عن رغبتهم في تجنب تورط العراق في النزاعات الدولية كالنزاعات بين إيران والسعودية وإيران والولايات المتحدة.  ان أفضل طريقة للحد من التأثير السلبي الخارجي في العراق هي مساعدة البلاد على التعافي من الصراع العنيف. وهنا تظهر الحاجة إلى استمرار المشاركة الأمريكية والدولية في العراق بعد قتاله العسكري ضد “داعش” لتعزيز مؤسساته الحكومية والمجتمعية، وتلبية احتياجات شعبه، ودعمه من اجل بناء علاقات أقوى مع دول المنطقة والمجتمع الدولي، وبالمقابل فان الضغط على العراق لاختيار طرف والتخلي عن الطرف الاخر سيؤدي الى نتائج عكسية.

التحليل

يبدو بأن كاتب المقال يطرح وجهة نظره بكل موضوعية وحيادية، فهو تناول الجوانب والمشتركات التي يتقاسمها العراق وإيران، من الناحية السياسية والاقتصادية والتجارية، والاعتماد المتبادل لكلا الطرفين وحاجتهم السياسية والأمنية والاقتصادية لكلاهما في تأمين الحدود، والحرب على تنظيم “داعش”، وقد تتزايد الحاجة الإيرانية للعراق في الوقت الراهن بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران، وبموازاة ذلك، تطرق إلى القضايا الرئيسة المختلف عليها بين البلدين، لاسيما  فيما يتعلق بنفوذ طهران ودورها في العراق، والذي تحاول من خلاله أن تلعب دور إقليمي ودولي واستغلال الملف العراقي لصالحها. وعلى الرغم من ذلك، إلا أن هناك رغبة سياسية وشعبية في العراق بأن يتقاسم البلدين إدارة الأمور بشكل متوازن بين الطرفين، لاسيما في الجوانب السياسية مع التأكيد على الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية؛ لأن ذلك سيعود بمكاسب سياسية للعراق على الصعيدين الداخلي والخارجي بما يحفظ علاقاته الخارجية مع محيطه العربي ودول الجوار ويأمن مصالحة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية.

رابط المقال الاصلي

https://www.usip.org/publications/2019/03/iran-looks-shore-its-influence-iraq