النزاعات العشائرية في العراق وتأثيراتها المستقبلية

 

م.م. علي مراد العبادي

باحث في قسم ادارة الازمات-مركز الدراسات الاستراتيجية – جامعة كربلاء

نيسان-ابريل 2019

طبيعة المجتمع العربي بصورة عامة تميل للطابع البدوي اذ تسيطر عليه العادات والتقاليد الاجتماعية بصفتها المتوارثة والتي بعضاً منها تحمل صفات جميلة متعارف عليها ” كالشجاعة والضيافة وحسن المعاملة واحترام الجار ومساعدة الضعيف وغيرها ” وفي عين الوقت فأن بعضها يميل لطابع العنف ويتعارض مع التطورات الحاصلة بمختلف نواحي الحياة وما يتطلبه عصر التكنولوجيا والحداثة، مما يؤدي لحدوث نوع من التصادم ما بين من يريد البقاء في حلقة العادات العشائرية والراغبين بالتحول نحو الحياة المدنية ومواكبة التطور الحاصل. هذا التعارض تمكنت بعض الدول من مواكبته عبر فرض قانون يلتزم به الجميع، إضافة إلى إتاحة نوع من المرونة باتجاه تلك العادات والتقاليد العشائرية شريطة بقائها في المناطق الريفية أو البدوية مع ضمان عدم مخالفتها للقانون إما في المناطق المدنية فقانون وإرادة وأجهزة الدولة تسود وتطبق على جميع الافراد.

في العراق لعبت العشائر دوراً ريادياً وعلى مختلف الأزمنة سواء في الثورات أو الانتفاضات أو ترسيخ الامن ببعض المناطق ومساعدة الدولة في كشف بعض المؤامرات او بما يتعلق بتسليم بعض المطلوبين، لكن هناك معادلة معروفة للجميع ” عندما تضعف منظومة الدولة تقوي معها منظومة العشيرة والعكس صحيح ” وعلى مر تاريخ العراق المعاصر سارت هذه المعادلة باستثناء بعض الحالات والتي تلجأ الدولة فيها للعشيرة لكسب تأييدها لاسيما عند ظهور مخاطر تهدد ربما النظام الحاكم من اطراف سياسية معارضة او متظاهرين من عامية الشعب، وفي المقابل تلعب بعض العشائر دوراً قيادياً أو مسانداً للثورة ضد بعض الحكام. بالانتقال لمرحلة ما بعد عام 2003 والتغيير الجذري لمختلف صعد وجوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والخروج من نمط النظام الدكتاتوري والمرور بحالة التحول الديمقراطي فقد رافق ذلك التغيير نوع من الفوضى تفاقمت معها المشاكل السياسية والأمنية وحتى ألاجتماعية، وصاحب هذا الضعف بهيكل الدولة وغياب تطبيق القانون الى زيادة نفوذ العشيرة لذلك اتجه الكثير من المواطنين للعشيرة بقصد الحصول على حماية في ظل عدم استطاعة الدولة توفير الحماية، والغريب بالموضوع أن بعض الكوادر المثقفة قد لجئت للعشيرة لأخذ حقوقها وربما هذا نتاج طبيعي لضعف منظومة الدولة وغياب القانون، لكن المشكلة الاكبر بأن العادات والسلوكيات العشائرية قد انتقلت للمدن ووصل الحال أن بعض المدن تحولت الى عشيرة مصغرة تمارس ما كانت تمارسه العشائر في الأرياف أو القرى النائية، وإن بعض الوزارات أو المؤسسات اصبحت ملكاً لعشيرة بعينها تبعاً لرئيس أو مسؤول تلك المؤسسة أو الوزير ابن تلك العشيرة فما كان منه الا تحويل دائرته او وزارته لصالح عشيرته والسبب اما انتخابي لكسب أصواتهم أو للحصول على تأييدهم وقمع معارضيه، كما وصل الحال إلى ” إن العشيرة تقاضي الدولة وهذه الحالة قد حدثت كثيراً فبماذا نفسر اقدام عشيرة على محاسبة قاضياً لأنه حكم على احد افرادها بالسجن لارتكابه مخالفة معينة ؟ ” أو كيف تسيطر عشيرة بقوة السلاح على دائرة معينة لاعتقال شخص ما، ووصل الحال لحد السيطرة على مركز للشرطة! وإطلاق سراح من هم محسوبين عليها؟ أو قيام عشيرة ما بأخذ الدية (الفصل العشائري) من طبيب بتهمة تسببه بوفاة أحد افرادها في حين الوفاة طبيعية مما يضطر هذا الطبيب اما لدفع تلك الدية او الهجرة والهرب؟

اما مشكلة الاقتتال ما بين بعض العشائر فحدث بلا حرج حتى وصل الامر لحد استعمال اسلحة ثقيلة ومتوسطة وهذه مخاطر وكارثة أمنية واجتماعية كما انها تؤدي لترهيب عوائل أمنة ومقتل أناس ليس لهم علاقة بأطراف النزاع او قطع طرق عامة ورئيسية والحجة البحث عن منتمين للعشيرة المعادية مع العلم هم ليسوا من المسببين او لا توجد لهم انتماءات عشائرية سوى ذنبهم لقبهم العشائري في هوية الأحوال المدنية، فيما أصبح مشهداً مألوفا على اوجه بعض الدور والمنازل والمحلات عبارة ” مطلوب عشائرياً لا يباع ولا يشترى العقار ” أو تهديم منازل أو تهجير عوائل أو انتشار مسلحين بمنطقة معينة أو اشتباكات لعدة أيام بين عشيرتين، او اخذ فصل عشائري من بعض الاجانب بتهمة الاساءة لفرد من العشيرة. اما اسباب هذا الاقتتال وهذه الفوضى فهي متعددة منها:

1-الفوضى السياسية والأمنية وعلى مختلف المستويات ابتداء من أعلى إلى أدنى سلطة وإلا ما معنى ان يلجأ نواب او وزراء للعشيرة لمحاسبة واخذ فصل من زملاء لهم بتهمة التشهير او الاساءة اللفظية في حين هم الاقرب لفهم دور وواجب القضاء.

2-     ضعف تطبيق القانون وضعف القائمين عليه او تخوفهم فيما وصل الحال عند تدخل افراد الجيش او الشرطة لاعتقال مطلوبين بتهم مختلفة تقوم عشائر هؤلاء المعتقلين بمحاسبة المنتسبين الامنيين مما ولد حالة تخوف من تكرار الحالة.

3-     مغازلة بعض المسؤولين لتلك العشائر غير المنضبطة وذلك لمكاسب انتخابية يلجأ اليها عند ترشحه للانتخابات بل ويغطي على سلوكياتهم.

4-     غياب الوعي والتوعية لبعض السلوكيات العشائرية المسيئة للمجتمع برمته لا سيما بمراكز المدن .

5-     تدفق الاسلحة بمختلف انواعها للسوق السوداء عبر جهات عدة وبالتالي تدفقها إلى أشخاص أو عشائر بأكملها، إضافة إلى تسليح بعض العشائر لأسباب عدة وأهمها مقاتلة الارهاب فيما بعضها يذهب الى الايادي الخطأ او للنزاع مع عشائر اخرى.

نحن هنا لسنا بصدد انتقاد منظومة العشيرة وإنما انتقاد بعضاً من ممارسات تلك العشائر لا سيما ما يتعلق منها بخرق القانون ومحاولة كسر هيبة الدولة والتناحر والقتال وتخريب مؤسسات الدولة في حين نحن بأمس الحاجة الى ان توجه تلك الفوهات نحو التنظيمات الارهابية وليس ترويع اناس مدنيين لا ذنب لهم، من جانب آخر متى ينتبه صانع القرار لخطورة الموقف لإيجاد حلول لتلك النزاعات عبر فرض القانون على الجميع واعتقال المسيئين أي كان انتمائهم ومحاسبة من يتقاعس عن تأدية واجبه وحماية من يطبق القانون، فالدولة تملك جيشاً وقانوناً وأجهزة متكاملة بإمكانها أن تردع غير المنضبطين. لذلك لا بد من وضع بعض التوصيات لعلها تصل إلى أذهان من هو على مستوى المسؤولية ومن جملة هذه التوصيات التالي: 1- فرض القانون بما يتلاءم مع حفظ الأمن والأمان ولجميع المواطنين وردع المتجاوزين أيا كانت انتمائهم.

2-      القيام بحملات أمنية تهدف للبحث عن الأسلحة لا سيما الثقيلة منها وفي مختلف مناطق النزاع العشائري لا سيما مدن جنوب العراق ومحاسبة حائزيها.

3- محاسبة من يستغل اسم العشيرة لفرض إرادته أو تهديد الأخر وسواء كان مسؤولاَ أم مواطنا عاديا.

4- العمل على تقوية الأجهزة الأمنية ونشر قوات مركزية متخصصة في إنهاء النزاع العشائري واعتقال المتسببين به.

5- تضافر جهود رجال الدين في تحريم هكذا سلوكيات عشائرية والقيام بجولات ميدانية لتوعية الناس فضلاً عن الجهود الثقافية الاجتماعية التوعوية.

ان الموضوع في غاية الخطورة وقد يتفاقم أكثر في مرحلة ما بعد داعش وربما ينتقل للمناطق المحررة مع غياب القانون وسيادة الثأر بعد تورط بعضاً من أبناء عشائر تلك المناطق إبان سيطرة التنظيم والتحاقهم به كما ظهرت بعضاً من حالات الانتقام العشوائي في المناطق المحررة لذلك لابد من وضع الخطط المناسبة لإيقاف مثل هذا التدهور الخطير.