تفاعل الاحتجاجات في العراق

      التعليقات على تفاعل الاحتجاجات في العراق مغلقة

 

الباحث: م. حسين باسم

قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية/جامعة كربلاء

تشرين الثاني-نوفمبر2019

تجتاح العراق الذي مزقته الأزمات موجة احتجاجات عنيفة خلفت العشرات من القتلى. الغضب من ظروف المعيشة في البلاد لا يظهر أي علامة على التراجع، ولكن كيف بدأت الاحتجاجات؟ وما الذي يغذيها بالضبط؟ ولماذا؟ وماذا يريد المتظاهرون؟ وكيف يتفاعل السياسيون والزعماء الدينيون مع الموقف؟ وما هو الدور الذي تلعبه التوترات الطائفية؟ وهل هناك تحوّل في الديمقراطية العراقية؟ سنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة في هذا المقال.

كيف بدأت الاحتجاجات؟

في مطلع تشرين الأول/اكتوبر إندلعت أحتجاجات كبيرة شملت بغداد ومعظم محافظات الوسط والجنوب وإندفعت قوات الأمن إلى الاعتقاد بأنها يمكن أن تتصرف دون عقاب لإخماد الاحتجاجات بالقوة. حيث إستخدمت قوات الأمن خراطيم المياه والغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية ضد المحتجين والقناصة المجهولين استهدفتهم كذلك، قُتل المئات وأصيب عدة آلاف. في غضون ذلك، وعد رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي في خطاب متلفز بوضع حد للفساد في غضون أسبوعين والإستجابة للمطالب المشروعة والتحقيق بإسباب إستخدام القوة المفرط الذي أدى إلى سقوط ضحايا بين المتظاهرين وقوات الأمن العراقية.

وبعد أن كشفت لجنة التحقيق بشأن التظاهرات في العراق في تقرير رسمي نشر يوم الثلاثاء المصادف 22-تشرين/أكتوبر، وتم نقله على التلفزيون الرسمي وأفاد بإنه تم التحقق من مقتل 149 مدنيا وثمانية من قوات الأمن، مؤكدا أن اللجنة وجدت أدلة على أن قناصة استهدفوا محتجين من فوق مبنى ببغداد من دون تحديد هوية القناصة. وأكدت اللجنة أن العتاد الحي والاستخدام المفرط للقوة أدى إلى حدوث إصابات بين المتظاهرين، مشيرة في الوقت ذاته إلى أنه لم تصدر أية أوامر رسمية من الجهات العليا بإطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين. وأشار التقرير إلى أن ما يقارب “70 في المئة” من القتلى قضوا بالرصاص الحي “في الرأس والصدر” -وهو ما عده المراقبون تأكيد وجود نية لاستهداف المحتجين للسيطرة على المظاهرات واخمادها بالقوة-. وأوضحت اللجنة في بيانها الثلاثاء أن نتائج التحقيق أظهرت أن هناك مسؤولين حرضوا على استخدام العنف ضد المتظاهرين وتمت إحالتهم إلى القضاء مع وجود تسجيلات تثبت ذلك.

 

ومن ثم، فقد نظر الشارع العراقي إلى التقرير الحكومي على أنه “مخيب للآمال وفيه تغييب للحقائق، وابتعد عن تشخيص الجناة الحقيقيين”. وأعتبروا حكومة عبد المهدي بأنها فشلت في تحمل المسؤولية وتحقيق العدالة لأولئك الذين سقطوا وأريقت دمائهم في التظاهرات، ونظروا إلى حكومة عبد المهدي على أنها أنتهكت الحقوق المكفولة دستوريا. وهكذا، تسبب فشل الحكومة في تحمل المسؤولية وتحقيق العدالة إلى مزيد من الإحباط وقاد الناس إلى النزول إلى الشوارع مرة أخرى منذ يوم 25 تشرين الأول/أكتوبر.

وحتى هذه اللحظة، تسود الاحتجاجات المطالبة بإنهاء سوء الإدارة والفساد، وتنحي حكومة عبد المهدي ومحاسبة الجُناة الذين تسببوا في إستخدام العنف المفرط وقتل المتظاهرين وتقديمهم للعدالة.

 

لماذا الاحتجاجات؟

الاحتجاجات في العراق لم تكن مفاجأة تماما. على سبيل المثال، في صيف العام الماضي، اندلعت موجة من الاحتجاجات في معظم أنحاء البلاد، وتركزت في مدينة البصرة، مركز تصدير النفط العراقي. وقد اندلعت تلك الاحتجاجات عندما مرض آلاف العراقيين من شرب المياه الملوثة، بالتزامن مع طول فترات إنقطاعات الطاقة الكهربائية.

هذه المرة، تبدو الاحتجاجات أكثر عفوية في طبيعتها. ويمثل الإحباط الإجتماعي المحرك الرئيس خلف الإحتجاجات. وقد أنذر العديد من المختصين من نتائج غليان الإستياء العام، ولاسيما بين الشباب المهروس بين فكّي الحرمان والبطالة.

فبعد مرور ستة عشر عاماً على تغيير النظام، سئم العراقيون -وخاصة الشباب المحتجين- من عبارات الإصلاح التي يطلقها القادة السياسيين الذين إعتادوا استخدام الكلمات الصالحة لكنهم غير مستعدين أو غير قادرين على إصلاح النظام.

وتتجلى أهم الأسباب فيما يلي: عدم إستدامة الطاقة الكهربائية، وتردي الخدمات العامة لاسيما الرعاية الصحية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر وإنعدام الثقة في جدية الإجراءات الحكومية في مكافحة الفساد وإسترداد الأموال العامة.

ومما يزيد من تفاقم الأمور، هو تنامي القناعة لدى شرائح شعبية واسعة بإن مرحلة الإستقرار الأمني في العراق غير مفيدة سوى للبعض الذين يزدادون ثراءً جرّاء الفساد في مقابل إزدياد حرمان المواطنين العاديين. ومن ثم، فهم ينظرون إلى الحكومة بإعتبارها المتسبب الرئيس في هذه المعادلة الجائرة.

 

كيف يمكن لدولة غنية بالنفط مثل العراق أن تعاني من الفقر وانقطاع الكهرباء؟

العراق دولة غنية بالنفط، ولديه إحتياطات نفطية هائلة. غير أن الفساد المالي والإداري -المحمي بمظلة المحاصصة العرقية والطائفية والحزبية- هو العلة الجوهرية العميقة التي جعلت الكثير من العراقيين يقبعون تحت وطأة الفقر والفاقة وهم يعانون من انقطاع التيار الكهربائي في الصيف عندما ترتفع درجات الحرارة بانتظام إلى 50 درجة مئوية (122 درجة فهرنهايت). وتبعاً لمنظمة الشفافية الدولية، يحتل العراق مرتبة متقدمة في الدول الأكثر فساداً في العالم.

ويرى العديد من الخبراء والمراقبين الدوليين بإن العراق يعاني عجزا ديمقراطيا في مجتمع متعدد عرقيا وطائفيا، ويُضيفون بإن البلاد تعاني جراء المحسوبية والمحاباة التي يمارسها القابضون على السلطة في نظام حكم معقد. في هذا النظام، غالبًا ما يسيطر القادة السياسيين من مختلف المجموعات السياسية أو الدينية أو الخاضعين للإجندات الإقليمية على موارد البلاد ثم يحتفظون بها لأنفسهم أو لا يجني من أرباحها سوى مؤيديهم. في النهاية، لا يمكن العثور على عوائد الإيرادات العامة في تحسين فرص الرعاية الصحية وغيرها من الخدمات العامة التي يكون الناس في أمس الحاجة إليها.

 

ماذا يريد المتظاهرون؟

عند تولي السلطة في العام الماضي، وعدت حكومة عادل عبد المهدي بوضع حل للفساد وتقليص الفجوة بين النخبة والمواطنين العاديين، وتجاوز المحاصصة الحزبية. لكن، وبعد مرور عام تقريبًا، أثبت أنه غير قادر وغير راغب حقًا في التصدى للطبقة السياسية.

بدلاً من ذلك، استمر في عقد صفقات مع نفس النخبة. والأهم هو أن هؤلاء القادة وضعوه في السلطة. وبدون إمتلاك “عبد المهدي” لحزب سياسي، فإن رئيس الوزراء هذا -مرشح التسوية- جاء بناءً على طلب الطبقة السياسية أكثر من أي من أسلافه.

اليوم، العراقيون لا يدعون ببساطة إلى سقوط زعيم أو حزب سياسي. بدلاً من ذلك، فإنهم يطالبون بإنهاء نظام سياسي -فاسد تحكمه المحاصصة- قائم منذ الإجتياح الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بنظام الإستبداد في عام 2003 – وهو نظام، كما يقولون، خذلهم. 

 

كيف يتفاعل السياسيون والزعماء الدينيون مع الموقف؟

على الرغم من تصاعد العنف، حاول رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي تهدئة الوضع. ففي عدة خطابات متلفزة للشعب العراقي، أوضح بأن الاحتجاجات لم تكن بلا أساس، ووعد بأن حكومته تعمل لإيجاد حلول. ومع ذلك، نوه من أنه لا يوجد “صيغة سحرية” لحل جميع مشاكل البلاد.

ومع ذلك، كانت الحكومة قد اتخذت مسبقًا وماتزال موقفًا متشددًا من أجل السيطرة على الوضع: فقد تم فرض حظر التجول، على سبيل المثال، في بغداد والعديد من مدن الوسط والجنوب، كما تم إغلاق الإنترنت مؤقتا في أوائل شهر تشرين/أكتوبر في جميع أنحاء البلاد -باستثناء الشمال الكردي- لمنع المتظاهرين من التنظيم على منصات التواصل الاجتماعي. ولم تتوانى الحكومة عن إستخدام القوة عند الإحتكاك مع المتظاهرين من أجل تفريقهم حيث بلغت إحصائيات الوفيات والجرحى من المتظاهرين والقوات الأمنية 257 شهيدا ونحو 11 الف جريح خلال شهر تشرين الأول.

في حين دعت المرجعية العليا في البلاد ممثلة بـآية الله العظمى السيد علي السيستاني السياسيين إلى سن “إصلاحات جادة” قبل فوات الأوان، في الوقت الذي نادى فيه إلى إنهاء جميع أعمال العنف -التي ترتكبها قوات الأمن وكذلك المحتجون- وضرورة كشف ومحاسبة أولئك الذين تسببوا في قتل وجرح المتظاهرين. وكذلك، دعا السيستاني إلى ضرورة إحترام إرادة الشعب العراقي في تقرير شكل وكيفية الحكم الذي يرتضيه فهو صاحب الحق الشرعي الوحيد في ذلك، ولا يجوز ثنيه من قبل الإرادات السياسية الفردية أو الفئوية سواء كانت محلية أو إقليمية. كما وحرّم آية الله السيستاني الزج بالقوى القتالية في عملية قمع المظاهرات، وقد نظر اليه المختصون على أنه رد على من أراد الزج بالحشد الشعبي والجيش في هذا الموضوع.

بينما كان رد فعل السيد مقتدى الصدر -رجل الدين ذو الشعبية الواسعة- أكثر حدة في اللهجة. فقد دعا إلى حل مجلس النواب والدعوة لإنتخابات برلمانية مبكرة بإشراف أممي وتخلو من الأحزاب الحالية. ومع تعقّد أمكانية مثل هذا الحل، وفي وقت لاحق، أضاف بأنّ تحالف سائرون سيتحول للمعارضة البرلمانية ولن يشارك في الحكومة إلى أن يتم الوفاء بمطالب المتظاهرين المحتجين.

 

ما هو الدور الذي تلعبه التوترات العرقية والطائفية وإيران المجاورة؟

حتى الآن، جرت الاحتجاجات في المدن والمناطق العراقية ذات الأغلبية الشيعية. وحتى الوقت الراهن، لم يلعب السنة والأكراد أي دور، كما لم تتفاعل التوترات العرقية والطائفية معهم. إذ يصف أحد الكُتاب والمحللين المحتجين بهذا الشكل:

“المتظاهرين العراقيين يتوحدون خلف المطالب، وليس الهويات الطائفية”.

وتشير معظم الدلائل إلى وجود صراع داخل أغلبية السكان الشيعة، والذي يظهر الميول المؤيدة والمناهضة لإيران.

وعلى الرغم من مشاهدة عددًا من الهتافات واللافتات المعادية لإيران في المظاهرات وإستهداف بعض القنصليات الإيرانية كما في كربلاء مثلاً، إلا أن الاحتجاجات ما تزال تركز في المقام الأول على القضايا الاجتماعية المتمثلة في الفقر والفساد وسوء الإدارة وضرورة محاسبة الجُناة الذين تسببوا في قتل المتظاهرين.

 

لحظة تحول في الديمقراطية العراقية

أدت هذه الاحتجاجات إلى بيئة خطيرة بشكل خاص. إذ أن بعض الشخصيات السياسية التي تعتبر نفسها “حُماة للنظام” تنظر لهذه الاحتجاجات كتهديداً وجودياً لهم. وعلى عكس التظاهرات السابقة في بغداد، تحوّل هؤلاء القادة إلى إستخدام العنف المُفرط لاستهداف المحتجين والدفاع عن نظامهم.

في العام الماضي، خلال الاحتجاجات في البصرة، أطلقت قوات قتالية النار -مثل اليوم- على المتظاهرين مما أدى إلى نهاية سريعة مع انسحاب المتظاهرين خوفًا على حياتهم. هذا العام، في بغداد ومدن أخرى، يقوم “حُماة النظام” بتطبيق الدروس المستفادة من البصرة 2018.

ومع ذلك، طالما إن هذه الاحتجاجات بلا قيادة وتفتقر إلى أي هيكل تنظيمي. ومع تزمت “حُماة النظام” في ضرورة تحقيق أي تغيير سوى من خلال صندوق الإنتخابات وليس من خلال ضغط الشارع، فقد تؤدي أو لا تؤدي الإحتجاجات إلى تغيير نظامي.

  • فإذا تمكنت الإحتجاجات من تحقيق التغيير في الواقع القائم، سوف يكون هذا مؤشرا إلى لحظة تحوّل في تعزيز مسار الديمقراطية الناشئة والمتعثرة في العراق، إذ يمارس الشعب خلال وبعد هذه اللحظة الرقابة على أداء الطبقة السياسية وتصحيح هذا الأداء بالإضافة إلى مسئوليته السابقة في إنتخاب أفراد هذه الطبقة.
  • بدلاً من ذلك، فيما لو لم تُفضي الإحتجاجات إلى تحقيق أي تغيير، فقد يُضاعف “حماة النظام” استخدام العنف والقمع والإكراه، للحد من حرية تكوين الجمعيات والتعبير.

لذلك، في حين تشير الاحتجاجات والإستجابة الدموية لها إلى لحظة تحوّل، فقد تكون إما نحو ديمقراطية عراقية أرسخ أو نحو عراق أكثر استبدادًا.