العراق .. ومفترق الطرق

      التعليقات على العراق .. ومفترق الطرق مغلقة

العراق .. ومفترق الطرق

الباحث: م. حسين باسم

قسم الدراسات السياسية/ مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

16/كانون الاول/ 2019

 

 

الإحتجاجات في العراق هي الأوسع منذ عقود

من مدينة السلام “بغداد” إلى مدينة الإباء “كربلاء” وإلى أقاصي مُدن الجنوب الفيحاء، يضغط العراقيون من أجل ثورة، ولكنها سلمية. وهم يملؤون الساحات المركزية بالأهازيج الوطنية والأناشيد والأغاني والقصائد المُنادية بالإصلاح في النهار، ومواجهة شرطة فض الشغب عند حلول الليل بشكل مُتفرّق.

أحياء ومناطق العراق ليست غريبة على صراعات السلطة. فقد شهدت الأحياء والمناطق العراقية سابقاً مرحلة الصراع الطائفي وما رافق ظهور “داعش”. لكن الحشود مختلفة هذه المرة، وكذلك التهديد الذي تمثله الآن أكبر حركة شعبية في تاريخ العراق الحديث: جيل جديد نشأ في ظل الغزو الذي قادته الولايات المتحدة آخذ في الإرتفاع، ويبدو أنه يهزّ عروش السياسيين المخضرمين.

وفي سبيل حماية نفوذهم من سَخَط الحركة الإحتجاجية الحالية، تعمّد بعض السياسيين الفاسدين تصوير الاحتجاجات على أنها مؤامرة أجنبية (من خلال وصف المظاهرات بأنها محاولة أمريكية/إسرائيلية/سعودية لإسقاط الحكومة العراقية)، وتناقلت هذه التصورات أوساط شعبية متنوعة. ومن ثم، راح ضحية هذه التصورات ما يربو على عدة مئات من الشهداء وأكثر من 15 الف جريح بعضهم إصاباتهم خطرة؛ إذ تم إستخدام الغاز المسيل للدموع والذخيرة الحية من أجل إخماد أكبر موجة من التظاهرات المناهضة للحكومة منذ عقود، وهو ما دفع بممثل المرجع الديني آية الله العظمى السيد علي السيستاني الى التأكيد مرارا على إن “المسؤولية الكبرى تقع على عاتق القوات الأمنية، إذ يجب عليهم تجنب استخدام القوة المفرطة مع المحتجين السلميين.” ومن جهة أخرى وصف ممثل المرجعية العُليا العراقيين وهم يتظاهرون سلميا بأن تضحياتهم في “معركة الإصلاح” لا تقل عن جِهادهم في “معركة الإرهاب” وهم قادرون على خوض غمار هذه المعركة والإنتصار فيها، واصفا من قضوا نحبهم في هذه المعركة بالشهداء.

إن دماء المدنيين العُزّل بالإضافة إلى تصريحات المرجعية آنفة الذكر، أحرجت بعض أفراد الطبقة السياسية وجعلتهم يتراجعون عن نظريات المؤامرة في شرح الإحتجاجات، وضرورة تفهّم مطالب المحتجين، وتجسّد ذلك في قيام “عبد المهدي” رئيس الوزراء بتقديم إستقالته فاسحا المجال أمام تشكيل حكومة جديدة رُبما تُلبي مطالب المتظاهرين لاسيما فيما يتعلق بتنظيم إنتخابات مُبكرة. وكذلك لوحظ تأييد معظم أفراد الطبقة السياسية علناً للإحتجاجات السلمية مُعتبرين إياها فُرصة مهمة لتحقيق إصلاحات من غير الممكن تحقيقها من دون ضغط الجماهير.

وبالرغم من ذلك، وفي معرض الإجابة عن تسمية المُتسببين في قتل العراقيين منذ الأول من تشرين الاول الماضي فصاعدا أستمر المسؤولون العراقيون وهم يجيبون بإن جماعات مُسلحة غير نظامية –وأحياناً مجهولة كما تم وصفها بالطرف الثالث– هي من مارست إطلاق النار على المتظاهرين في الشوارع، من دون أوامر رسمية من القيادات العليا.

ومنذ 25 تشرين الاول الماضي، تغيّر المشهد في سوح التظاهرات عموماً ولاسيما ساحة التحرير في بغداد عن وضعها المألوف. فسلطة الحكومة غائبة إلى حد ما، الشباب والنساء ينظفون الشوارع ويرسمون على الجدران صوراً لشهدائهم العُزّل. وتوافد المئات على توفير الغذاء والشراب للجماهير المُحتشدة، فقد تم تقديم مختلف الأطعمة وأكواب الشاي المُحلى بالسكر.

لقد نشأ جيل شاب يُشكل حوالي 60 في المائة من سكان العراق البالغ عددهم ما يقارب الـ 40 مليون نسمة تقريبا في ظل نظام سياسي صاغته وصممته الولايات المتحدة بعد الإطاحة بنظام الإستبداد في العراق عام 2003. يوزع هذا النظام الجديد السُلطة بين الجماعات الطائفية والعرقية، ويُرسخ الفساد في منظومة الدولة وهوما أثر سلبا على توفير الخدمات العامة، وأصبح النظام الجديد وسيلة من خلالها تمكنت إيران من توسيع نفوذها. إذ يُشير خبراء ومختصون أمنيون بأن إيران دعمت فصائل مُسلّحة قوية تنضوي تحت عباءة الدولة من الناحية النظرية ولكنها تعمل بحصانة واسعة في الواقع.

لقد أدهش نمو الاحتجاجات واستمرارها، التي بدأت مع بداية تشرين الاول الماضي باعتباره صرخة صغيرة ضد الفساد، النخب السياسية والجماهير في معظم أنحاء البلاد، على حين غرة.

 

حركة الاحتجاج تضع العراق على مفترق طرق

بعد مرور أسابيع عديدة، لم تُظهر الاحتجاجات في بغداد والمحافظات الجنوبية أي علامة على التراجع. ما بدأ في العاصمة في أوائل تشرين الأول الماضي، من مظاهرات صغيرة نسبيًا تجاه نقص الوظائف وتردي الخدمات وإستشراء الفساد الحكومي تحول إلى شيء أكبر بكثير وذي تبعات أكبر: فقد باتت ثورة اجتماعية عريضة لا تطالب بشئ أقل من وطن، وإصلاح شامل للنظام السياسي. إذ يُطالب المحتجون، بقيادة الشباب العراقي الذين بلغوا سن الرشد حديثاً، إحداث تغيير شامل في طريقة حكم العراق ومن يحكمه، وهم يبررون ذلك بسبب شعورهم بالإحباط التام جرّاء تجاهل الدولة رفاهيتهم ومستقبلهم. وتفترض الباحثة (كريستين فان دن تورن)[1] بأن هذه المعركة الآن هي من أجل روح الدولة العراقية، ويمكن القول إن تبِعاتها أهم بكثير من معظم العمليات العسكرية التي خاضها البلد منذ عام 2003.

وأضافت كريستين أيضا قائلة: “لا تخطئ، فهذه انتفاضة شعبية للعراقيين الغاضبين والمُحبطين في قلب المجتمع الشيعي في البلاد -وهو الأساس المفترض لنظام ما بعد عام 2003- والذين يرون أن الاحتجاج الشعبي هو السبيل الوحيد المتبقي لهم لإحداث تغيير ذي معنى في واقعهم المُعاشي بشكل مُزري. لم يعد هناك أي خوف أو تهاون مثل الذي أعاقهم في الماضي؛ فقط شاهد ارتفاع عدد القتلى لتعلم بأن المارد قد خرج من القُمقُم ولا يمكن إعادته.”

في الواقع، العراق على مفترق طرق صارخ، ولا توجد إجابات سهلة تؤكد إنفراج الأزمة الحالية بين الطبقة السياسية الحاكمة والمحكومين.

فالطبقة السياسية تهتم بهيبتها، بينما الفساد مُتفشي وعدم كفاءة الحكومات المُتعاقبة تُعد مشاكل بُنيوية في صميم النظام السياسي وأدت إلى ستة عشر عاما من سوء إدارة الدولة من قبل الطبقة السياسية التي أمسكت بالسلطة بعد عام 2003 ولم تتم محاسبتها من قبل.

ومن جانبهم، يسعى المتظاهرون إلى تحقيق حلولٍ حقيقية لا ترقيعية. فبالرغم من ان مطالبهم جريئة، لكنها واضحة: استقالة الحكومة -وقد تحققت- واستبدالها بإدارة مؤقتة تُمهد الطريق لإجراء انتخابات جديدة تحت إشراف دولي؛ وإقرار قانون انتخابات جديد يقوم على أساس دوائر انتخابية متعددة أكثر من الدوائر الانتخابية الحالية على مستوى المحافظات، وأيضا على أساس الترشيح الفردي وليس على أساس القوائم السياسية والحزبية؛ وإقرار قانون للمفوضية يضمن إستقلاليتها بالفعل -وقد تحقق أيضا-، وتحقيق مستقل في أعمال العنف التي مورِست بحق المُحتجين (والتي أدت إلى إستشهاد عدة مئات وإصابة ما يقارب 16 الف جريح حتى الآن)، وتحقيق إصلاحات دستورية؛ وحملة ضخمة لمكافحة الفساد لا تستثني النُخبة السياسية وتُداهنها.

إلى الان، الكرة في ملعب الطبقة السياسية العراقية. فهل ستدفعها بإتجاه ترسيخ الديمقراطية الناشئة والمُتعثرة في العراق، وذلك من خلال تلبية كافة مطالب المُحتجين بهدوء؟؟ أم ستدفع الكرة بإتجاه “جمهورية الخوف”؟؟ هذا ما ستُجيب عنه الطبقة السياسية نفسها في قادم الأيام، والتي تبنت مبدئيا خيار الإستجابة لمطالب المُحتجين، وأعيُن الشعب عليها في التنفيذ عملياً.

 

[1]

(((كريستين فان دن تورن هي مديرة معهد الدراسات الإقليمية والدولية (IRIS) التابع للجامعة الأمريكية في العراق، السليمانية. فان دن تورن عضو في فرقة عمل المجلس الأطلسي المعني بمستقبل العراق. )))