تحليل نتائج الانتخابات النيابية العراقية عام 2021 وتقييمها

مركز الأبحاث العلمية والدراسات الإستراتيجية  في الشرق الأوسط

https://www.cmess.ir/Page/View/2021-10-27/4899

الكاتب: سعید رمضانی

ترجمة: م. خالد حفظي التميمي

إنَّ النظام السياسي في العراق نظام برلماني وحزبي، تتنافس الأحزاب السياسية على السلطة كل أربع سنوات. أُجريت أول انتخابات عراقية جديدة في عام 2005، ومنذ ذلك الحين وبعد كل انتخابات كانت هناك صراعات مطولة بين الائتلافات. خلقت أحداث ما بعد انتخابات 2018 ائتلافاً هشاً في تشكيل حكومة عادل عبد المهدي، ما أدى إلى استقالة عادل عبد المهدي بعد احتجاجات 2019، وأخيراً أصبح مصطفى الكاظمي رئيساً للوزراء في الشهر الخامس من عام 2020. كانت من وعود الكاظمي للمتظاهرين إجراء انتخابات مبكرة، وتعديل قانون الانتخابات. وبناءً على مطالب المحتجين العراقيين أجريت انتخابات مبكرة في 10 أكتوبر 2021، وكما كان متوقعاً كانت نسبة الإقبال في الجولة الخامسة من الانتخابات العراقية متدنية، إذ بلغت نسبة المشاركة (41٪) من مجموع المسجلين للتصويت (حوالي (22) مليوناً) و (34٪) من مجموع الناخبين المؤهلين (حوالي (25) مليوناً).

تمكَّن ائتلاف سائرون بزعامة السيد مقتدى الصدر من زيادة عدد مقاعده في البرلمان العراقي من (54) مقعداً إلى (73) معقداً، في حين تراجعتمقاعد تحالف الفتح من (48) مقعدًا إلى (14)مقعدًا، وارتفع عدد مقاعد قائمة رئيس الوزراء العراقي السابق السيد نوري المالكي من (12) مقعداًلتصل إلى (33) مقعداًفيما انخفض عدد مقاعدائتلاف السيد عمار الحكيم وحيدر العبادي من (63) مقعداً إلى (4) مقاعد.

وقد حصد المتظاهرون وجماعات تشرين التيدخلت الانتخابات للمرة الأولى (12) مقعدًا ولأول مرة أيضاً تمكنت المرأة العراقية من الفوز بـ (97)مقعدا، بزيادة (14) مقعداً عن الكوتا المخصصة للنساء، من بينهن فائزتان من الأقليات.

1. معدل المشاركة:

يشعر الكثير من العراقيين والمتظاهرين بالإحباط منتردي الإصلاحات وسوء الخدمات في العراق، مما دعاهم إلى مقاطعة الانتخابات، لاعتقادهم بأنه لنيحدث شيء في مجمل عمل المنظومة السياسية معتغيير الحكومة الحالية،  وأنَّ الحكومة الجديدة هياستمرار للحكومات السابقة ومتناغمة معها. إنَّ هذاالانخفاض في نسبة المشاركة يبعث بادرة احتجاجعلى النظام والسياسات غير الفعالة للتياراتالعراقية.

إنَّ تدني مستوى المشاركة بصرف النظر عن كونهتحذيراً خطيراً للسياسيين ورجال الدولة العراقيين،فهو تحذير أكثر جدية للمجتمع السياسيالعراقي، والمجتمع المدني، واجمالي المساحةالاجتماعية والسياسية. إنَّ هذا التدني في مستوى المشاركة يعني بوضوح حالة الإحباطواليأس لدى الشارع العراقي، فهم لا يزالون غيرمستعدين للتصويت لمجموعة ترشحت منهمأنفسهم، أو حتى أولئك الذين أداروا المظاهراتالميدانية في أكتوبر 2018، لاعتقادهم أنَّ الانتخابات في ظل الظروف الحالية وبالصيغة التي أعدت فيها، لا يمكن أن تحدث تغييراً في الواقع السياسي، حتى فتوى آية الله السيستاني التيطلب فيها من أبناء الشعب العراقي التوجه إلى صناديق الاقتراع، كونها الحل الوحيد لتغيير الواقع السياسي للبلد، على الرغم من كونه غيرراضٍ تمامًا عن الوضع الحالي، لم تؤثر إلا بالقدر اليسير في غضب الشارع من صندوق الاقتراع.

2. حال أهل السنة:

أدى صعود تيارات الحلبوسي وخميس خنجر إلى الإطاحة بممثلين سنّة سابقين عظماء، مثل: الحزب الإسلامي (الإخوان المسلمين)، وسليم الجبوري،وخالد العبيدي، والأخوين أسامة و أثيل النجيفيالذين تسنَّموا زمام أمور السنة لسنوات.

لقد أظهرت هذه الجولة من الانتخابات أنَّ السنة يبرزون كقوة سياسية أكثر تماسكًا، ربما في هذه الفترة، إذ كانوا في وضع أفضل من الشيعة والأكراد.

3. حال الشيعة:

الفائز الرئيس في هذه الانتخابات هو الكتلة الصدرية، وسيكون اللاعب الرئيس في تشكيل الحكومة. وأعلن السيد الصدر الفوز بعد إعلان النتائج الأولية، وألقى كلمة متلفزة ركز فيها على الإصلاح ومحاربة الفساد، وقال: إنَّ انتصار حزبه “انتصار على المسلحين”. وقال في رسالة للولايات المتحدة والقوى الأخرى: إنَّ السفارات الأجنبية مرحب بها طالما أنها لا تتدخل في الشؤون الداخلية للعراق.

يبدو أنَّ تماسك التيارات الشيعية ضعيف، وهذا الوضع لا يزال متوتراً. اشتدت الشائعات حولإيران والجماعات التابعة لها مع أنباء وصول قاءاني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري إلى بغداد. يمكن أن تكون إيران غير راضية عن الأداء السيئ لممثليها في الانتخابات لأي سبب من الأسباب، وقد وصفت شخصيات بارزة موالية لطهران الانتخابات بأنها غير شرعية. وهدد زعيم ائتلاف فتح السيد هادي العامري الذي خسر عدة مقاعد في البرلمان، برفض نتائج الانتخابات. كما هدد أبو علي العسكري أحد القادة البارزين في الانتفاضة الشعبية والمعروف باسم حسين مؤنسزعيم الكتائب في حزب الله وداعم إيران، باستخدام القوة ضد المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، إذ لم تحصل كتائب حزب الله سوى على مقعد برلماني واحد .

– يبدو أنه في الانتخابات الخامسة في العراق كان لدينا خاسران رئيسان:

1- إيران والجماعات التابعة لها.

2- الديمقراطية، إذ لم يذهب نحو (66٪) من المستحقين إلى صناديق الاقتراع.

4. وضع الأكراد:

أسفرت الانتخابات عن انتصار ساحق للحزب الديمقراطي الكردستاني العراقي، وتمكن بارزاني من تولي زمام القيادة على الأحزاب الكردية الأخرى، ولاسيما الاتحاد الوطني لكردستان العراق، كمنافس تقليدي. فقد أدى تماسك حزب بارزاني داخل إقليم كردستان، إلى جانب انهيار الاتحاد الوطني وتصعيد خلافاته، إلى هذه النتائج. ومن بين محافظات كردستان العراق شهدت السليمانية، لكونها منطقة خاضعة لنفوذ الاتحاد الوطني لكردستان العراق، أدنى نسبة مشاركة بلغت حوالي (37%)، مما أدى إلى انخفاض عدد مقاعد الاتحاد الوطني في البرلمان العراقي .

– تعرضت حركة التغيير إلى هزيمة ثقيلة ولم تفز بمقعد، وبعد الانتخابات استقال زعيم المكتب السياسي للجماعة وأعضائه بشكل جماعي.

توقع التطورات:

– المشاركة المتدنية للعراقيين في الانتخابات البرلمانية ونتائجها، لا يمكن أن تؤدي إلى إقامة حكومة قوية وذات مصداقية في هذا البلد، ولا إلى خلق نظرة مشرقة ومبشرة بالأمل، وسيكون أحد التحديات الرئيسة للحكومة العراقية المستقبلية هو تقلص مستوى الثقة الشعبية. إنَّ شعور العراقيين بالإحباط وخيبة الأمل في إقامة دولة مستقرة تقوم على أساس حقوق المواطنة والتوزيع العادل للثروة، ورفع مستوى الرفاهية لدى الفرد العراقي، والأمن والشفافية وكفاءة الحكومة والأجهزة التابعة لها، قد يستأنف الاحتجاجات في العراق .

– إنَّ هزيمة التيارات العراقية التقليدية، بما في ذلك الجماعات الإسلامية ذات الانتماءات الحزبية، وانخفاض شعبية شخصيات، مثل: السيد العامري، والسيد عمار حكيم، وحيدر العبادي وغيرهم في الانتخابات، لها معنيان واضحان: أولا، تغير المشهد السياسي العراقي وعلى الرغم من أن هذا التغيير قد لا يؤدي إلى وضع أفضل، إلا إنَّه يؤكد مصيرهذه التيارات وشخصياتها. ثانيا، من الآن فصاعدًالم يعد من الممكن اعتبار النخب التقليدية المذكورة أعلاه شخصيات مؤثرة في العراق .

– في إقليم كردستان العراق، شهد ظهور مطالب وتوقعات ورغبات جديدة لدى الأكراد، ويجب على الأطراف الاستجابة لها بجدية وديناميكية أكبر من ذي قبل. إنَّ أي حزب اذا ما انحاز بسرعة أكبر وجدية مع مصالح الشعب وإرادته سيواجه بالتأكيد المزيد من الرغبة والدعم .

– السنة أصبحوا أكثر تماسكاً ونشاطاً من الفصائل السياسية في العراق.

– من المتوقع أن تتمحور الحكومة القادمة حول الصدر، وبارزاني، والحلبوسي، وفي مواجهة نوري المالكي، ستسعى فتح وبعض المستقلين إلى تشكيل ائتلاف، وفي نهاية المطاف الحكومة. على كل حال، مقتدى الصدر سيكون الأب الروحي للحكومة المقبلة، إذا فشل الصدر في التوصل إلى اتفاق مع حلفائه البرلمانيين المستقبليين على رئيس وزراء جديد، فمن المحتمل أن يكون المرشح المتفق عليه هو مصطفى الكاظمي، الذي تربطه علاقات جيدة مع الصدر والحلبوسي والأكراد. هذا مرجح إذا سارت محادثات الائتلاف بشكل منحرف،واستغرقت شهورًا. للائتلاف الجديد منصبان رئيسان آخران: الرئيس العراقي، ورئيس البرلمان، ومن المتوقع أن يظل الحلبوسي رئيسًا للبرلمان، في حين يتعين على الأكراد التغلب على خلافاتهم الداخلية، لاتخاذ قرار بشأن مرشح رئاسي، ستتم الموافقة عليه بعد ذلك بأغلبية في البرلمان.

– إذا أطالت الأحزاب والتيارات عملية تشكيل الحكومة، ولم تتوصل إلى اتفاق يخدم مصالح الجميع، ستكون هناك زيادة في انعدام الأمن،وبدء المظاهرات من قبل مقاطعي الانتخابات.

– تبدو النتائج مرضية لجيران العراق والأمريكيين،ولاسيما إنَّ مقتدى الصدر بعث برسالة غير مباشرة إلى إيران بعد فوزه في الانتخابات، قائلا: إنَّالحكومة المقبلة سوف لا تسمح للقوات الأجنبية بالتدخل في العراق، يجب أن تكون فقط تحت سيطرة الحكومة. وعليه فمن المتوقع في حال تولى الصدريون رئاسة الوزراء، أن تكون هناك احتمالية بحدوث اشتباكات وتوترات بين الجماعات الشيعية، وإذا حدث مثل هذا الأمر، فسيكون مخالفًا تمامًا لمصالح إيران، ومنسجماً مع خصوم إيران وأعدائها ومحور المقاومة.

– من أهم نتائج هذه الانتخابات ظهور طبقة من المرشحين المستقلين، فازوا بمقاعد مباشرة في مجلس النواب العراقي عن طريق حملات انتخابية مباشرة، والذي أصبح ممكنا بعد تعديل قانون الانتخابات. يبدو أنَّ حركة تشرين بقيادة علاء الركابي، وهو صيدلاني برز في احتجاجات أكتوبر 2019، قد فازت بـ (12) مقعدًا. ويجب أن تقرر ما إذا كانت ستنضم إلى الائتلاف الحاكم – وتتعرض للتلوث عن طريق العملية السياسية – أو أن تظل جزءاً مهماً من المعارضة النقية، ولكن الضعيفة.

النتيجة:

من المفارقات السياسية في العراق أنَّ هيكله الحزبي لا يمكن وصفه بأنه ديمقراطي، لذلك من الطبيعي أنَّ هذا النظام الحزبي لا يمثل الشعب حقًا. إذ انخفض إقبال الناخبين بمرور الوقت إلىأن وصل إلى الحد الأدنى في عام 2021، بسبب الأحزاب العراقية الرئيسة والتي يقودها الأشخاص أنفسهم على مدى العقدين الماضيين. وعلى الرغم من أننا شهدنا بعض الانقسامات إلا أن غالبية هذه الأحزاب الجديدة ليست ديمقراطية. إنَّ ما يميزالأحزاب العراقية جميعها أنها تدور حول شخصية واحدة، وقائد واحد، يحل محله في النهاية أحد أفراد عائلته، وإذا عقد المؤتمر فهو احتفالي تمامًا. إن الافتقار إلى الشفافية بين الأحزاب العراقية، وعدم قدرتها على إجراء تغييرات حقيقية وذات مغزى في قيادة الحزب، هو عامل آخر في عدم الرضا والإحباط لدى العديد من الفئات الاجتماعية ولاسيما الشباب، الذين يمثلون ثلثي سكان العراق. والخلفية هي الإصلاح في العملية الانتخابية،حتى يتمكنوا من إنشاء حكومة فعالة وبرلمانية ومستقرة. لذلك فإنَّ تعديل قانون الأحزاب لا يقل أهمية عن تعديل قانون الانتخابات.