المشروع الإصلاحي للتيار الصدري: الأِبعاد والدلالات

      Comments Off on المشروع الإصلاحي للتيار الصدري: الأِبعاد والدلالات

بقلم: مؤيد جبار حسن

مركز الدراسات الاستراتيجية

13شباط 2016

في بداية كلمته التي دامت حوالي 14 دقيقة، نبه السيد مقتدى الصدر “زعيم التيار الصدري” إلى أنها غير موجهة للسياسيين على الإطلاق؛ لأن الكلام معهم لم يعد مجديا، وفي ذلك قطيعة نهائية معهم، متهما إياهم بالتفكير المصلحي دون الاهتمام بالمواطن، بلا استثناء ديني أو طائفي أو قومي، فكلهم سواء في شهوات السلطة والتحكم.

وينتقل السيد إلى موضوع الاحتلالات التي انتقصت من سيادة الوطن، بغير رادع، بل إن البعض راض ٍ وطالب لها، في إشارة لمن يطبل للاحتلال التركي في شمال البلد ومن يدعو الأمريكان إلى القدوم مرة أخرى ومن يرحب بمجيء قوات عربية (سعودية القوام) إلى محافظات العراق الغربية. فضلا على التدخلات السافرة في شؤون العراق، وهذا ما تمارسه أغلب دول الجوار.

ويؤكد زعيم التيار الصدري أن المواطن الشريف النزيه المظلوم محب لوطنه وبلده، الذي عاش فيه في سرائه وضرائه، وفي ذلك غمز لأولئك الذين قدموا للوطن متفضلين عليه بمظلوميتهم ومتناسين الظلم الأكبر الذي وقع على من هم في الداخل، كذلك للذين يغادرون بلدهم اليوم فرارا إلى أوربا وغيرها.

نفس هذا المواطن أعطى صوته الثمين في ملاحم ديمقراطية، إلا أن صوته ما عاد ينفع، ولا يبدو واضحا هل يشير السيد إلى التزوير في الانتخابات أم إلى تجاهل السياسيين لإرادة من انتخبهم. إن ذلك المواطن استبشر خيرا عندما سمع بالإصلاحات الأخيرة التي حظيت بوافر الدعم المرجعي والشعبي والحكومي والدولي.

والتغيير المنشود بالنسبة للسيد مقتدى، أن تكون الحكومة بكل درجاتها في خدمة شعبها لا خدمة نفسها وحزبها وأشخاصها، ولا لجمع المال والنفوذ والتسلط على رقاب الشعب، فيكون حاكما طاغيا كما في الحكومة السابقة “يقصد حكومة نوري المالكي”، التي أوصلت الشعب إلى هاوية الهلاك، وباعت أراضيه إلى قاطعي الرقاب، وسلمت سلاحها للعدو والمحتل.

وهنا يوجه السيد مشروعه الإصلاحي إلى الشعب العراقي وليس إلى السياسيين. ويدعو الجماهير إلى التفاعل معه وممارسة الضغوط على السياسيين وإن وصل الأمر إلى القيام بالاعتصامات.

المشروع الإصلاحي يتكون من عدة محاور، وهي كالآتي:

الإصلاح الاقتصادي:

  1. إعادة هيكلية المصارف الحكومية.
  2. تنصيب محافظ للبنك المركزي من ذوي الخبرة والكفاءة والنزاهة.
  3. دعم المنتج المحلي من خلال منع استيراد أي منتج منافس.
  4. دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة من خلال القروض والتسويق والدعاية.
  5. وضع قوانين صارمة لمزادات العملة الأجنبية مثل الدولار واليورو وغيرها.
  6. استصدار سندات داخلية لتعزيز الوضع المالي وسد النقص الحاصل في الموازنة.
  7. دعم القطاع الزراعي والصناعي وفق برنامج تخصصي معد من أصحاب الخبرة والكفاءة والتخصص.
  8. تشجيع الاستثمار الوطني من خلال بعض الامتيازات والتسهيلات للمستثمر.
  9. خصخصة بعض المرافق العامة، مشروطة بتقديم الخدمة العامة وعدم الإضرار والاستغلال والإثراء على حساب المواطن.

تحليل:

أن يستهل زعيم التيار الصدري مشروعه الإصلاحي بالجانب الاقتصادي فهذا يشير إلى أهمية الموضوع ومدى جديته وسطوته الحالية على باقي الموضوعات. ومن النقاط التي أشار لها: إعادة هيكلة المصارف الحكومية التي تعاني من الترهل والبطالة المقنعة، واستبدال المحافظ الحالي بآخر من ذوي الخبرة والنزاهة، دلالة عدم كفاءة الحالي. كذلك دعم الإنتاج المحلي أمام المنافسة غير العادلة التي يواجهها مع المنتج المستورد من دول الجوار التي تعتمد سياسة الإغراق، وكذلك امتصاص البطالة بين أوساط الشباب من خلال دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة عبر القروض والتسويق وغيرها. وفي مواجهة التخبط الحاصل في مزادات بيع العملة وشبهات الفساد التي تحوم حولها، ويدعو إلى وضع قوانين صارمة لها، كما يجب استصدار سندات داخلية لتعزيز الوضع المالي للدولة، وهذه الفكرة طرحت من قبل لكن لم تأخذ صدى واضحا. وفضلا على ما تقدم، من المهم دعم قطاعي الصناعة والزراعة بوصفهما البديلين عن الاعتماد الكامل على النفط الذي تهاوت أسعاره. وفي خطوة جريئة، كما يدعو إلى خصخصة بعض المرافق العامة، والحديث في هذا الموضوع يثير اللغط؛ لأن الشعب العراقي تعود على أن تمتلك الدولة لمرافقها العامة كالماء والكهرباء والصحة وغيرها).

الإصلاح الأمني:

  1. تحويل الحشد الشعبي بعناصره المنضبطة فقط إلى سلك الدفاع والداخلية وباقي القوى الأمنية بنبرة وحدوية لا طائفية لضمان حقوقهم وانتفاع الوطن بهم.
  2. حصر السلاح بيد الدولة وتسليم السلاح لها بعد انتهاء الحرب ضد الإرهاب.
  3. تقديم كافة قادة الفرق ورئيس أركان الجيش إلى مجلس النواب للمصادقة عليهم.
  4. محاسبة كل المقصرين بلا استثناء في قضية سقوط الموصل.
  5. محاسبة كل المقصرين بلا استثناء في المجازر التي حدثت، مثل سبايكر والصقلاوية وغيرها.
  6. تشكيل لجان ذات خبرة واضحة لتدقيق عقود السلاح المستورد والكميات والأسعار، وكذلك السلاح المصنع في الداخل.
  7. إبعاد الجيش عن المناطق الآمنة ومنع أي تواجد مسلح لغير الجهات المختصة.
  8. إقالة كل مسؤول أمني ذي ميل سياسي وحزب علني.

تحليل:

في بداية الإصلاح الأمني، أعاد زعيم التيار الصدري التذكير بفتوى المرجعية الرشيدة التي أرادت أن ينخرط المتطوعون في صفوف القوى الأمنية منذ بداية التأسيس بشرط أن يشمل هذا الانخراط العناصر المنضبطة فقط وليست المليشيات الخارجة عن القانون. ولمعالجة فوضى السلاح، ينصح السيد الصدر بحصر السلاح بيد الدولة كمبدأ عام، وفي الوضع الحالي يُسلم بعد انتهاء الحرب ضد تنظيم “داعش”. كما يجب التوافق على تقديم كافة القادة العسكريين الكبار إلى مجلس النواب لغرض المصادقة على تولي مناصبهم؛ لكي لا ينفرد القائد العام للقوات المسلحة بتنصيبهم. فضلا على ذلك، محاسبة كل من ثبت تقصيره من السياسيين والقادة العسكريين في سقوط الموصل بوصفه الحدث الذي مهد لدخول “داعش” داخل العراق وما استتبع ذلك من مجازر استشهد على إثرها آلاف العراقيين. وفي موضوع التسليح، يجب الاهتمام بمصداقية العقود وخلوّها من الفساد. وفي سبيل تنقية المؤسسة الأمنية من التوجهات السياسية والحزبية لأفرادها، يوصي بإقالة أي مسؤول أمني ذي ميول سياسية وحزبية بشكل علني).

الإصلاح الرقابي:

  1. تفعيل دور القضاء العراقي، بل وتفعيل دور المدعي العام .
  2. العمل على تصفية سلك القضاء من ذوي السمعة السيئة، وإسناد مهامّه إلى ذوي النزاهة والإخلاص والاختصاص.
  3. تنصيب قاض مختص على رئاسة هيئة النزاهة، وكذلك المساءلة والعدالة.
  4. تشكيل لجنة مؤقتة لتدقيق العقود الوزارية، وكذلك عقود الهيئات والمؤسسات العامة من سنة 2003 – 2016، على أن تقدم اللجنة تقريرا شهريا إلى مجلس النواب، ويبث مباشرة على الهواء من أجل اطلاع الرأي العام على نسبة الفساد، ويشترط في اللجنة الكفاءة والنزاهة والخبرة. ويجب تدقيق العقود التي تزيد قيمتها عن 50 مليار دينار عراقي فما فوق أولا، ومن ثم العقود التي هي أقل من ذلك.
  5. تشكيل مجلس إعمار يختص بإحالة العقود وتحديد الأولويات والجهة المنفذة من حيث الرصانة والأعمال والخبرة .

تحليل:

إن من أسباب تفشي الفساد بكافة أصنافه، انعدام قوة القانون التي تتمثل في القضاء والمدعي العام. ولهذا يجب تصفية السلك القضائي من ذوي السمعة السيئة، وإسناد المناصب فيه إلى ذوي النزاهة والإخلاص. ويركز السيد مقتدى على رئاسة هيئة النزاهة التي يجب أن يتولاها قاض مختص. وفي سبيل إيقاف عملية الفساد الكبيرة في العقود الوزارية، ويوصي بأن تتولى لجنة مؤقتة تدقيقها منذ عام 2003 إلى يومنا هذا، مع شرط أن تقدم تقريرهافي مجلس النواب على الهواءمباشرة وبكل شفافية إلى الشعب. وكذلك تشكيل مجلس إعمار يختص بالعقود وأولويتها وأهميتها ورصانتها.

الإصلاح السياسي:

  1. تشكيل فريق يضم رئيس الوزراء الحالي، وسياسيا مستقلا ومعتدلا وذا خبرة، وكذلك قاضيا معروفا بالشجاعة والحيادية والوطنية، وأكاديمي معروفا، وموظفا متقاعدا من الدرجات الخاصة، ذا خبرة عالية في مفاصل الدولة، على أن يكون مستقلا. يوكل إلى ذلك الفريق ما يأتي:
  • تشكيل وزراي متخصص يتمتع بالنزاهة والخبرة من أجل تشكيل حكومة تكنوقراط، بعيدة عن الحزبية والتحزب، على أن يشمل الجميع دون الميول إلى حزب السلطة وسلطة الحزب.
  • تقديم اسماء لرؤساء الهيئات إلى مجلس النواب من أجل المصادقة عليها.
  • تقديم أسماء مرشحة للوكلاء والمستشارين والمدراء وأعضاء الهيئات والسفراء والخبراء، كل ذلك بمدة أقصاها 45 يوما بعد تقديم برنامج ومنهج حكومي من قبل رئيس الوزراء يطبق خلال سنة، وإلا سيتم سحب الثقة عنه داخل قبة البرلمان.

تحليل:

إن من أخطر الملفات في الإصلاح هو الملف السياسي. ونلاحظ فيه أن السيد مقتدى يقترح تشكيل فريق يضم رئيس الوزراء الحالي، وفي ذلك إشارة إلى مقبوليته عنده، فضلا على مجموعة أشخاص بينهم السياسي المستقل والقاضي الوطني والأكاديمي المعروف والموظف المتقاعد يوكل إليهم جملة مهام منها: تشكل حكومة تكنوقراط، والتي تعني حرفيا حكومة “التقنية”، أو حكومة “الكفاءات”، يكون عملها بمهنية وعلمية، وذلك خلال مدة زمنية قدرها 45 يوما، لتقديم منهج حكومي من قبل رئيس الوزراء، وإلا سيتم سحب الثقة عنه، ولم يبين السيد الصدر ما هو الإجراء إذا ما تم ذلك بالفعل).

وفي نهاية الحديث، أعرب السيد مقتدى الصدر عن أمله بالله وبالشرفاء من العراقيين ذوي الوطنية العالية في أن يدعموا مشروعه الإصلاحي، ولا سيما أنه يوافق رأي المرجعية، ويوافق آمال الشعب. ونبه إلى أن عدم تنفيذ بنود هذا المشروع، تكون خيانة للعراق وشعبه، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن جل نقاطه هي وفق الضوابط القانونية المعمول بها، وهدد بالانسحاب من العمل السياسي والسياسة بصورة عامة.