زواج غير سعيد: العلاقات المدنية – العسكرية في عراق ما بعد صدام

      Comments Off on زواج غير سعيد: العلاقات المدنية – العسكرية في عراق ما بعد صدام

فلورنس غاوب: محلّلة بارزة في “معهد الاتحاد الأوروبي للدراسات الأمنية”

ترجمة: مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي

13 كانون الثاني/يناير 2016

عرض وتلخيص وتحليل: م. م . علي مراد العبادي

 

كانت سيطرة تنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”) على الموصل في صيف العام 2014، لحظة مفصلية بالنسبة إلى الجيش العراقي الذي شهد تفكّك فرقه الأربعة المدجّجة بالسلاح بشكلٍ سريع

عرضت الباحثة موضوعا مهما جدا، خاصة عندما تناولت العلاقات المدنية العسكرية بتحديد أواصر وروابط نقاط الضعف والقوة بين المؤسسة المدنية والعسكرية، وكذلك مديات انجذاب المؤسسة العسكرية لتأثيرات المؤسسة المدنية وأسباب هذا الانجذاب (أي الدوافع وراء ذلك)، حيث استهلت الباحثة بالقول:

كانت سيطرة تنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”) على الموصل، في صيف العام 2014، لحظة مفصلية بالنسبة إلى القادة المدنيين والعسكريين في العراق. ففي أعقابها، حمّل كل طرف الطرف الآخر مسؤولية التفكّك السريع لأربع فرق عسكرية مدجّجة بالسلاح. فقد اتّهم القادة العسكريون القادة المدنيين بالفشل في توفير التوجيه والتمويل الكافيَيْن، في حين اتّهم المدنيون نظراءهم العسكريين باستشراء الفساد في أوساطهم، وارتفاع معدلات التغيّب، وتدنّي معايير التدريب وضعف التماسك. كان كلا الطرفان على صواب، غير أن العلاقات المدنية-العسكرية المختلّة كانت السبب الرئيس لانهيار الجيش. فقد كانت أكثر السيطرة المدنية في يد رئيس الوزراء السابق، وأصبح الجيش مؤسّسة تعاني من تداخل الصلاحيات. وبدلاً من العمل على استحداث مسؤوليات الدفاع المشتركة، والتأسيس لتبادل متوازن للخبرة العسكرية والموارد المدنية، وتطبيق مبادئ المساءلة والجدارة، والحدّ من تدخّل الطرفين في شؤون بعضهما، ظهر نظام يقوم على شبه انعدام للثقة والتدخّل وأحياناً الإقصاء. 

وبسبب خشية السلطة التنفيذية من ظهور تحدّيات سياسية من جانب سلك الضباط، سعت إلى فرض سيطرتها الصارمة على الجيش. لتحقيق ذلك، لجأ رئيس الوزراء السابق السيد المالكي إلى اغتنام الحاجة إلى تأكيد السيطرة المدنية الفعّالة لكي يتدخّل في عدد من الأمور العسكرية، بدءاً من اتخاذ القرارات الخاصة بالأفراد، وصولاً إلى المعدّات والتجهيزات، في حين أضعف إلى حد ما أيضاً الأطراف الفاعلة السياسية والمؤسّسية الأخرى المسئولة اسمياً عن إدارة العلاقات المدنية-العسكرية. ومن خلال اختزال رأي القوات المسلحة في السياسة الدفاعية والإدارة، أصيبت بالضعف في قدراتها المؤسّسية والقتالية.

وبالمثل، كان قادة الجيش العراقي غير مستعدين أو عاجزين عن القيام بدور إدارة الشؤون الدفاعية المنوط بهم لجملة من الأسباب. فقد تم حلّ القوات المسلحة في العام 2003 لارتباطها بنظام الرئيس السابق صدام حسين، ومع ذلك، كان لابدّ من إعادة شريحة كبيرة من الضباط إلى الخدمة بعد العام 2005، لأن عملية بناء الجيش العراقي الجديد كانت تسير ببطء شديد وسط تفاقم التمرّد المسلح واشتداد وتيرة العنف المدني. لكن على الرغم من أن عودتهم ضخّت خبرات تشتدّ الحاجة إليها، فإنها تمخّضت أيضاً عن نتائج سلبية: الفساد، والنفور من القوات الجديدة، وعدم القدرة على تحمّل الإسهامات والتفاعلات البنّاءة. هذه القوات التي تم استدعاؤها من جديد، لم تكن تثق بالعقيدة العسكرية الأميركية وبالأساليب المستخدمة لبناء الجيش العراقي الجديد بين عامَي 2004 – 2011. ونتيجةً لذلك، لم يتمكّن هؤلاء الضباط الذين تم استدعاؤهم من إقامة علاقة بنّاءة مع السلطة التنفيذية، أو نقل خبراتهم وذاكرتهم المؤسّسية إلى الحكومة الجديدة.

وأخيراً، أدّى التداخل الطائفي السياسي إلى إضعاف القوات المسلحة على نحو يتعذّر إصلاحه.  فقد أصبحت الهويّات العرقية والدينية فجأة هي حجر الزاوية في الحكومة العراقية بعد العام 2003، وبدأ انتخاب المسؤولين وتوظيف الموظفين العموميين يتناسب مع هذا النمط. ومن ذلك الحين وصاعداً، أصبحت المحاصصة هي التي تحدّد تخصيص كل وظيفة في القوات المسلحة ومؤسّسات الدولة الأخرى، الأمر الذي يتعارض مع مبادئ الجدارة اللازمة لإدارة جيش فعّال.  وقد أثّر ذلك بصورة خاصة على الرتب العليا في سلك الضباط، والتي كانت تتألف في معظمها من العرب السنّة، وبدأت أعداد العرب الشيعة والأكراد تفوق أعداد السنّة لأغراض تتعلق بتحقيق التوازن والمحاصصة.

عيوب البناء وإرث الغزو

حدث التحوّل في العلاقات المدنية-العسكرية في العراق عقب التخلّص من نظام صدام حسين، عندما نشبت المقاومة المسلحة ضد الاحتلال الأميركي والنظام السياسي الجديد في أواخر العام 2003. ولأن الولايات المتحدة كانت تعتزم منذ البداية سحب قواتها بحلول العام 2007، فقد اضطرّ الجيش العراقي إلى بناء مؤسّساته بشكل سريع جداً، في الوقت الذي كان يقاتل حركة تمرّد متصاعدة. في مثل هذه الحلقة المفرغة، لم يكن في وسع الجيش مكافحة العنف المنتشر؛ لأنه لم يكن مستعداً للقيام بهذه المهمة آنذاك، كما أن هذا العنف نفسه عرقل قدرته على إكمال الاستعدادات الضرورية.

في العام 2005، تكثّفت جهود التدريب والتوظيف، وبحلول العام 2007 ازدادت عمليات التجنيد في قوات الأمن العراقية، عندما استفحل العنف ليتحوّل إلى تمرّد. وقد تم تجنيد أربعة عشر ألف رجل في الجيش العراقي الجديد كل خمسة أسابيع. وفي غضون ست سنوات، وصل حجم الجيش العراقي إلى أربعة أضعاف، حيث وصل عدد الجنود العاملين إلى 200 ألف تقريباً. لكن، في حين تلقى جميع أفراد القوات العراقية تقريباً شكلاً من أشكال التدريب الأميركي، فقد كانت عمليات التدريب تستغرق في العادة بين 3 و5 أسابيع، أي أكثر قليلاً من مدة التدريب الأساسي.

أضرّت عملية التجنيد التي تمّت على عجل بسلك الضباط على وجه الخصوص؛ لأن الأمر يتطلّب سنوات أو حتى عقوداً لتدريب الضباط من ذوي الرتب المتوسطة أو العالية. في العام 2008، تم شغل 73 في المائة فقط من وظائف الضباط و69 في المائة من وظائف ضباط الصف، وهي الفجوة التي لن يتم معالجتها حتى العام 2018 على الأقل حسب توقعات الخطة المرسومة، أي الحاجة الفعلية للضباط وضباط الصف قياسا مع عدد الجنود والوحدات.

إن وجود الضباط أمرٌ حيوي لأي قوة عسكرية؛ لأنهم يتولّون إدارة المؤسسة ككل. وفي الوحدات التي تم إنشاؤها من الصفر، كما كان الحال مع وحدات الجيش العراقي بعد العام 2003، يصبح سلك الضباط أكثر أهمية في تحديد ما إذا كان سيتم الحفاظ على تماسك الجيش.

واجهت عملية إعادة بناء وزارة الدفاع القيود نفسها، شأنها في ذلك شأن غيرها من المؤسّسات في عراق ما بعد العام 2003. وعلى الرغم من أن سلطة التحالف المؤقتة كانت قد قرّرت في الأصل إصلاح الوزارة فقط، فإنها بنتها من الصفر بدل ذلك. وأصبحت وزارة الدفاع هي الأولى في التاريخ العراقي التي تعمل بطاقم من الموظفين المدنيين، وليس العسكريين. قد تكون تلك خطوة إلى الأمام من حيث تأكيد السيطرة المدنية، لكنها كانت تعني أيضاً أنه لم تعد هناك أي ذاكرة مؤسّسية كي يُستفاد منها، ولا سابقة على ما ينبغي أن يكون عليه دور وزارة الدفاع. علاوةً على ذلك، كان على وزارة الدفاع التي تعاني من نقص في القوة العاملة أن تتعامل مع المؤسّسة العسكرية التي تنمو بسرعة، الأمر الذي أدّى إلى بروز مخاوف أميركية وعراقية من أن الوزارة لن تكون قادرة على ممارسة سلطتها في المسائل الدفاعية. تم بناء الوزارة في ستة أشهر وزُوِّدت بالموظفين من دون مساهمة عراقية، ونتيجةً لذلك، لم تكن متماسكة ولا ناضجة بما يكفي لمنع التلاعب، ولم يشعر القادة العراقيون بأنهم يملكونها.

على هذه الخلفية من العنف وبناء المؤسّسات السريع، تشوّهت العلاقات المدنية-العسكرية العراقية بسبب القادة المدنيين والعسكريين على حدٍّ سواء، وعزّز المجتمع ككل هذا التشوّه.

محصّن دائماً ضد الانقلاب: تدمير الجيش العراقي من أعلى

      

السيد المالكي الذي تولّى مهام منصبه قبل أشهر فقط من تخلي الولايات المتحدة عن سيطرتها على الجيش العراقي في العام 2007، شاطر راعيه الأميركي القلق من إمكانية أن يوسّع الجيش نطاق نفوذه ليصل إلى ميدان السياسة. وعلى غرار معظم أقرانه المنتخبين، كان المالكي يدرك تماماً أن الجيش العراقي احتفظ بدور سياسي بارز في معظم تاريخ العراق الحديث. ففي حياة المالكي وحده، تم إسقاط ثلاث حكومات بالوسائل العسكرية، منذ استقلال العراق في العام 1932، وهزّت البلاد ستة انقلابات وانقلابات مضادّة، فضلاً عن سبع محاولات انقلاب فاشلة، ثلاث منها حدثت في عهد صدام حسين.

حتى قبل تولّي المالكي منصبه، سعت القيادة العراقية إلى “تحصين نفسها من الانقلاب”، وركّزت جهودها على وجه الخصوص على قيادة الجيش العراقي الذي أُعيد تشكيله. ومع ذلك، مضت التدابير التي قام بها المالكي إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، حيث جعل عملية صنع القرار العسكري مركزية تحت قيادته، واستغلّ بعض الولاءات الشخصية أو الانتماءات الطائفية لإبعاد البعض وتقريب البعض الآخر، وأسّس جماعات شبه عسكرية كثقلٍ موازن للقوات المسلحة، وأنشأ أجهزة أمنية لمراقبة الجيش.

أيضا من ضمن بعض التداخلات، تولّى السيد المالكي حقيبتَي الدفاع والداخلية في العام 2010، حتى أصبح مكتبُ القائد العام الهيئةَ التنفيذية الفعلية لقطاع الأمن كله، الأمر الذي أدّى إلى تهميش الوزارات المعنية.

على الرغم من وجود معارضة مدنية لجهود المالكي لتوطيد سلطته، إلا أنها كانت ضعيفة جداً وتفتقر إلى الخبرة كي تشكّل تحدّياً حقيقياً. لم يتم وضع آليات كافية للرقابة، وأدّى الوضع الأمني المتدهور إلى تحويل الانتباه إلى مكان آخر. وهناك من عارض بعض السياسات والتجاوزات التنفيذية للسيد المالكي، ومن ذلك معارضة مقتدى الصدر والزعيم الكردي مسعود البارزاني في قطاع الأمن. فكثيراً ما انتقد الصدر – وهو رجل دين شيعي يتزعم حركة سياسية-عسكرية كبيرة، وحليف سابق للمالكي – رئيس الوزراء علناً. وبحلول العام 2008، جرت محاولة لعزل دور الصدر وحلّ الجماعات المسلحة المرتبطة بالتيار الصدري. مع ذلك، استأنف الصدر انتقاداته بعد عودته إلى العراق في العام 2011، وأصدر “تحذيراً نهائياً للحكومة كي تتحمّل واجبها في حماية الشعب”.

مع ذلك، وبمجرّد أن حان وقت القتال على نطاق واسع أثناء تقدّم تنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”) في الموصل في حزيران/يونيو 2014، لم يكن الجيش قادراً على خوض حرب فعّالة. وقد عكس ديمبسي، الذي كان في ذلك الحين رئيس هيئة الأركان الأميركية المشتركة، هذا الشعور عندما قال في أيلول/سبتمبر 2014: إن نحو نصف الألوية المقاتلة العراقية فقط يمكن أن تُعد “شريكاً محترماً”. وأضاف: إنه “يبدو أن لديها قدراً معيناً من التماسك، والتزاماً تجاه الحكومة المركزية”، قبل أن يحذّر من أن الألوية المتبقّية لديها مشاكل تتعلّق بـ”الاختراق والقيادة والطائفية”.

جيش قديم في حلّة جديدة: الإحباط داخل المؤسّسة

      

ساهمت القوات المسلحة، ومؤسّسة الدفاع أيضاً، في ظهور علاقات مدنية-عسكرية مشوّهة في عراق ما بعد العام 2003. منذ البداية، انقسم الضباط على جبهات عدّة، ما جعل الجيش غير قادر على التواصل علناً مع القيادة المدنية.

كانت الانقسامات في سلك الضباط في الجيش العراقي نتيجة خللٍ في عملية إعادة البناء. فقد تركّز الضباط الذين تم استدعاؤهم من جديد في رتبة عقيد وما فوق، خلافاً للمجنّدين الجدد الموجودين بالكامل تقريباً في المناصب الدنيا أو المتوسطة. نتيجةً لذلك، كان معظم كبار الضباط من السنّة الذين تدرّبوا وفق تقاليد الثقافة العسكرية البعثية-السوفييتية، بينما كان أصحاب الرتب المتدنّية في الجيش أصغر سناً وتدرّبوا على يد الأميركيين، وكانت نسبة 50 في المائة منهم على الأقلّ من الشيعة.

استجابت كلتا المجموعتان للأوضاع الجديدة بصورة مختلفة: فقد تكيّف الضباط الأصغر سنّاً من ذوي الخبرة العسكرية السابقة القليلة أو المعدومة مع لامركزية أساليب القيادة الأميركية، في حين قاوم كبار السّن من الضباط هذا الاتجاه الجديد. وكما هو متوقّع، باشر الضباط العراقيون المخضرمون العمل في مهنتهم استناداً إلى خبراتهم العسكرية السابقة، بما في ذلك الحروب ضد إيران (1980-1988)، والكويت (1990)، والتحالف الدولي (1990-1991). وقد استلزم ذلك الاعتماد على الهياكل الهرمية الصارمة والاستخدام المكثّف للمدفعية والقليل من الآراء والتعليقات. ووفقاً لاثنين من الباحثين، فإنه “في الوقت الذي يصل العديد من الضباط إلى المستويات العليا، تكون ثقتهم في أحكامهم الخاصة قد ترسّخت ومورست وكوفئت. ونتيجة لذلك، فإنهم يميلون إلى الثقة في حدسهم أكثر من ثقتهم بالأدلة التجريبية التي تقدَّم إليهم”.

جرت التدريبات العسكرية الفعّالة، التي يمكن أن تساعد في التغلّب على مقاومة الوسائل القديمة، على نطاق محدود وعلى مستوى الرُتب العسكرية الأدنى. ولم تُصبح كليّة الدفاع الوطني العراقية وكليّة الحرب العراقية، اللتان درّبتا عسكريين من الرتب العليا، قيد العمل إلّا في العام 2011. وحتى في ذلك الحين، لم تضمّ كلّية الدفاع سوى عددٍ قليلٍ من الرتب العليا في هيئة طلّابها التي تضم 30 عضواً. أمّا المحاولات الأميركية القليلة لجسر الفجوات بين مختلف طبقات العسكريين العراقيين فهي، وبحسب تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدوليّة، “مُصمّمة أصلاً لوضع حد للثقافة السلطوية والوحشية للنظام السابق، وزرع قدر أكبر من احترام حقوق الإنسان وحكم القانون”. لكن المراتب الأعلى قاومت هذه الجهود، وعدتها غير متوافقة مع التقاليد العسكريّة الخاصّة بها. 

فشلت المراتب العليا من العسكريين العراقيين المُناط بهم التواصل مع القيادة المدنية، خاصة مع السلطة التنفيذية، في إجراء حوارٍ صريحٍ وبنّاء. وقد تأثّرت مقاربة القادة العسكريين لعملهم بغياب الثقة في الزعامة السياسية، وعدم الارتياح إزاء الثقافة العسكرية الجديدة المستوردة من الولايات المتحدة، وهكذا، بدل بناء شيءٍ جديدٍ، عاد القادة العسكريون العراقيون أدراجهم إلى ثقافة عسكرية شكّلتها تدابير جزائية تأديبية لا تقبل الانتقادات البنّاءة، ووضَعت صنع القرار في يد السلطة التنفيذية. وبدى العسكريون غير مستعدّين لتحمّل مسؤولية أخذ القرارات في عراق ما بعد العام 2003، أو ممارسة الفكر المستقل. هذا الأمر سلب القيادة المدنية الخبرة العسكرية المفيدة.

نتيجةً لذلك، لم يستطع السلك العسكري لعب دورٍ بنّاءٍ، مثل ذلك المتوخّى من سلك أمني سليم وديمقراطي. أحياناً، حاول السلك العسكري إسداء النصح والانتقاد الصريح، مثل التحذير بأن الجيش غير مستعد للتأقلم مع انسحاب الولايات المتحدة في العام 2011.‏ مثلٌ آخر، هو استقالة قائد الفرقة 17 في العام 2013، مشتكياً علناً من “الأوامر غير المهنية، واعتماد سياسات مخطئة من قادة عسكريين كبار، واتخاذ قرارات عشوائية”. لكن بالإجمال، بقي السلك العسكري صامتاً، وواصل القادة العسكريون الكبار طرح نموذج العلاقات المدنية-العسكرية التي اكتسبوها خلال عهد صدّام حُسين.

تطييف الجيش العراقي: السياق الوطني

بدوره، أدّى أيضاً التطييف الواسع للسياسات غداة الاحتلال الأميركي إلى تشويه العلاقات المدنيّة-العسكريّة في العراق. وعلى الرغم من أن الطائفية كانت موجودة كظاهرة اجتماعية صامتة قبل انهيار نظام صدّام حسين في العام 2003، إلّا أن النظام السياسي الجديد مؤسس الطائفية. وأدّت تعيينات المجلس الحاكم لسلطة الائتلاف المؤقتة على أسس إثنية وطائفية في مجلس الحكم إلى تفاقم العنف والخطابات الطائفية. وبدأ رجال السياسة لعب الورقة الطائفية لحشد الأنصار، وسرعان ما تحوّل العنف إلى عنفٍ طائفي. نتيجةً لذلك، بدأ المواطنون يصوّتون أكثر فأكثر وفق خطوط دينية وإثنيّة. وكانت محصّلة هذه الديناميكيات أن أدّى نظام الكوتا العراقي الإثني والطائفي أيضاً إلى مأسسة تجنيد الفرق محلّياً، ما أسفر كذلك عن خلق وحدات متجانسة، الأمر الذي شوّه سمعة الجيش كمؤسسة وطنيّة. وطُبّق نظام الكوتا القائم على معايير إثنية ودينية بشكلٍ رسمي وغير رسمي لكن فقط على سلك الضبّاط هذا. في حين أن 75 – 80 في المائة من العسكريين المسجّلين كانوا من الشيعة. وتنصّ المادة التاسعة من دستور جمهورية العراق للعام 2005 على ما يلي: “تتكوّن القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء”. ينبغي أن يتمّ الاختيار بطريقة إثنية مُنصِفة كما هو وارد في الدستور، لكن مفهوم “الإنصاف” غير محدّد، إذ في حين ينطبق ذلك فقط على طلاب ينخرطون في سلك الضبّاط، يُطبّق أيضاً نظام كوتا غير رسمي أو نظام توازن على الجميع. بالمقاربة مع الجيش اللبناني، لم يخصّص العراق كل رتبة في الجيش لطائفة دينية معيّنة، الأمر الذي يحدّ نظرياً من الاعتبارات الطائفية في العراق. لكن عملياً، وعلى الرغم مما ذكر أعلاه، فإن القادة العسكريين والسياسيين يشدّدون على التبعيّة الدينية، ما يجعل من العملية أقل شفافية إذا ما تمَّت مقارنتها مع نظام الطائفية المتمأسسة رسمياً في لبنان.

وعكس تجنيد عددٍ كبيرٍ من السنّة في السلك العسكري التابع لصدام حسين والانتقال إلى توظيف الشيعة بعد العام 2003، الطائفية المتفاقمة في النطاق الاجتماعي الأوسع. كما عكس الممارسة المتواصلة الخاصّة باستخدام التعيينات في القطاع الأمني بهدف حيازة السلطة السياسية. ولا تشكّل الكوتا القائمة على الإثنية والطائفية إشكالية جوهرية، غير أن خفض معيار قبول الشيعة دفع العسكريين السنّة إلى الشكّ بجدارة نظرائهم.

تجادل كل من المالكي وبابكر زيباري – الذي كان آنذاك رئيس الأركان الكردي – ضدّ انتشار القوّات ذات الغالبية الكرديّة في البلاد، على الرغم من أن لكلٍّ منهما أسبابه الخاصّة. أراد السيد المالكي أساساً، تجنّب الوحدات التي تتشكّل فقط من الأكراد، والتي يمكن أن تخدم في ما بعد كحجرٍ أساس لجيش كردي مستقل، بينما كان اهتمام زيباري الأكبر يكمن في التماسك العسكري. وقد اقترح رئيس الأركان ما يلي: “ينبغي ألاّ نطبق مبدأ “أهل المنطقة في المنطقة” بشكل مفرط؛ لأنها لا تتوافق مع فكرة الجيش الوطني. أنا أؤيد حلاً وسطاً: نحن بحاجة في كل محافظة إلى توازن معيّن بين العناصر المجندين محلياً وأولئك القادمين من مناطق أخرى بغية ضمان التوازن بين المركز والأطراف”.

أخيراً، لم يكن الدعم السياسي القوي للجيش العراقي كمؤسّسة وطنية واضحاً. وعلى الرغم من أن أهميّة الجيش الوطني واضحة للكثيرين، تمّ التعتيم على البيانات التي تمتدح الجيش أو تدافع عنه في 6 كانون الثاني/يناير وهو يوم الجيش، وذلك قبل هجوم تنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”) في صيف العام 2014. وفي بيئة طائفية حادّة، ثمّة غياب لكل من السرديّة الأوسع للوطنية العراقية وللمديح الخاص بالقوات المسلّحة العسكريّة كمؤسّسة عراقية شاملة للجميع.

لا تقتصر المشكلة الأساسية على القوات المسلّحة وحسب، بل تعود إلى طريقة تعاطي العراقيين مع دولة ما بعد العام 2003. فلا يهمّ السياسيين الكرد وجود جيش عراقي وطني؛ لأن هدفهم بعيد المدى هو الاستقلال. وما يزال السياسيون السنّة يعانون من نظام سياسي لا يعاملهم على قدم المساواة حسب ما يعتقدون، كما يعانون من كيفيّة التعبير عن معارضتهم وكيفية التفاوض حول إدخال تحسينات فيها. أمّا السياسيون الشيعة فهم على دراية بأن هيمنتهم العددية تضمن لهم الغالبية إن هم واصلوا خطاب الشارع الشيعي بنوع من الطائفية.

هذا الأمر لا يعني أن الوطنية غير موجودة في العراق، بل ظهرت دعوات للوحدة وتحمل مشروع وطني موحد.

بالنسبة إلى الجيش العراقي، أضعفت الطائفية الحافز على القتال. ولتفسير منطق بعض العسكريين الذين أبوا القتال ضدّ تنظيم “الدولة الإسلامية”، نُقل كلام عن عقيد من الفرقة الثانية قوله: “لا أحد يريد الموت لسببٍ لا يؤمن به”. غياب الثقة داخل المؤسسة العسكرية يقف عائقاً أمام تأسيس قوّة وطنية فعّالة

تحليل المركز:

العلاقات المدنية-العسكرية في العراق شهدت مراحل مهمة طيلة المدة الماضية، أي منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وتشكيل الجيش العراقي في 6 كانون الثاني 1921. إذ تناوبت هذه المدة بين سيطرة المؤسسة العسكرية على القرار السياسي المدني أو العكس. ولا ننسى الانقلابات التي حدثت، ولا سيما انقلاب عام 1936، وحركة 14 تموز عام 1958، وانقلاب عام 1963، وصولا إلى مرحلة زجّ الجيش في الأمور السياسية، ولا سيما في عهد نظام صدام حسين، شهدنا سيطرة شبه تامة للمؤسسة المدنية على المؤسسة العسكرية، إذ زجّت في منازعات جانبية وحروب طويلة، وصولا إلى مرحلة التغيير عام 2003 وحل الجيش العراقي, وهذا هو الحدث الأبرز والأهم، إذ تم حل جيش عريق وكبير بهذه الصورة التي أثرت على بنيته ومعنويات مقاتليه وخبرات ضباطه، خاصة الذين يحملون العقيدة العسكرية الخالصة وليس المجيّرة, ليشهد بعدها صعوبة في البناء. وبعد عمليات الهيكلة والبناء عاد الجيش العراقي ولو بصورة بسيطة, لكن السؤال هنا: أيهما أرجح كفة؛ المؤسسة العسكرية أم المدنية؟. استنادا للوقائع يظهر تماما أن المؤسسة المدنية حاولت إضعاف الجيش وإبعاده عن أي دور سياسي أو محاولة الانقلاب عبر: محاصصة القيادات العسكرية وشمولها بمبدأ المحاصصة السياسية والحزبية, والإبقاء على بعض الضباط المتهمين بالفساد، والسبب أيضا المحاصصة . أما الأمر الأكثر تأثيرا على الجيش العراقي بعد عام 2003 هو عدم إعطائه الفرصة الكافية لإعادة الهيكلة والبناء وذلك لعدة أسباب منها: إدخاله في حروب شوارع، وهذا الأمر يتطلب قوة خاصة وليس عبر زج الجيش، فكما يقول الخبراء العسكريون: “حرب الشوارع من أصعب الحروب، وتسمى حرب العصابات”. وكذلك من الأسباب المواجهة الشرسة مع الإرهاب التي أرهقت الجيش كثيرا, وتدخله المباشر وغير المباشر في مواجهة المجموعات المسلحة الخارجة على القانون، والأمر الأخير احتلال الموصل من قبل تنظيم “داعش” وما رافقه من انهيارات للجيش العراقي أربكت صفوفه كثيرا لولا السند والدعم الشعبي، وبخاصة من الحشد الشعبي الذي عد الظهير والسند القوي للجيش العراقي، إذ شد عزيمته ورفع معنوياته حتى استطاع تحرير العديد من المناطق.

رابط المقال :http://carnegie-mec.org/#slide_6082