العراق على مفترق طرق: ورقة سياسات الاصلاح السياسي-الامني

      Comments Off on العراق على مفترق طرق: ورقة سياسات الاصلاح السياسي-الامني
ورقة
        ورقة.

تمهيد:

تمر الدولة العراقية حالياً بظروف صعبة جدا لم يسبق أن مرت بها منذ تأسيسها عام 1921 على الأصعدة السياسية، الاقتصادية، الأمنية، الاجتماعية، …الخ، تهدد وجودها. وبلغت هذه الظروف ذروة صعوبتها بعد دخول ما يُسمى بـ”تنظيم الدولة الإسلامية” الإرهابي أو مايعرف اختصاراً بـ”داعش” الأراضي العراقية نهاية عام 2013 ونجاحة في السيطرة على محافظات نينوى، الأنبار، صلاح الدين، فضلا على مناطق أخرى في محافظة ديإلى في حزيران 2014، وأنهى بذلك سيطرة الحكومة الاتحادية عليها. ومما ضاعف من خطورة الأوضاع هو الأزمة المالية الناتجة في الأصل عن الأزمة الهيكلية في الاقتصاد العراقي، وانخفاض أسعار النفط العالمية، المصدر الرئيس لإيرادات الموازنة العامة للدولة العراقية، وارتفاع نفقات الحرب ضد التنظيم المذكور. كل ذلك انعكس سلبا على الوضع السياسي – الذي يعاني في الأصل من إشكالات عدة – وبدوره قاد إلى نتائج وخيمة على مستوى الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية في البلد.

نتيجة لذلك، ولضرورة الحاجة إلى الإصلاح الحقيقي، ودعوات المرجعية الدينية المتكررة والكتل السياسية، وتصاعد الاحتجاجات الشعبية، ودعوة السيد رئيس مجلس الوزراء الكتل السياسية إلى مساندته عبر البرلمان لإحداث تغييرات كبيرة في التشكيلة الحكومية من أجل إنقاذ البلاد مما هي عليه، وانطلاقا من أهمية أن يكون لمراكز الأبحاث والدراسات دور في تصحيح الأوضاع الراهنة، أخذ الباحثون في مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء على عاتقهم إعداد ورقة سياسات تضمنت مناقشة محورا أساسيا “السياسي-الأمني“، إذ تم دراسة:

أولاً: طبيعة المشكلة

ثانياً: المؤثرات الداخلية والخارجية للمشكلة.

ثالثاً: حتمية الإصلاح في الوقت الحاضر، إذ نحاول أن نبرز ضرورة الإصلاح وأهميته.

رابعاً: خيارات وبدائل عملية قابلة للتطبيق يمكن أن يسترشد بها صانع القرار في خطته الخاصة بالإصلاحات.

اولاً: طبيعة المشكلة

شهد العراق حالة تغيير سياسي بعد نيسان 2003 أحدثت انقلابا في الكثير من الموازين، والتي كان النظام السياسي العراقي قائما عليها ولعقود طويلة، بصرف النظر عن تقييم تلك المرحلة. وهذا التغيير أفرز نمطا جديدا من ممارسة السلطة، اعتلته صعاب ومعضلات منذ البداية ولغاية الآن، تمثلت باختلاف مصالح ومشاريع الإدارة الأمريكية في المنطقة عامة والعراق خاصة تارة وتعارض المصالح الحزبية للأحزاب العراقية تارة أخرى، دون أن ننسى المشكلة الطائفية التي برزت من داخل المجتمع العراقي بسبب عقود من الممارسات السلبية التي تحولت إلى واقع في المعادلة السياسية، حيث عملت هذه المشكلة على تصنيف الأحزاب والمكونات الاجتماعية، وأوجدت خطوطا فاصلة بين الفرقاء، وتم استغلالها وتوظيفها من قبل أطراف عدة لطرح (أزمة المشاركة) وحتى (أزمة شرعية) في النظام الجديد وبشكل متبادل وبأوجه متناقضة. فمنهم من استعملها لدعم التغيير السياسي، ومنهم من وظفها لمعارضته، وهو ما أسهم في إيجاد حالة من العنف وعدم الاستقرار السياسي.

أخفقت الإدارات التي حكمت الدولة العراقية بعد عام 2003 بدءاً من الإدارة المدنية لسلطة الائتلاف المؤقتة وانتهاءاً بالحكومة الحالية في إدارة شؤون البلاد سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وأمنياً، والسبب في أغلبه تصارع المصالح الطائفية والحزبية والشخصية، يغذيه انعدام النضج المؤسسي وتضاؤل الثقة. وأنتج ذلك حالة من سوء إدارة الشأن السياسي الذي أفرز لنا عدم الاستقرار في الجانبين السياسي والأمني. وكان الجانب الأمني من أكثر الميادين تأثراً بسياسات إدارة الحكم غير الجيدة، مما قاد إلى تردي الوضع عبر صور عدة، منها كثرة سقوط الضحايا من المدنيين، وازدياد حالات النزوح الداخلي والهجرة الخارجية، والصورة الأهم كانت – ومازالت – زيادة التخندق المذهبي الطائفي.

والنتيجة لكل مخرجات التغيير السياسي في العراق بعد عام 2003 ولغاية المرحلة الحالية، تنمّ عن وهن وإرباك كبيرين في الأداء السياسي، انعكسا سلبا على الجوانب الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وقاد أيضا إلى إبعاد البلاد عن مطابقة بعض معايير الأداء الديمقراطي.

كذلك يمكن التعبير عن جوهر المشكلة عبر اعتماد الصيغ التوافقية في الأداء السياسي والذي نتج عنه توظيف بعض التيارات والقوى السياسية لدور الدولة في النشاط الاقتصادي بهدف تحقيق أهداف سياسية آنية، مثل توظيف واستغلال المال العام الذي يظهر مع الحملات الدعائية للانتخابات.

ونتيجة لغياب المشروع الوطني والإرادة الجمعية المتماسكة لبناء الدولة الحديثة، فإن النظام السياسي في العراق لم يستكمل بناء أركانه كنظام حكم ديمقراطي تحكمه إجراءات تقوم على الوعي والإيمان والالتزام بمبادئ الممارسة الديمقراطية. كذلك لم يستكمل النظام بناء مؤسساته الدستورية الضامنة لاستمراره ونضجه وتثبيت أركانه ليصل إلى مرحلة طرح القوى السياسية نفسها كمحور لبناء النظام الديمقراطي اعتماداً على تعزيز مبدأ التشاركية وحكم القانون وبروز دور المؤسسات.

بالنتيجة، نحن أمام مشكلة معقدة ومركبة (سياسية – اقتصادية – اجتماعية – أمنية، … الخ)، كل طرف فيها يغذي الأطراف الأخرى ويتغذى منها، أي يُؤثر ويَتأثر بها. وبالنتيجة عدم وضوح – وربما غياب – الرؤية الاستراتيجية لبناء الدولة العراقية عقب تفكك مؤسساتها الأمنية والإدارية والاقتصادية.

جانب آخر مثل نتيجة لما سبق، وهو ضعف سيادة القانون نتيجة لضعف البناء والتناسق وتكامل الأدوار بالنسبة للمؤسسات الأمنية، والذي شكل معيار الحزبية والطائفية، المعيار الأهم في تشكيلها، وقاد ذلك إلى انهيارات أمنية في مناطق غرب وشمال غرب البلاد، وسيطرة التنظيمات الإرهابية على مساحة واسعة من البلاد، فضلا على انتشار مظاهر الجريمة المنظمة وحالات الخطف والاغتيال وقتا بعد آخر. وظهر مؤخرا وبشكل جليّ تحد لقوة الإكراه الشرعي الحصرية بالدولة، لتتمكن من إنفاذ القانون والحفاظ على النظام العام.  

كذلك يؤشر وبوضوح غياب العدالة الاجتماعية بين فئات المجتمع العراقي بسبب سعي (الأحزاب السياسية) لتعزيز منافعها حتى على المستوى الشخصي. وتُرجم ذلك بصيغ عدة، ابتداءا من سن التشريعات الخاصة بمنح الرواتب والمخصصات، وصولاً إلى استغلال المناصب الوظيفية، والساند لذلك هو تغييب عنصر الشفافية والإفصاح وتسييس أجهزة الدولة الرقابية على مختلف مستوياتها بفعل عامل المحاصصة.

جانب آخر هو ضعف الانتماء للهوية الوطنية وتصاعد الانتماء للهويات الفرعية؛ بسبب تشتت أنساق وأنماط الأداء السياسي المتصارعة والمبتعدة عن هدف بناء الهوية العراقية الوطنية الشاملة للهويات الفرعية.

ثانياً: المؤثرات الداخلية والخارجية للأزمة السياسية-الأمنية

المؤثرات الداخلية: لابد من القول إن مغذيات الجانب الأزموي السياسي-الأمني ترتبط بعضها بالبعض الآخر، وتأخذ نمطا انشطاريا، ومن هذه المغذيات ما يأتي:

1-                      لم يكن التغيير الذي شهده العراق في نيسان/2004 نتاجا لحراك داخلي وطني سواء أكان ذلك بمبادرة من النظام الحاكم ذاته أم من جهات معارضة لهذا النظام أم بمبادرة من الطرفين لنضمن – على الأقل – عدم تفكك المؤسسات وإمكانية تسييرها وفق آلية عمل جديدة تتماهى واستراتيجية بناء الدولة بعد التغيير، بل جاء التغيير نتيجة تدخل خارجي (الولايات المتحدة)، استعملت فيه الأداة العسكرية التي عملت على إسقاط النظام، وعمل على حل معظم مؤسسات الدولة ومنها المؤسسات الأمنية. لذا ما حلّ بتلك المؤسسات ولاسيما الأمنية منها من تفكك وعدم تناسق مؤسساتي (بالذات في عملية التغيير)، شكل أرضية خصبة لتصاعد الفوضى على الصعيدين السياسي والأمني في ظل غياب شبه تام لسلطة الدولة.

2-                      ونتيجة لاعتماد سلطة الائتلاف المؤقتة على المحاصصة الطائفية في تشكيل مجلس الحكم الانتقالي، فقد أصبح اعتماد عنصر المحاصصة الطائفية والحزبية معيارا مهما في تولي الأدوار الرئيسة والوسطية في الأجهزة التنفيذية والرقابية للدولة، مما قاد إلى تقاطع مصالح القوى السياسية، وضعف الأداء، وانعدام بوصلة الرؤية الاستراتيجية في بناء الدولة، مما انعكس سلباً على رسم وتنفيذ السياسات العامة للدولة.

3-                      وجود تركة ثقيلة من الثقافة الدكتاتورية، وتهالك البنية التحتية للدولة بشكل كامل، وانعدام الثقة بين السلطة وشعبها، وبين مكونات الشعب بعضها مع البعض الآخر، والصراع الخفي والمعلن على امتلاك الحقيقة التاريخية (قوميا – دينيا – ومذهبيا) التي ورثها النظام الجديد في العراق عن مرحلة ما قبل التغيير الذي حصل في عام 2003، زاد من صعوبة الأداء الحكومي، وفاقم حجم المشكلة بشقيها السياسي والأمني.

4-                      شكل تزايد مستويات الفساد(السياسي – الإداري – المالي) مغذيا مهما، شجع كثيرا على تصاعد الوضع السياسي – الأمني المتأزم، وارتبط الفساد – في جانب كبير منه – بالمحاصصة الطائفية والحزبية طردياً، وشكلت الأخيرة إطارا حاميا للمفسدين، وخير دليل على حجم هذا الفساد تربع العراق على الصدارة في قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم منذ عام 2004 إلى الوقت الحاضر.

جدول ترتيب العراق في سلم الفساد العالمي للمدة (2004 – 2015)

مؤشر الفساد 2004 – 2011

 

2004 2011

مؤشر الفساد بعد 2011

2011

السنةالترتيبمجموع الدولمؤشر الفسادالسنةالترتيبمجموع الدولمؤشر الفساد
20041291452.120101751781.5
20051371582.220111751821.9
20061601631.9201216917618
20071781791.5201317117716
20081781801.3201417017416
20091761801.5201516116816

بالإمكان الاطلاع على التقارير عبر الموقع الالكتروني: http://www.transparency.org/cpi2010/multimedia

1-                      تدهور الوضع الأمني وتزايد أعداد الضحايا؛ بسبب غياب المهنية في تشكيل أغلب المؤسسات الأمنية للدولة، وعدم تحييدها، وإخضاعها للتوافقات الحزبية، وانعدام التوافق بين منظومات التجهيز والتدريب عند التشكيل المتسرع لمعظم القطعات العسكرية، وافتقارها إلى وحدة القيادة والقرار، وغياب العقيدة العسكرية واضحة المعالم، وانهيار البنية التحتية للتصنيع العسكري الوطني. هذه الأسباب وغيرها نتج عنها انهيار القوات الأمنية في مدن عدة غرب وشمال غرب البلاد في حزيران/2014، وسيطرة ما يسمى بتنظيم (الدولة الإسلامية “داعش”) الإرهابي عليها، مما حتم توجيه المرجعية الدينية في النجف الأشرف بضرورة صد التنظيمات الإرهابية من خلال إصدار فتوى الجهاد الكفائي؛ لتفعيل الدور الشعبي في حماية الوطن والمواطن.

عدد الضحايا والاصابات في العراق

 

عدد المصابينعدد القتلىالسنةالشهر
224013752015كانون الثاني
228011032015شباط
21729972015آذار
17268122015نيسان
168410312015آيار
168714662015حزيران
210813322015تموز
181113252015آب
14167172015ايلول
12697142015تشرين الأول
12378882015تشرين الثاني
12449802015كانون الأول
14508492016كانون الثاني
12906702016شباط 2016
2361414259 المجموع

المصدر: بعثة الامم المتحدة في العراق (يونامي)

1-                      تشكيك بعض القوى السياسية بالدستور العراقي لعام 2005، ومحاولتها الطعن فيه، وانعدام المحاولة لتعديله، ساعد على إضعاف القناعة الشعبية بنصوصه، وتجاوز بعض القوى لها في تشكيل الحكومة وإدارة الدولة، وعدم نفاذها في كثير من الأحيان، وتعطيل تشريعها في أحيان أخرى. كل ذلك فاقم المشكلة السياسية-الأمنية، وجعلها تصل إلى مديات خطيرة تهدد وجود الدولة العراقية.

2-                      الدور السلبي لبعض وسائل الإعلام المحلي، وانساياقه وراء أجندات مموليه سيئة النية، عمل على تغذية وتفاقم الأزمات, ولاسيما الأزمة السياسية – الأمنية، وإرباك الرأي العام العراقي.

المؤثرات الخارجية:

1-                      المؤثر الأهم هنا هو التدخلات الخارجية (الإقليمية والدولية: سياسيا وإعلاميا وأمنيا) في شؤون العراق، ومحاولتها إيجاد حلفاء في الداخل يقومون بدور القتال بالوكالة من أجل تحقيق مصالحها، على حساب المصلحة الوطنية العراقية، مما فاقم من حجم الصراع الداخلي بين القوى السياسية، وعقّد المشهد العراقي سياسيا وأمنيا.

2-                      التخندق الطائفي الإقليمي، ومغذياته الدولية، جعل العراق ساحة من ساحات الصراع لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.

3-                      وجود منظومة حكم إقليمية بدائية تصارع من أجل الحفاظ على امتيازاتها وبقائها، عمل على تآمرها من أجل إسقاط تجربة البناء الديمقراطي في العراق بعد عام 2003، لمنعها من النجاح والحيلولة دون جعلها أنموذجا لبقية شعوب المنطقة.

4-                      الدور الإسرائيلي في تحطيم أعدائهم في المنطقة ومنهم العراق، عمل كمحرض على افتعال الأزمات السياسية والأمنية؛ من أجل تفتيت دول المنطقة وإغراقها في صراعات مستمرة عملا بالمقولة الإسرائيلية: “من الجميل أن تقتل أعداءك، ولكن من الأجمل أن ترى أعداءك يقتل بعضهم بعضا”.

 

ثالثـــــــــاً: حتمية الاصلاح

لماذا أصبح الإصلاح في الوقت الحاضر حتميا ولا خيار غيره أمام صانع القرار العراقي؟. الإجابة على هذا التساؤل تبرز المعطيات الآتية:

1-                      تراجع المرجعية الدينية العليا عن دعم القوى السياسية المشاركة في العملية السياسية؛ بسبب عدم التزام بعضها بنصائحها وإرشاداتها، يهدد برفع الغطاء الديني الراعي للعملية السياسية منذ عام 2003، ويقطع جسور التواصل بين الحكومة وشعبها، ويخلق أزمة شرعية لنظام الحكم بأكمله، في وقت يعاني فيه النظام أصلا من وجود أزمة متصاعدة في شرعيته.

2-                      انخفاظ أسعار النفط بشكل قياسي مع عدم وجود موارد وطنية بديلة، يهدد بدخول البلاد في إجراءات تقشف قاسية، ينعكس أثرها السلبي على المواطن العراقي، مما قد يدفع إلى حصول تحركات جماهيرية وفردية قد لا يتحملها صانع القرار، وتخلق فوضى داخلية لا يمكن السيطرة عليها.

3-                      اقتراب الجهد الحكومي والشعبي في محاربة “داعش” من نهايته بهزيمة التنظيم في محافظة الموصل، ستترتب عليه نتائج مهمة منها:

أ‌-          إيجاد حل للتنظيمات العسكرية الشعبية التي عملت تحت خيمة الحشد الشعبي وخارجها، بالتمهيد لاندماجها في البنية المدنية للمجتمع، ومنع عسكرته، وخلق منظومة أمنية وطنية تنطوي على وحدة القيادة والقرار؛ لإشعار أبناء هذه التنظيمات بردِّ جميل المجتمع والحكومة لما بذلوه من جهود كبيرة في حماية سيادة وأمن الوطن والمواطن.

ب‌-       وجود بنية تحتية عامة وخاصة مدمرة بالكامل في المدن التي خضعت إلى سيطرة التنظيمات الإرهابية، وتحرير هذه المناطق وعودتها إلى سيطرة الحكومة الاتحادية سيفرض على الأخيرة استحقاقات مالية كبيرة؛ من أجل إعادة إعمارها وتأهيلها لاستقبال مواطنيها وإدارة المؤسسات الرسمية فيها.

ت‌-       وجود أكثر من 3,2 مليون مواطن عراقي نازح بسبب الإرهاب، يتطلب من الحكومة الاتحادية وضع استراتيجية واقعية ناجحة تضمن عودتهم الآمنة إلى مناطق سكناهم.

 

فئات

أ‌-          التخلص من الإرهاب سيعني تفرغ المواطن العراقي إلى مراقبة الأداء الحكومي، وزيادة مطالبته بتوفير البنية التحتية المناسبة لتسيير مستلزمات حياته اليومية، وفشل الحكومة في هذا الحال، ستتحمله هي لوحدها أفرادا ومؤسسات وقوى سياسية، ولن تستطيع الحكومة تحميل الإرهاب المسؤولية عن نقص الخدمات، وعن الأداء الحكومي الضعيف.

1-                      احتدام الصراع الإقليمي والدولي؛ بسبب ملفات الأزمة السورية، والحرب في اليمن، ونتائج الاتفاق النووي بين إيران والغرب وغيرها، تنذر بزيادة الاستقطاب السياسي إقليميا ودوليا، وتفجر الأزمات الأمنية بصورة مستمرة، وقد تكون طويلة، مما يتطلب ترصين البنية السياسية والأمنية في داخل العراق؛ لتحييد الساحة العراقية قدر الإمكان عن الوقوع في حلبة الصراعات الخارجية.

هذه المتغيرات تقتضي من صانع القرار العراقي مراجعة أدائه في المدة الماضية، وتصحيح أخطائه، والاستعداد إلى ما هو آت، فالعراق والمنطقة مقبلة على تغيرات خطيرة، تجعل عدم الاستعداد لها كارثة تقود العراق إلى مصير مجهول لا يمكن التكهن بعواقبه.

رابعــــــــاً: الخيارات المتاحة للإصلاح

قبل الحديث عن خيارات وبدائل الإصلاح في الجانب السياسي – الأمني، لابد أن تكون الأمور الآتية حاضرة في ذهن صانع القرار، وهي:

1-                      التقيد التام بالدستور الدائم لجمهورية العراق لسنة 2005 النافذ، فهو العقد الاجتماعي الذي يعبر عن تراضي الأطراف الفاعلة في المجتمع العراقي (الحاكم والمحكوم)، ولابد من العمل باتجاه تحقيق المساواة السياسية التي تتطلب العمل وفق مبدأين: مبدأ المساواة ومبدأ المواطنة، عملاً بالمواد (14) “العراقيون متساوون أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو العرق أو القومية أو الأصل أو اللون أو الدين أو المذهب أو المعتقد أو الرأي أو الوضع الاقتصادي أو الاجتماع“، (16) “تكافؤ الفرص حق مكفول لجميع العراقيين، وتكفل الدولة اتخاذ الإجراءات اللازمة لتحقيق ذلك”. وهذا بدوره يضمن – ولو على المدى البعيد – إعادة بناء شرعية النظام القائم بعدما فقدها نتيجة السلوكيات السلبية منذ التغيير السياسي. ويمكن ترجمة ذلك بالتقيد بنصوص الدستور وفي مقدمتها المادة(61) / خامساً (أ-ب-ج) والتي تنص:

خامساً: الموافقة على تعيين كل من
أ ـ رئيس وأعضاء محكمة التمييز الاتحادية ورئيس الادعاء العام ورئيس هيئة الإشراف القضائي بالأغلبية المطلقة، بناءا على اقتراح من مجلس القضاء الأعلى.
ب ـ السفراء واصحاب الدرجات الخاصة باقتراح من مجلس الوزراء .
ج ـ رئيس أركان الجيش، ومعاونيه، ومن هم بمنصب قائد فرقة فما فوق، ورئيس جهاز المخابرات، بناءا على اقتراح من مجلس الوزراء.

2-                      اعتماد الأطر القانونية في خطة الإصلاح المزمع تنفيذها لضمان مبدأ حكم القانون وإنفاذه على جميع فئات المجتمع، وعدم تكرار ما حصل في الإصلاحات السابقة من إلغاء مناصب نواب رئيس الجمهوريةبقرار ديواني كونها جائت بموجب قانون نواب رئيس الجمهورية رقم (1) لعام 2011، والصادر تنفيذا للبند (ثانيا) المادة (69) من دستور 2005 النافذ، فالقانون لا يُلغى إلا بقانون. [1]

3-                      لا يمكن جني ثمار إصلاحات حقيقية دون العمل على رفع مستوى سيادة القانون، المادة (5) “السيادة للقانون، والشعب مصدر السلطات وشرعيتها…” وهي مسؤولية مشتركة (أقطابها الثلاث: المواطن والحكومة والمؤسسات غير الحكومية)، لذا لابد من وضع التشريعات الكفيلة بتفعيل دور تلك الأطراف – فضلا عن المؤسسة الأمنية – في إنفاذ القانون.

4-                      من خلال المواد أعلاه، بالإمكان الانطلاق من الدستور في منح الشرعية والمقبولية لخطة الإصلاح القادمة، وهذا يضمن تغيير في منظومة عمل الدولة سينعكس إيجابا على عملها، فتغيير الأشخاص لا يمكن أن يضمن نجاحهم في إنقاذ البلاد مما هي عليه من دون تغيير منظومة الأداء.

5-                      إن الإصلاحات لا تقتصر على وضع الخطط وتنفيذها فقط لضمان نجاحها، فلابد من تكامل مراحل الإصلاح وهي (وضع الخطط، التنفيذ، التقييم الدوري، والتغذية العكسية لتقويم الأداء). وكذلك لابد من شمولها على عنصر الشفافية والإفصاح.

6-                      المحافظة على الهوية الوطنية للعراق، وتعزيز قراره السيادي المستقل في الداخل والخارج، وإبعاده عن التجاذبات الإقليمية والدولية، وبما يضمن تحقيق المصالح الوطنية العليا.

أما خطوات الإصلاح:

1-         الإصلاح الحكومي، كرر السيد رئيس مجلس الوزراء حديثه عن وضع لجان خاصة لوضع معايير للأشخاص الممكن تقديمهم لتولي المناصب العليا في الدولة العراقية، وهذه خطوة في الاتجاه الصحيح. وإن أبرز المعايير هي (التخصص، الكفاءة الممزوجة بالخبرة العملية، والنزاهة)، وليس بالضرورة أن يكونوا من خارج الأحزاب الموجودة، شريطة أن يكون عملهم تجاه مجلس الوزراء وليس تجاه أحزابهم. ولابد من الالتزام بالمادة (18)/ رابعاً من الدستور، أي يتوجب التخلي عن الجنسية المكتسبة لمن يتولى المسؤولية لضمان إخضاعه إلى قوانين المؤسسات الرقابية العراقية. واختصار التشكيلة الحكومية وهيكلة الوزارات والدوائر وإبعادها عن مبدأ إرضاء الكتل و(الأحزاب السياسية). وفضلا عما سبق، لابد من توافر صفة الاعتدال لمن يتولى المسؤولية، وأن يكون بعيدا عن التطرف القومي أو الطائفي أو الحزبي.

2-         على صعيد السياسة الخارجية، برزت الحاجة إلى ممارسة سياسة خارجية قائمة على التعاون مع بلدان الجوار وإبعاد العراق عن ملامح الصراع الإقليمي في الدرجة الأولى، وهذا لايعني إغفال ملامح طبيعة الصراع الدولي وطبيعة استراتيجيات القوى العظمى وأثرها على سياسات المنطقة.

3-                     تفعيل الجهات الرقابية عبر:

أ‌-          تعديل قوانينها لضمان عدم تعارضها مع قوانين الوزارات وقانون العقوبات وغيرها.

ب‌-       دمج الجهات الرقابية وبالأخص هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والإفادة من دمج الصلاحيات الواسعة لهيئة النزاهة والخبرات الكبيرة في ديوان الرقابة المالية.

ت‌-       إبعادها عن المحاصصة الطائفية والحزبية وإسناد عملها بآليات تعزز إنفاذ القانون على فئات المجتمع كافة، لوضع حد لهدر المال العام وسوء الإدارة المالية الذي ينخر جسد الدولة.

4-                     بالإمكان تحقيق خطوة أولى نحو المصالحة الوطنية الحقيقية عبر تقديم مشروع قانون إلى مجلس النواب حول ملف حقوق منتسبي الأجهزة الأمنية قبل عام 2003، وتحويل ملف المساءلة والعدالة إلى القضاء.

5-                     إصلاح الأجهزة العسكرية والأمنية، والانتقال بها إلى آليات عمل تتناسب والمرحلة المقبلة (مرحلة مابعد تنظيم “داعش”) عبر:

  • التركيز على وحدة القيادة والقرار في عمل الأجهزة العسكرية والأمنية، وتكاملها في أدوارها.
  • تعزيز العقيدة العسكرية لدى أفراد المؤسسة العسكرية العراقية، وإبعاد هذه المؤسسة عن الصراعات السياسية، وترسيخ الهوية العراقية الجامعة في تشكيلها – التزاما بنص (المادة 9/ أولاً/ أ ، ب:أ ـ تتكون القوات المسلحة العراقية والأجهزة الأمنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييز أو إقصاء، وتخضع لقيادة السلطة المدنية وتدافع عن العراق ولا تكون أداة لقمع الشعب العراقي ولا تتدخل في الشؤون السياسية ولا دور لها في تداول السلطة. ب ـ يحظر تكوين ميليشيات عسكرية خارج إطار القوات المسلحة.
  • تهيئة الظروف الملائمة لحصر عمل المؤسسة العسكرية بحماية الأمن الوطني للعراق، ومنع تواجدها في المراكز السكانية داخل المدن؛ من أجل تقليل عسكرة المجتمع العراقي في مرحلة ما بعد “داعش”.
  • التركيز على تقليل عدد أفراد القوات المسلحة العراقية، ورفع كفاءتها تدريبا وتجهيزا؛ لتكون منسجمة مع متطلبات العصر، وتجنب الإنفاق العسكري غير المبرر.
  • تفعيل قانون العقوبات العسكرية من أجل تعزيز روح الانضباط، وتحمل المسؤولية، وتجنب الوقوع في الأخطاء من قبل العاملين في المؤسسة العسكرية.
  • التركيز على المهنية والنزاهة والاستقلالية في تولي المناصب داخل صفوف القوات المسلحة.
  • حصر السلاح بيد الدولة ومنع أي مظاهر مسلحة خارج إطارها، ولاسيما في المرحلة الانتقالية الممهدة لتحول العراق إلى مرحلة ما بعد الإرهاب وبناء الدولة المدنية.
  • تهيئة متطلبات تولي أجهزة وزارة الداخلية والأجهزة ذات العلاقة إدارة الملف الأمني داخل المدن.
  • توعية أفراد الأجهزة العسكرية والأمنية بثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية، ومحاسبة كل من ينتهك معاييرها، بصرف النظر عن الأسباب.
  • تنظيم الوضع القانوني للحشد الشعبي وبقية الفصائل المسلحة، لتكون جزءا من المنظومة الأمنية للدولة.

 


[1]جريدة الوقائع العراقية، العدد 4174 الصادر بتاريخ 24/1/2011 .

لتحميل الورقة كاملا اضغط هنا