
يمثل النصف الثاني من آذار والنصف الأول من نيسان من كل عام، فرصة للشعب العراقي على استذكار عقدين، مرت على غزو بلادهم من قبل القوات الأمريكية وحلفائها, إذ تكالبت ما يقارب الـ (35) دولة تحت مسمى قوات التحالف الدولي، والتي تبنت بشكل فعلي عمليات الغزو والاحتلال، ففي التاسع عشر من آذار/ مارس 2003 ، بدأت قوات الاحتلال أولى عمليتها العسكرية تحت مسمى (الصدمة والترويع), وفي عمل غير أخلاقي, تلقت العاصمة بغداد على إثرها قصفًا صاروخيًا عنيفًا قدر بـ (800 إلى 1000) صاروخ كروز، غطت سحب الدخان والنار سماء بغداد، وأُسدل الستار على حقبة كاملة من تاريخ المنطقة. لم يكن الغزو الأمريكي/ البريطاني للعراق مجرد عملية عسكرية عابرة، بل كان نقطة انعطاف تاريخية أسهمت في إعادة تشكيل بنية الدولة سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وأمنيا، وفتحت الباب أمام سلسلة متشابكة من الأزمات والتدخلات والصراعات.
أولاً: الذرائع والمسوّغات
بين الخطاب والحقيقة، استند المنظرون للغزو على مزاعم امتلاك العراق أسلحة الدمار الشامل، وادعاءات بوجود صلات بين النظام السياسي السابق وتنظيم القاعدة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، غير أن المفتشين الدوليين بقيادة (هانس بليكس) ثم الفِرق الاستخباراتية الأمريكية ذاتها توصلت إلى نتيجة قاطعة( لا أسلحة دمار شامل ولا روابط تنظيمية موثّقة مع القاعدة) . وقد عاد وزير الخارجية (كولن بأول) ليصف شهادته أمام مجلس الأمن بأنها “وصمة عار” في مسيرته، وان المتابع للشأن السياسي سيلاحظ بعد مرور عقدين واكثر على الغزو و الإحتلال ، أن الحرب كانت جزءا من مشروع أوسع لإعادة ترتيب المنطقة وفق تصورات جيوسياسية جديدة. ومن هنا، فإن دراسة غزو العراق تظل مرتبطة بإشكالية الشرعية الدولية، وحدود القوة العسكرية في فرض التغيير السياسي.
ثانياً: الكلفة الإنسانية
لا يمكن تقييم ذكرى الغزو بمعزل عن الكلفة الإنسانية الهائلة التي ترتب عليه. فقد شهد العراق خلال السنوات اللاحقة مستويات مرتفعة من العنف، والاقتتال الداخلي، والنزوح، والتهجير، وفقدان الأرواح، وتدهور الخدمات الأساسية. كما تعرض النسيج الاجتماعي العراقي الذي كان يتسم تاريخيا بالتنوع والتعايش إلى ضغوط شديدة بفعل الاستقطاب السياسي والطائفي وصعود الهويات الفرعية على حساب الهوية الوطنية العراقية.
وعلى المستوى المجتمعي ، برزت إنعكاسات تمثلت في اتساع دائرة الفقر وتآكل الطبقة الوسطى وتراجع الثقة بالمؤسسات وتنامي مشاعر الإحباط لدى شرائح واسعة من الشباب، كما أن أجيالا كاملة نشأت في ظل الحروب المتعاقبة والاحتلال والاضطراب الأمني وهو ما ترك انعكاسات نفسية وثقافية عميقة على مفهوم المواطنة والإنتماء الوطني.
ثالثاً: إشكاليات التحول الديمقراطي
طرحت واشنطن خطاب “نشر الديمقراطية” مبرراً مكمّلاً للغزو، غير أن التجربة العراقية أثبتت محدودية الديمقراطية المفروضة بالقوة. فقد انزلق النظام السياسي نحو المحاصصة الطائفية والإثنية وباتت الدولة هشة أمام النفوذ الخارجي وتدخلاته، وعاجزة عن تقديم الخدمات الأساسية رغم ثرواتها النفطية الهائلة، فالتحول الديمقراطي الحقيقي يستلزم بيئة داخلية مستقرة وقرار وطني ،وإرادة مجتمعية خالصة وليس بيئة أمنية واقتصادية هشة، تداخلت وتشابكت فيها المصالح المحلية والإقليمية والدولية، وتكاثرت فيها مراكز القوة المسلحة وتعددت فيها الأعلام المرفوعة ، ومن هنا، فإن الحالة العراقية تقدم درسا نقديا بالغ الأهمية في تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية حول حدود “هندسة الأنظمة السياسية” من الخارج، وحول الفجوة بين الخطاب المعلن للتدخل ونتائجه الفعلية على الأرض.
ختاماً :
بعد أكثر من عقدين، يبقى احتلال العراق درساً مريراً في حدود القوة العسكرية، وخطورة التلاعب بالحقيقة لخدمة الأجندات السياسية الإقليمية والدولية ، لم تحمل الدبابات الأمريكية الديمقراطية إلى العراق، بل حملت معها فوضى لا تزال تتفاعل تداعياتها حتى اليوم ، وإن الواجب الأخلاقي والأكاديمي يحتم علينا ألا نطوي هذه الصفحة بصمت، بل أن نبقيها مفتوحة للنقد والتحليل والمحاسبة، لأن الذاكرة الجماعية للشعوب هي أول درع حصين في مواجهة تكرار الأزمات والفوضى ، وهدفها ليس البكاء على الماضي، بقدر ما تهدف الى حماية المستقبل والأجيال القادمة ،وأن مستقبل العراق لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مشروع وطني مستقل، يعتمد على دولة قوية وعادلة، ومجتمع متماسك، ونظام سياسي يتجاوز المحاصصة والانقسام، ويردع التدخلات الخارجية وأجنداتها ،ويعيد الاعتبار للمواطنة وللهوية الوطنية بوصفها الأساس الوحيد للشرعية والاستقرار.




