تزايد موجة الهجرة البيئية في العراق: أزمة تلوج في الأفق

      التعليقات على تزايد موجة الهجرة البيئية في العراق: أزمة تلوج في الأفق مغلقة

الكاتب: هاري إستيبانيان: مدير البرامج في مركز العراق للتغير المناخي

الناشر: مركز العراق للتغير المناخي

التاريخ : 9 كانون الثاني / يناير 2025

ترجمة وتحرير : نصر محمد علي

في الوقت الذي تركز فيه آثار التغير المناخي بنحو أساسي على الأمن الغذائي والصحة والاقتصاد، ما تزال هناك العديد من القضايا الحرجة الأخرى التي لا تحظى بتغطية كافية، بما في ذلك القضية الملحة المتمثلة في ”الهجرة البيئية“. تشير الهجرة البيئية في العراق إلى نزوح المجتمعات بسبب التغيرات البيئية الناجمة عن التغير المناخي. إذ أضحى الارتباط بين التغير المناخي وأنماط الهجرة أكثر وضوحاً في السنوات الأخيرة. فقد أبرزت دراسة أجراها المركز الدولي لتطوير سياسات الهجرة العلاقة الوثيقة بين التغير المناخي وحركة البشر، ووصفتها بأنها” وجهان لعملة واحدة“. وشدد مدير المنظمة الدولية للهجرة (IOM) على أن ”لقد دخلنا رسمياً عصر الهجرة المناخية“.

  تسبب التغير المناخي، في عام 2023، وحده في نزوح عشرات الآلاف من العائلات العراقية، لاسيما في المناطق التي تعاني من الجفاف والتصحر وندرة المياه. وشكل ذلك زيادة كبيرة مقارنة بالسنوات السابقة، وتبعاً لتقارير مختلف المنظمات المحلية والدولية، بما في ذلك المنظمة الدولية للهجرة. وحتى تشرين الأول / أكتوبر 2023، تقدر المنظمة الدولية للهجرة أن أكثر من 130 ألف عراقي في الجنوب قد نزحوا بسبب التغير المناخي، بعد أن كان عددهم حوالي 80 ألفًا في آب / أغسطس 2023. وتشير التوقعات إلى أن التغير المناخي قد يجبر المزيد من العراقيين على الهجرة الداخلية بحلول عام 2050، ويرجع ذلك أساساً إلى تدهور الظروف البيئية.

Screenshot

لماذا ترتبط الهجرة بالتغير المناخي في العراق؟

يساهم التغير المناخي في العراق، في الهجرة بطرق مباشرة وغير مباشرة. فقد أجبرت الظروف البيئية القاسية مثل الجفاف الناس على الانتقال. بالإضافة إلى ذلك، أدت الآثار غير المباشرة مثل انخفاض توافر المياه، وتدهور المحاصيل الزراعية، وفقدان سبل العيش إلى زيادة صعوبة إعالة المجتمعات المحلية، خاصة في المناطق الريفية في المحافظات الجنوبية والفرات الأوسط، مما دفعهم إلى البحث عن ظروف معيشية أفضل في أماكن أخرى.

شمل النزوح البيئي في العراق أولئك الذين أجبروا على مغادرة منازلهم بسبب تغيرات بيئية مفاجئة أو تدريجية أثرت بشدة على حياتهم. كان هذا النزوح في معظم الحالات دائما. تتعرض الفئات الضعيفة، مثل النازحين داخليا والمجتمعات المحلية في المناطق الفقيرة من الأهوار، لخطر خاص، لأنها غالباً ما تقيم في المناطق الأكثر تضرراً من التغير المناخي وتفتقر إلى الموارد اللازمة للتكيف أو الانتقال بسهولة.

ندرة المياه تدمر الزراعة والمجتمعات الريفية في العراق

يبدو مستقبل الهجرة الناجمة عن التغير المناخي في العراق مقلقاً، بالنظر للتوقعات الصادرة عن المنظمات الدولية والمحلية. وتعد زيادة وتيرة شدة الجفاف من أبرز آثار هذه الهجرة. وتفيد الحكومة العراقية أن متوسط هطول الأمطار السنوي بات أقل قابلية للتنبؤ به منذ سبعينيات القرن الماضي، وانخفض بنسبة 10% خلال العقدين الماضيين. ويتوقع الخبراء أن تنخفض معدلات هطول الأمطار في العراق بنسبة 25٪ بحلول عام 2050 مقارنة بمستويات ما قبل عام 2000، الأمر الذي، سيؤدي إلى تفاقم التصحر وندرة المياه.

يتأثر القطاع الزراعي في العراق، الذي يستهلك 85٪ من مياه البلاد، بشدة بندرة المياه، حيث لا يصل إلى المزارعين سوى حوالي 40٪ من المياه بسبب تسرب المياه المالحة وتسربات شبكات الري. تعتمد المناطق الجنوبية والوسطى على الري النهري، بينما تعتمد المناطق الشمالية الشرقية على الأمطار. ومع ذلك، أدت موجات الجفاف والصراعات الأخيرة إلى تدمير أنظمة الري، مما أدى إلى خسائر في المحاصيل والثروة الحيوانية، خاصة في شمال العراق.

أدى نقص المياه وتلوثها إلى تضرر ملايين الأشخاص في جنوب العراق. إذ تتسبب أساليب الري التقليدية بالغمر بهدر المياه، وعلى الرغم من الحاجة إلى ممارسات مستدامة مثل الري بالتنقيط، إلا ان إهمال الحكومة يعيق التقدم. يواجه العديد من المزارعين الريفيين فشل المحاصيل وأمراض الحيوانات وصعوبات اقتصادية، ويضطر بعضهم إلى الاعتماد على مياه باهظة الثمن أو ملوثة.

تؤكد هذه المؤشرات على الحاجة الملحة لتوسيع نطاق الجهود المبذولة لمكافحة الهجرة الناجمة عن التغير المناخي في العراق. هذه القضية تتجاوز مجرد الانتقال الجغرافي – إنها أزمة إنسانية تتسم بالمعاناة والتحديات والقصص التي تستحق الاهتمام. وهي تسلط الضوء على الثغرات في حماية حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية والمناخية، والواقع القاسي الذي يواجهه السكان المهمشون والضعفاء في المناطق الأكثر تضرراً من التغير المناخي في العراق.

تؤثر ندرة المياه بشكل غير متناسب على المجتمعات الفقيرة، مما يؤدي إلى مشاكل صحية خطيرة، مثل أزمة المياه في البصرة عام 2019، حيث تم إدخال أكثر من 118 ألف شخص إلى المستشفيات بسبب المياه الملوثة. وقد فرضت الحكومة قيوداً على زراعة محاصيل معينة وقلصت المساحات المزروعة، لكن هذا أدى إلى فقدان سبل العيش للعديد من المزارعين. ولمواجهة  هذه الأزمة، يلجأ العاملون في القطاع الزراعي إلى طلب المساعدات الغذائية والبذور المقاومة للجفاف.

غزت قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة العراق في 20 آذار/ مارس 2003، وانسحبت في عام 2011. أسفر الصراع عن مقتل ما يقدر بنصف مليون عراقي، وتشريد ما لا يقل عن 9.2 مليون شخص، وترك أكثر من 4.7 مليون شخص يواجهون انعدام أمن غذائي متوسط إلى شديد. وتضررت محافظات مثل نينوى وصلاح الدين وديالى بشكل خاص من النزوح الناجم عن الصراع، بينما تواجه محافظات جنوب العراق، بما في ذلك ميسان وذو قار والبصرة، النزوح بسبب عوامل بيئية.

يواجه المزارعون، الذين يعتمدون بشكل أساسي على المحاصيل والثروة الحيوانية، خسائر في الدخل بسبب ندرة المياه. وتؤدي التكاليف المرتفعة للمياه النظيفة، والافتقار إلى تقنيات الري الحديثة، وارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى تفاقم الفقر، لا سيما في جنوب العراق وغربه. ويلجأ العديد من المزارعين إلى الهجرة المؤقتة أو الدائمة كاستراتيجية للبقاء على قيد الحياة. يتخذ البعض تدابير للتكيف مثل تغيير المحاصيل وحفر الآبار وبيع الممتلكات، لكن القيود المالية تحد من قدرة الغالبية على التكيف بفعالية. يمنع الارتباط بالأرض ونقص الموارد البعض من الهجرة، على الرغم من الصعوبات الشديدة. تؤدي الشبكات الاجتماعية، ولا سيما الروابط القبلية، دوراً حاسماً في تسهيل الهجرة وإيجاد فرص عمل في أماكن أخرى. يدفع نقص فرص العمل في القطاع الزراعي الشباب إلى الهجرة، وغالباً ما تتبعهم عائلاتهم بأكملها بمجرد إيجاد فرص جديدة.

تسلط هذه القضايا الضوء على التفاعل المعقد بين التحديات البيئية والصعوبات الاقتصادية والديناميات الاجتماعية التي تدفع إلى النزوح في العراق. يشير المركز الدولي لرصد النزوح IDMC والمجلس النرويجي للاجئينNRC  إلى أن الهجرة في العراق قد تتسارع بسبب ظاهرة ”الأسباب التراكمية للهجرة“، حيث يمثل رحيل الآخرين دافعاً نفسياً لمزيد من الناس إلى المغادرة، حيث يصبح البقاء أكثر صعوبة. على الرغم من ذلك، أعرب العديد من المهاجرين عن استعدادهم للعودة إذا تحسنت إمدادات المياه، مما سيمكنهم من استئناف العمل الزراعي.

لمعالجة الأزمة الوشيكة للهجرة البيئية في العراق، من الضروري اتباع نهج متعدد الجوانب. ويشمل ذلك تنفيذ ممارسات إدارة المياه المستدامة، والاستثمار في الزراعة المقاومة لتغير المناخ، وتعزيز الدعم للمجتمعات النازحة. من الضروري بذل جهود تعاونية بين الحكومة والمنظمات الدولية وأصحاب المصلحة المحليين لضمان أن يتمكن المتضررون من تغير المناخ من إعادة بناء حياتهم بكرامة. في حين أن التحديات لا تزال هائلة، فإن تعزيز المرونة من خلال التدخلات الموجهة يوفر مسارا للتخفيف من حدة الأزمة وضمان مستقبل مستدام للسكان الأكثر ضعفاً في العراق.

وفي صدد ما ورد في المقالة أعلاه بودنا ايراد بعض الملاحظات وعلى النحو الاتي:

·      يشهد العراق انتقالاً نوعياً في آثار التغير المناخي، حيث لم تعد مظاهره محصورة في الجفاف والتصحر، بل امتدت لتُحدث نزوحاً سكانياً واسع النطاق. فقد نزح أكثر من 130 ألف شخص في المحافظات الجنوبية حتى أواخر عام 2023 نتيجة التدهور البيئي، مما يرسّخ مفهوم “الهجرة المناخية” كأحد التحديات الإنسانية المعاصرة في البلاد.

·      أوضحت البيانات أن معدلات الأمطار انخفضت بنسبة 10% خلال العقدين الماضيين، مع توقع انخفاض إضافي بنسبة 25% بحلول عام 2050. هذا التراجع الحادّ في الموارد المائية أدّى إلى انهيار المنظومة الزراعية التي تستنزف 85% من مياه العراق، وهو ما جعل الزراعة مصدراً للهجرة بدلاً من أن تكون وسيلة للاستقرار.

·      تبيّن المقالة أن نظام الري التقليدي بالغمر، وتسرب المياه المالحة، وغياب تقنيات الري الحديثة، كلها تسهم في تفاقم أزمة المياه. كما أن غياب السياسات الحكومية الفعالة يعوق تطبيق الممارسات المستدامة مثل الري بالتنقيط، ما يجعل الهجرة البيئية نتيجة مباشرة لقصور الإدارة المائية لا للمناخ وحده.

·      تتضح من المقالة حقيقة أن الفئات الفقيرة في الأهوار والمناطق الريفية الجنوبية هي الأكثر تضرراً، بسبب ضعف البنية التحتية وقلة الموارد اللازمة للتكيف. هذا يشير إلى أن الهجرة المناخية في العراق ليست ظاهرة طبيعية فقط، بل تعبير عن عدم العدالة الاجتماعية والمناخية في آن واحد.

·      تؤكد المقالة أن النزوح في العراق ذو طبيعة مزدوجة: فالشمال والغرب يعانيان من نزوح ناجم عن الصراع، في حين يشهد الجنوب نزوحاً بيئياً متزايداً. هذا التداخل يُظهر أن التغير المناخي يعمّق هشاشة المجتمعات الخارجة من النزاعات، ويُضعف قدرتها على الصمود في وجه الأزمات الجديدة.

·      ضرورة تبنّي نهج وطني متكامل يجمع بين إدارة الموارد المائية، وتطوير الزراعة المقاومة للجفاف، ودعم المجتمعات المتضررة. ويُعدّ إدراج “الهجرة البيئية” ضمن سياسات الأمن الإنساني والتنمية المستدامة شرطاً محورياً لحماية الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي للعراق مستقبلاً.