عملية الرمح الجنوبي (مكافحة مخدرات ام بوادر غزو)

      التعليقات على عملية الرمح الجنوبي (مكافحة مخدرات ام بوادر غزو) مغلقة

الكاتب: أ.م. مؤيد جبار حسن/قسم الدراسات السياسية /مركز الدراسات الاستراتيجية

اعتادت الولايات المتحدة على تسمية عملياتها العسكرية بأسماء رمزية، كعملية (عاصفة الصحراء) ضد العراق عام 1991، وعملية (الرعد الفوري) ضد يوغوسلافيا في عام 1999،وعملية (الحرية الدائمة) في عام 2001 كاستجابة لهجمات 11 أيلول، وتسمية العملية العسكرية الاخيرة بــ (الرمح) وهذه التسمية تكرر استعمالها في عدد من المعارك، إذ ترمز كلمة “رمح” إلى طبيعة العملية العسكرية ووسيلة هجومها المباشرة. على سبيل المثال، كانت “عملية الرمح” في العراق تهدف إلى ضرب المقاتلين الأجانب عبر الحدود، أما “عملية الرمح العملاق” فكانت تهدف إلى ترهيب الاتحاد السوفيتي في حرب فيتنام ،بينما استعملت “عملية الرمح الجنوبي” لمواجهة تهريب المخدرات.

من جانب الولايات المتحدة: بدأت إدارة ترامب منذ أسابيع بتنفيذ ضربات في البحر الكاريبي والمحيط الهادئ تستهدف قوارب تقول إنها تقوم بتهريب المخدرات، كما نشرت قدرات جوية وبحرية أبرزها حاملة الطائرات جيرالد فورد التي أعلن وصولها إلى قبالة سواحل المنطقة.[1]

كما ترى وزارة العدل الامريكية، إنّ الاستقرار السياسي يتأثر بتجارة المخدرات، إذ يُفسد مُروّجوها كبار المسؤولين في الصناعة والأعمال والحكومة، والثروة المتكونة من المخدرات تمنح العصابات سلطة التأثير على السياسيين الذين يعتمد نفوذهم ومكانتهم على المال. ويقوض الفساد مصداقية الحكومات، ويُضعف قدرة السياسيين والبيروقراطيين على تحديد “المصالح الوطنية” والدفاع عنها بكفاءة، كما يُسهم في تنمية التشكيك وزيادة التسامح مع الفساد، وكلاهما خطير؛ وبالتالي، يُقوّض فساد المخدرات الأمن السياسي.

وفيما يتعلق بالآثار الاقتصادية السلبية، يُسهم تعاطي المخدرات في فقدان الإنتاجية بسبب الإدمان وإعادة التأهيل والسجن، كما أنه يزيد من تكلفة الرعاية الصحية. علاوة على ذلك، تُشير الدراسات إلى إن المخدرات لا تسبب التضخم فقط من خلال إدخال كتلة نقدية ضخمة إلى الاقتصاد، بل ترفع أيضًا أسعار السلع والخدمات في المناطق التي تُزرع فيها نباتاتها في البلدان المعنية، فلعمليات الإنتاج والاتجار بالممنوعات، تأثير قوي على بعض الاقتصادات، إذ تُولّد نسبة عالية من الناتج القومي الإجمالي.

وترتبط المخاوف البيئية المتعلقة بالمخدرات بشكل كبير بعمليات إنتاج الكوكايين والهيروين. على سبيل المثال، يؤدي إنتاج الكوكايين إلى إزالة الغابات، والتلوث، وتدمير الأنواع، وتآكل التربة، والخطر على صحة الإنسان.[2]

وقد أشارت “هيومن رايتس ووتش” و “الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية” في تقرير مشترك أصدراه إن الإنفاذ واسع النطاق للقوانين التي تجرّم تعاطي وحيازة المخدرات في الولايات المتحدة يسبب ضررًا مدمرًا. وينتج عن هذه القوانين تدمير لحياة الأفراد والعائلات، والتمييز ضد غير البيض، وتقويض الصحة العامة.[3]

من جانب دولة فنزويلا: أثار أعلان وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث، إطلاق عملية “الرمح الجنوبي” لاستهداف تجار المخدرات في النصف الغربي للكرة الأرضية الكثير من المخاوف والتوقعات . فكراكاس ، البلد الأكثر استفزازًا من هذا الإعلان، ترى أن النشاط العسكري الأميركي في الكاريبي تحت اسم عملية “الرمح الجنوبي”، والذي تقول واشنطن إنه موجه ضد عصابات المخدرات، هو مجرد غطاء للإطاحة بالزعيم اليساري مادورو، وخلال برنامجه “مع مادورو +”، أكد رئيس فنزويلا أن دراسات الرأي العام، بما فيها الاستطلاعات، تشير إلى معارضة شعبية أمريكية شديدة للتدخل في بلاده. ولدعم ادعائه، استشهد ببيانات محددة: “60% من الأمريكيين يعارضون حربًا جديدة، ويعارضون أن يُفعل بفنزويلا ما فُعل بفيتنام وأفغانستان؛ وهذه نسبة عالية جدًا”.[4]

و في الاطار نفسه وجه الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو رسالة إلى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفى فيها الاتهامات بتورط بلاده في تهريب المخدرات إلى داخل الولايات المتحدة في منطقة البحر الكاريبي. لكن مع ازياد حالة التوتر بين البلدين بدأ الجيش الفنزويلي بتدريب المواطنين على أعمال المقاومة للتصدي لأيِ اعتداء خارجي محتمل.[5]

من جانب دول أمريكا الجنوبية: أعلنت السلطات في جمهورية الدومينيكان أمس السبت ضبط شحنة ضخمة من الكوكايين على متن زورق تم اعتراضه خلال عملية مشتركة مع الولايات المتحدة، في ظل حشد عسكري أميركي كبير بمنطقة الكاريبي. وأفادت المديرية الوطنية لمكافحة المخدرات في بيان بأن ضبط القارب قبالة سواحل الدومينيكان جاء “دعما لعملية الرمح الجنوبي للقيادة العسكرية الجنوبية الأميركية”.[6]

أما في جزيرة ترينيداد وتوباغو فقد انخرطتا في مناورات مع الجيش الأمريكي ، وتعد هذه المناورة التدريبية الثانية والمشتركة التي تجريها الولايات المتحدة مع وترينيداد وتوباغو في أقل من شهر، ففي (تشرين الأول) رست مدمرة أميركية مزودة بصواريخ موجهة في ترينيداد لأربعة أيام؛ وذلك لإجراء جولة تدريبات عدّتها فنزويلا «استفزازًا».

وتعليقًا على زيارة الأدميرال الامريكي اليفن هوسلي  إلى ترينيداد وتوباغو، قال وزير الدفاع  واين ستورج: “الأميرال هولسي، إن زيارتك دليل واضح على التزام الولايات المتحدة الثابت بالأمن والتعاون الإقليميين، وبينما يواصل بلدانا والمنطقة مواجهة تحديات مشتركة مثل الجريمة العابرة للحدود الوطنية والكوارث الطبيعية، تظل ترينيداد وتوباغو ملتزمة تمامًا بتعميق شراكتنا الدفاعية مع الولايات المتحدة. معًا، من خلال الاحترام المتبادل والتعاون، سنبني منطقة كاريبية أكثر أمانًا ومرونة.”[7]

الخلاصة: إن ما تقوم به الولايات المتحدة في جوارها، من اعمال عسكرية محدودة قد تتوسع لاحقا، يفسرها البعض بتفسيرات متنوعة ، منها : إنها مجرد دفاع عن النفس ضد آفة المخدرات التي نالت من المجتمعات الامريكية ، وحسب احصائيات المركز الوطني لتعاطي المخدرات، فإن أكثر من  51.2%  من الذين تبلغ أعمارهم 12 عامًا فأكثر تعاطوا المخدرات غير المشروعة مرة واحدة على الأقل ، فيما تسببت الجرعات الزائدة من المخدرات في وفاة أكثر من مليون شخص في الولايات المتحدة وحدها منذ عام 1999،  وبلغت الميزانية الفيدرالية لمكافحة المخدرات في عام 2024 ما يقرب من 45 مليار دولار.[8]

ويُمثل تعاطي المخدرات غير المشروعة مشكلةً مزمنةً في المجتمع الأمريكي، وقد اكتسبت أهميةً بالغةً خلال الثلاثين عامًا الماضية. ففي أوائل ستينيات القرن الماضي، صرّحت لجنة رئاسية: “إن قلق الشعب الأمريكي وحزنه إزاء مشكلة تعاطي المخدرات على المستوى الوطني يُعبّران عنها يوميًا في الصحف والمجلات والدوريات العلمية والمنتديات العامة وحتى في المنازل، إنها مشكلة خطيرة ومتعددة الأوجه” ، وفي عام 1971، وصف الرئيس نيكسون المخدرات، وتحديدًا الهيروين، بأنها العدو العام الأول لأمريكا، في حين شهدت ثمانينيات القرن العشرين ظهور الكوكايين، وخاصة الكوكايين الكراكي*، كمصدر قلق جديد، وبعد خطاب الرئيس جورج بوش المتلفز في سبتمبر 1989 (أول خطاب له كرئيس) حول استراتيجية وطنية لمكافحة المخدرات، صنف 64% من المشاركين في استطلاع رأي أجرته صحيفة نيويورك تايمز وشبكة (سي بي إس) المخدرات على أنها المشكلة الأولى في البلاد، و صنف المشاركون في مثل هذه الاستطلاعات خلال ذلك الوقت الجريمة والإيدز عادةً على أنهما المشكلتان الثانية والثالثة – وكلاهما مرتبطان بالمخدرات. وكواحد من مقاييس الأهمية المرتبطة بهذه القضية، أنفقت الحكومة الفيدرالية في السنة المالية 1992  ما يقارب 12 مليار دولار على جهود مكافحة المخدرات، وأنفقت الوكالات الحكومية والمحلية معًا المبلغ نفسه تقريبًا .[9]

وهنا يبدو جليا أن واشنطن تعاني الأمرين من تجارة المخدرات ، ومن حقها اتخاذ الإجراءات كافة التي تحد وتقضي على هذه التجارة ، وفي حدود القانون الدولي ، لا أن يكون الأمر على شكل اعتداء عسكري على دولة عضو في الأمم المتحدة . ومن جانب اخر، يفهم الفينزويليين إن الهجوم الأمريكي المتوقع عليهم ليس لأجل كبح تجارة المخدرات لكن من أجل السيطرة على منابع البترول في بلدهم ، التي تمتلك واحدًا من أكبر احتياطيات النفط في العالم، وهي عضو مؤسس في منظمة أوبك.[10] وفي رسالة إلى الأمين العام لمنظمة أوبك (هيثم الغيص) بتاريخ 30 /تشرين الثاني، اتهم (مادورو) الولايات المتحدة بتوجيه “تهديدات صريحة ومتكررة” لبلاده، في خطوة وصفها بأنها “تهدد بشدة استقرار إنتاج النفط الفنزويلي والسوق العالمية”.

فهل من الممكن أن الولايات المتحدة تنوي شن هجوم للسيطرة على منابع بترول فنزويلا، لأنها تريد أن تخرج من دائرة خطر الاحتياج للبترول في حال تأزم الوضع في الشرق الأوسط، على خلفية قيام الكيان الصهيوني بعمل عسكري واسع النطاق ضد دولة ايران .

[1] ظلال الحرب تحوم.. مادورو يعلق على عملية “الرمح الجنوبي”، سكاي نيوز العربية، الرابط: https://www.skynewsarabia.com/world/1834252-%D8%B8%D9%84%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%AA%D8%AD%D9%88%D9%85-%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%88-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%82-%D8%B9%D9%85%D9%84%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%85%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%86%D9%88%D8%A8%D9%8A

[2] الأمن وتجارة المخدرات، وزارة العدل الامريكية، الرابط: https://www.ojp.gov/ncjrs/virtual-library/abstracts/security-and-drug-trade

[3] الولايات المتحدة: حصيلة كارثية لتجريم تعاطي المخدرات، منظمة حقوق الانسان، الرابط: https://www.hrw.org/ar/news/2016/10/12/294977

[4] وزارة السلطة الشعبية للشؤون الخارجية، دولة فنزويلا، الرابط: https://mppre.gob.ve/publicacion/6270-presidente-maduro-60-del-pueblo-de-eeuu-rechaza-agresion-multiforme-contra-venezuela

[5] القناة العربية الألمانية(DW)  ، الرابط: https://www.dw.com/ar/%D9%81%D9%86%D8%B2%D9%88%D9%8A%D9%84%D8%A7-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D9%85%D8%A7%D8%AF%D9%88%D8%B1%D9%88-%D9%8A%D9%86%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%8A-%D8%B5%D9%84%D8%A9-%D9%84%D8%A8%D9%84%D8%AF%D9%87-%D8%A8%D8%AA%D9%87%D8%B1%D9%8A%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AE%D8%AF%D8%B1%D8%A7%D8%AA-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%88%D9%84%D8%A7%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%AD%D8%AF%D8%A9/video-74125815

[6] المديرية الوطنية لمكافحة المخدرات، دولة الدومنيكان، الرابط: https://www.dncd.gob.do/categoria/Noticias/otro-contundente-golpe-al-narcotrafico-atrapan-tres-hombres-con-806-paquetes-de-presunta-cocaina

[7] وزارة الامن الوطني في ترينيناد وتوباغو ، خبر اعلامي مصرح به، الرابط: https://nationalsecurity.gov.tt/mediarelease/admiral-hosley-meets-with-newly-appointed-minister-of-defence-and-minister-of-homeland-security-during-visit-to-trinidad-and-tobago/

[8] National Center for Drug Abuse Statistics, Drug Abuse Statistics, https://drugabusestatistics.org/

* ان الكوكايين الكراك نوع من المخدرات أكثر تركيزًا. ويُشتق اسم “الكراك” او ( crackle ) من صوت الطقطقة الذي تُصدره المادة عند تدخينها .

[9] National Center for Biotechnology Information, Illicit Drug Use in the United States, https://www.ncbi.nlm.nih.gov/books/NBK234579/

[10] منظمة أوبك ، الرابط: https://www.opec.org/venezuela.html