الولايات المتحدة والحصار الجوي على فنزولا : الغايات والاهداف

      التعليقات على الولايات المتحدة والحصار الجوي على فنزولا : الغايات والاهداف مغلقة

أ.م. د. علي مراد النصراوي / قسم ادارة الازمات

        يتصاعد التوتر بين الولايات المتحدة الامريكية وفنزويلا ولاسيما في الايام الاخيرة وصولاً لفرض حصار جوي  عبر إعلان الرئيس ترامب ( إن المجال الجوي يعد مغلقًا فوق فنزولا) ، وهو مؤشر خطير يدل على جدية الولايات المتحدة في تحركها بالضد من فنزولا ، ويأتي هذا التوتر بعد التهم التي وجهها الرئيس ترامب لفنزويلا بأنها تساهم، أو تساعد تجار المخدرات ومهربيها ، وتحديدًا عبر بحر الكاريبي باتجاه الولايات المتحدة و منها إلى دول اخرى.

       وقد اعطى الرئيس الامريكي أوامره في ما سبق بتوجيه ضربات جوية نحو العديد من الأهداف ولاسيما البحرية منها التي تقول عنها الولايات المتحدة بأنها استهدفت مهربي المخدرات ، ومثلما أعلن مؤخرًا أن الاستخبارات الامريكية  حددت العديد من الأهداف لما اسمته معامل وجود مهربي المخدرات وأماكنهم، فضلا عن  وسائط نقلها، بما معناه أنها اعدّت بنك من الأهداف في الداخل الفنزويلي .

     وتعود جذور العلاقة ما بين الولايات المتحدة وفنزويلا  إلى بداية  القرن التاسع عشر، عندما اعترفت واشنطن بفنزويلا رسميًا، و خلال القرن العشرين ازدهرت العلاقات بين الدولتين، وذلك  بفعل النفوذ الأميركي في قطاع النفط الفنزويلي، وتعاون تجاري واستثماري واسع، إلا إن التحول كان حادًّا مع وصول (هوغو شافيز) إلى السلطة (1999) ثم خلفه (نيكولاس مادورو)،  اذ بعد هذا التاريخ اتجهت فنزويلا نحو سياسات يسارية، وأعادت تأميم موارد نفطية، الأمر الذي أغضب واشنطن بوصفها فقدت مصالح استراتيجية مهمة في هذه المنطقة ،  وفي ظل هذا التحول، بدأت فنزويلا تدخل حقبة من العقوبات الأميركية والضغط الدبلوماسي، وارتفعت حدة التوتر تدريجيًا بين الطرفين.

      أمّا ما حصل مؤخرًا، فقد تجلى في توجيه الولايات المتحدة اتهامًا لحكومة (مادورو) بأنها متورّطة في شبكات تهريب مخدرات، وإنّ بعض القوارب التي تنطلق من السواحل الفنزويلية تهدف إلى نقل مخدرات إلى أمريكا وهو ما ذكرناه سابقًت، و بناءً على ذلك، فقد شنت الولايات المتحدة  ضربات على سفن يشتبه أنها تنقل مخدرات قرب سواحل فنزويلا إلى جانب ذلك،  فقد نشر الجيش الأميركي في البحر الكاريبي  قرب السواحل الفنزويلية العديد من القطع البحرية والطائرات المقاتلة، ما أثار مخاوف في كراكاس من احتمال تدخل عسكري مباشر. وأما حكومة (مادورو) فإنها تصر على إنّ هذه العمليات هي تهديد للسيادة، وتلك الاتهامات تهدف إلى زعزعة الداخل وتشويه صورة البلاد، و كثير من الفنزويليين يرفضون تصنيف دولتهم كـ “دولة مخدّرات” .

      وفي ظل دخول الصراع إلى حد فرض الحصار الجوي، والتهديد بحرب أوسع، وتوجه حكومة (مادورو) إلى التحشيد الشعبي وتحشيد الجيش، يمكن توقع مجموعة من السيناريوهات للمرحلة المقبلة ومثلما يأتي:

      قد نشهد ضربات بحرية واستهداف قوارب مع استمرار الولايات المتحدة في ملاحقة ما تصفه بـ “قوارب مخدرات”، بضربات بحرية في المياه الدولية — كما حصل في بعض الحالات بالفعل، و ربما ضربات جوية أو برية محتملة التصعيد قد يصل إلى غارات جوية أو حتى عملية برية او ضد مواقع في فنزويلا — في حال «تفاقم التهديد» أو قررت واشنطن اتخاذ خطوة عسكرية وهذا احتمال أول يمكن أن يطرح.

       في حين أن الاحتمال الثاني يتمثل في لجوء الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغط اقتصادي ودبلوماسي مع توفير دعم للمعارضة، والعمل على  استعمال العقوبات الاقتصادية، عبر تصنيف جماعات أو أفراد إرهابيين، وزيادة  الضغوط  الداخلية  بهدف اضعاف  الحكومة الفنزويلية من دون تدخل عسكري مباشر.

       وهناك احتمال ثالث يتجه نحو القول بفرضية حدوث تسوية أو تفاوض  بهدف تجنب  حصول حرب شاملة على الرغم من التصعيد الحاصل ، وهذا الرأي يعتمد على  إن واشنطن تدرك صعوبة التدخل المباشر، وقد تسعى للحل الدبلوماسي أو تستعمل أدوات ضغط غير عسكرية.

     أما عن تداعيات ذلك  فقد يؤدي إلى تفاقم في الأزمة الإنسانية في فنزويلا، مع ظهور موجات النزوح وتفاقم  أزمة الهجرة واللجوء، و لا سيما إن ملايين الفنزويليين سبق أن غادروا البلاد، مع غياب الاستقرار الداخلي وتزايد الضغوط الاقتصادية وزعزعة الامن، وقد يمتد التأثير إلى دول أمريكا اللاتينية، و منطقة البحر الكاريبي، وربما حصول  تحالفات إقليمية  وبالتحديد إذا دخلت دول أخرى على الخط، وهذه التغيرات لها نتاجات دولية، إذ قد ينعكس النزاع على علاقات دولية أوسع، خصوصًا مع دول تعاطفت مع فنزويلا، أو تتابع التطورات عن كثب.