العلاقات الأميركية – الفنزويلية: النفوذ الجيوسياسي والطاقة والصراع السياسي

      التعليقات على العلاقات الأميركية – الفنزويلية: النفوذ الجيوسياسي والطاقة والصراع السياسي مغلقة

م.م. مضر فارس النصراوي

       تعد (فنزويلا) محورًا استراتيجًيا في نصف الكرة الغربي بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية نظرًا، لما تمتلكه من أكبر احتياطيات النفط المؤكدة عالميًا، فضلا عن موقعها الجغرافي الذي يتيح السيطرة على ممرات بحرية حيوية في البحر الكاريبي والمحيط الأطلسي الغربي، ومن الناحية التاريخية فقد كانت العلاقة بين واشنطن وكراكاس تعتمد على شراكة اقتصادية متينة، مع هيمنة الشركات الأميركية على استخراج النفط وتصديره، مما عزز النفوذ الاقتصادي والسياسي للولايات المتحدة في المنطقة.

        ومع بداية القرن الحادي والعشرين شهدت العلاقات تحولات جذرية نتيجة صعود هوغو تشافيز رئيسًا لـ (فنزويلا)، ومن بعده (نيكولاس مادورو) اللذين تبنيا سياسات اشتراكية ومعادية للإمبريالية الأميركية، شملت تأميم قطاع النفط وتوسيع التحالفات الإقليمية والدولية وتحدي الهيمنة الأميركية التقليدية ، مما أدى إلى توترات سياسية واقتصادية مستمرة.

     أمّا الأهمية الاستراتيجية لـ ( فنزويلا) فهي نابعة من تأثيرها على الولايات المتحدة في ثلاثة أبعاد رئيسة تتبدى في :

–        الأبعاد الاقتصادية: يُعد النفط العامل الأساسي الذي يربط المصالح الأميركية بـ (فنزويلا)، إذ يمثل جزءًا من أمن الطاقة في النصف الغربي من العالم ذلك إن أي تقلبات في إنتاج النفط الفنزويلي تؤثر مباشرة على أسواق الطاقة العالمية.

–        الأبعاد الجغرافية: يقع الساحل الفنزويلي على ممرات بحرية استراتيجية تربط أمريكا الجنوبية بمناطق الكاريبي والأطلسي، وهو ما يجعل السيطرة على هذه الممرات جزءًا من العمق الاستراتيجي الأميركي، وبناء على ما صرح به (بريجنسكي) فإن الأمن القومي الأميركي يتطلب منع أي محور منافس من التمركز داخل هذا المجال الحيوي.

–        الأبعاد السياسية: بعد عام 1999 أصبح النفوذ الفنزويلي يمتد إلى المستوى الإقليمي، عبر دعم حركات سياسية وحكومات صديقة في أمريكا اللاتينية، الأمر الذي عدّته  واشنطن تهديدًا لمصالحها السياسية والاقتصادية في المنطقة.

        وأمّا عن العمليات العسكرية الاميركية المحدودة في (فنزويلا) مؤخرًا عبر استعمال القوة بذكاء ضمن نطاق الاشتباك الرمادي (Gray Zone ) فإنه يتيح للولايات المتحدة الأميركية تحقيق أهداف استراتيجية من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، وتشمل هذه العمليات استهداف القوارب والمسيرات والضربات المركزة على البنية التحتية اللوجستية الفنزويلية والهدف من هذه الإجراءات ليس مجرد مكافحة المخدرات، بل ينسحب الأمر لإدارة التوازن الإقليمي، واحتواء محور نفوذ مضاد لضمان السيطرة على الموارد الحيوية مثل النفط والموانئ الاستراتيجية.

       كما إن هذه العمليات تستند إلى نظريات جيوسياسية مهمة منها نظرية ألفريد ماهان حول القوة البحرية التي ترى ” إن السيطرة على البحر تحدد ميزان القوة على اليابسة” إذ يسعى التفوق البحري الأميركي في الكاريبي إلى فرض هيمنة استراتيجية غير مباشرة لتتماشى هذه العمليات مع مبادئ الاشتباك الرمادي الذي يتيح استعمال القوة بطرائق محدودة ومرنة لتحقيق أهداف سياسية وعسكرية.  وتؤكد رؤية بريجنسكي على إن الولايات المتحدة يجب أن تسعى لمنع ظهور أي محور نفوذ منافس داخل جوارها الاستراتيجي، وهو ما يبرر الضربات المحدودة والعقوبات الاقتصادية كأدوات لإدارة التوازن الإقليمي من دون اللجوء إلى الغزو المباشر.

من جهة أخرى فإن كراكاس  تحاول أن تبقى مستفيدة من خطاب السيادة الوطنية، والتصدي للعدوان الخارجي لتعزيز شرعيتها ورص صفوفها الداخلية، وتهدف هذه الاستراتيجية إلى إطالة أمد الصراع وتقليل فعالية العقوبات الأميركية مستفيدة من الدعم السياسي والدبلوماسي لبعض الحلفاء الإقليميين والدوليين، كما تراهن على إبقاء النزاع ضمن نطاق الصراع غير المباشر ما يحول المواجهة إلى صراع إرادات طويل الأمد بين التفوق الاستخباراتي الأميركي وخطاب السيادة الفنزويلية.

في النهاية فإن القوة الاستراتيجية الأميركية تكمن في الجمع بين التفوق البحري والعمليات الدقيقة والتحكم بالعقوبات الاقتصادية والنفطية بطريقة مرنة تتيح تحقيق أهدافها من دون الدخول في حرب تقليدية، لكن المخاطر تتجلى في احتمال إطالة الصراع بلا حل سياسي واحتمالية انزياح (فنزويلا) نحو شركاء دوليين منافسين مثل روسيا والصين، وهو ما قد يقلل من المكاسب الاستراتيجية ويعيد تشكيل التوازن الإقليمي بطريقة غير محسوبة،  إذ تظهر العلاقات بين الولايات المتحدة وفنزويلا كصراع متعدد الأبعاد يجمع بين الاقتصاد والسياسة والقوة البحرية، والعمليات العسكرية المحدودة الأخيرة تعكس استراتيجية أميركية مرنة تركز على التحكم بالممرات البحرية والاحتواء السياسي وإدارة التوازن الإقليمي. في حين تحاول الحكومة الفنزويلية الاستفادة من خطاب السيادة والمقاومة الداخلية لإطالة أمد الصراع وتعظيم قدرتها على الصمود في مواجهة العقوبات والضغط الدولي، لتظل هذه المواجهة نموذجاً حياً للتحديات التي تواجه الدول الكبرى عند إدارة مصالحها في مجالها الحيوي بما يتطلب مزيجًا من المرونة، والتخطيط الاستراتيجي، والقدرة على الاحتواء من دون الانزلاق إلى حرب شاملة