
الكاتب: كاترين بينهولد
الناشر : صحيفة نيويورك تايمز
التاريخ : 4 كانون الثاني / يناير 2026
ترجمة وتحرير : نصر محمد علي
تستعرض هذه المقالة، التي نشرتها صحيفة New York Times الموسومة “دبلوماسية الزوارق الحربية لترامب”، ملامح تحوّل واضح في مقاربة السياسة الخارجية الأمريكية خلال إدارة الرئيس دونالد ترامب، عبر الاعتماد المكثف على أدوات القوة العسكرية. وتعنى المقالة ببيان تفاصيل عملية عسكرية نوعية استهدفت فنزويلا، شملت انتشاراً عسكرياً أمريكياً في منطقة الكاريبي، وعمليات بحرية لمصادرة ناقلات نفط، إلى جانب تنفيذ عملية خاصة أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، في سياق تبرر فيه الإدارة الأمريكية تحركاتها بحسابات تتعلق بإنفاذ القانون ومكافحة الاتجار بالمخدرات. كما تُبرز المقالة كيفية توظيف هذا التدخل العسكري بوصفه رسالة ردع واستعراض قوة موجهة إلى دول الإقليم، في وقت تثار فيه تساؤلات قانونية وسياسية واسعة بشأن شرعية العملية، وحدود استخدام القوة، وانعكاساتها على قواعد النظام الدولي وعلى صورة الولايات المتحدة ودورها العالمي. والترجمة الكاملة للمقالة هي على النحو الاتي:
لم يكن الأمر مفاجئاً تماماً. فقد ظلّ ترامب، لأشهر، يبعث بإشارات واضحة إلى أنه يخطط لاتخاذ إجراء ضد فنزويلا. إذ وصفت الإدارة الرئيس نيكولاس مادورو بأنه “إرهابي مخدرات”، ونفذت عشرات الضربات القاتلة ضد زوارق صغيرة قرب السواحل الفنزويلية. وقد شرعت، مؤخراً، في مصادرة ناقلات تحمل نفطاً فنزويلياً.
غير أن شكل ذلك الإجراء — قيام قوات خاصة باعتقال مادورو وزوجته من مجمّع عسكري خلال عملية ليلية، ونقلهما إلى نيويورك، حيث يقبع مادورو الآن في سجن ببروكلين — كان جريئاً إلى حدٍ صادم.
تحافظ الولايات المتحدة على وجود عسكري في منطقة الكاريبي لفرض أجندتها السياسية على فنزويلا، في وقت يواجه فيه آل مادورو تهم الإرهاب المرتبط بالمخدرات والاتجار بها. وقد أقرّ ترامب صراحة بإمكانية التورط العسكري قائلاً: “لسنا خائفين من وجود قوات على الأرض”. كما كان صريحاً على نحو لافت بشأن نيته تمكين الشركات الأمريكية من الاستفادة من احتياطيات النفط الفنزويلية المربحة.
وإذا ما بدا لك أن في كل ذلك أصداءً من حرب العراق التي أطاحت بصدام حسين، فلست وحدك. غير أن أحد الفوارق الكبرى يتمثل في أن هذه الأحداث تقع في نصف الكرة الغربي، الذي ادعى مسؤولون في إدارة ترامب أنه مجال النفوذ المشروع للولايات المتحدة.
زميلي أناتولي كورماناييف موجود ميدانياً في فنزويلا. وقد أخبرني أن العملية التي نُفذت في الساعات الأولى من صباح السبت كانت أيضاً استعراضاً للقوة موجهاً إلى دول أخرى في المنطقة. وقال: ان الرسالة هي: “الولايات المتحدة تستطيع، وسوف، تفرض إرادتها”.
هل كان ذلك قانوناً؟ وكم من الوقت ستبقى الولايات المتحدة منخرطة في فنزويلا؟ وكيف تمكنت القوات على وجه الدقة من إلقاء القبض على مادورو؟ وكيف ينظر الفنزويليون والدول الأخرى إلى اعتقاله؟ لدينا بعض الإجابات أدناه. ولمتابعة آخر التطورات، هذه تحديثاتنا المباشرة.
عملية “العزم المطلق”
كان التخطيط لاعتقال مادورو قد بدأ قبل أربعة أشهر. فقد تسلل عملاء وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) إلى البلاد في أغسطس. وبمساعدة طائرات مسيّرة شبحية ومخبر داخل حكومة مادورو، درسوا تحركاته كافة. وقال رئيس هيئة الأركان المشتركة إن الولايات المتحدة كانت تعرف أين ينام مادورو، وماذا يأكل، وحتى ما الحيوانات الأليفة التي يقتنيها.
وفي ولاية كنتاكي، أنشأ الجيش انموذجاً بالحجم الكامل لأحد المجمعات التي كان مادورو يقيم فيها — وهو واحد من ستة إلى ثمانية مواقع كان يستخدمها للاختباء. ثم تدربت وحدات النخبة من قوات “دلتا فورس” على تنفيذ الضربة، مع اقتحام الأبواب الفولاذية بوتيرة متسارعة. وعندما صفا الطقس، وقرر مادورو البقاء في المجمّع الذي تدربوا على مهاجمته، نفذت القوة الخاصة العملية.
وبعد هجوم سيبراني قطع الكهرباء عن أجزاء واسعة من كراكاس، تمكنت 150 طائرة أمريكية، وطائرات مسيرة، ومروحيات من الاقتراب دون أن تُرصد. فقصفوا مواقع الرادار والدفاع الجوي، وأنزلوا قوات الكوماندوز في أكثر القواعد العسكرية تحصيناً في فنزويلا. واقتحمت قوات دلتا فورس أحد الأبواب، وعثرت على مادورو بعد ثلاث دقائق.
استغرقت العملية ما يزيد قليلًا على ساعتين؛ وكان ترامب يتابعها عن بُعد. وقال لشبكة فوكس نيوز: “تابعتُها حرفياَ كما لو كنت أشاهد برنامجًا تلفزيونيًا”. وبعد ذلك، نشر صورة بدا فيها مادورو معصوب العينين ومقيّد اليدين.
ما التالي بالنسبة لفنزويلا؟
بعد تراجُع إدارة ترامب عن تصريح الرئيس بأن الولايات المتحدة ستقوم “بإدارة” فنزويلا، أوضح المسؤولون أن المقصود لم يكن إدارة البلاد حرفيًا، بل “سياساتها” فقط. لكن من سيتولى السلطة، وكيف سيتم ذلك؟
لا يُعدّ هذا احتلالاً. فقد قال مسؤولو البنتاغون أمس إنه لا توجد قوات عسكرية أمريكية داخل البلاد (مع بقاء قوات أمريكية في البحر الكاريبي لممارسة “الضغط” على القيادة الجديدة، بحسب وزير الخارجية ماركو روبيو).
كما أنه ليس تغييراً للنظام. فقد جرى تهميش زعيمة المعارضة الفنزويلية، ماريا كورينا ماتشادو، التي فازت بجائزة نوبل للسلام العام الماضي وكرستها لترامب؛ إذ قال ترامب إنها تفتقر إلى “الاحترام” اللازم للحكم. وبدلًا من ذلك، قبلت الولايات المتحدة ببقاء نائبة مادورو، ديلسي رودريغيز، زعيمةً مؤقتة. وقال ترامب إنها ستبقى في السلطة ما دامت “تفعل ما نريده”.
وكما كتب زملائي، فقد “رسمت الإدارة بشكلٍ غامض ترتيبًا يشبه الوصاية: ستقدم الولايات المتحدة رؤية لكيفية إدارة فنزويلا، وستتوقع من الحكومة المؤقتة تنفيذها خلال فترة انتقالية، تحت تهديد تدخل عسكري إضافي”.
هل ستتعاون رودريغيز؟ في أعقاب اعتقال مادورو، وصفت الولايات المتحدة بالغزاة غير الشرعيين، وقالت إن مادورو هو “الرئيس الوحيد”. لكن، كما قال لي أناتولي، “رغم كل التصريحات العلنية، فإنها ستعمل مع ترامب”. ويبدو أن هذا ما قالته أيضًا للمسؤولين الأمريكيين؛ إذ ذكر ترامب في المؤتمر الصحفي أنها كانت” مستعدة في الأساس لفعل ما نراه ضروريًا لجعل فنزويلا عظيمة مرة أخرى”.
مخدرات، ديمقراطية — أم نفط؟
طرح مسؤولون أمريكيون تفسيرات متعددة للحشد العسكري حول فنزويلا خلال الأشهر الماضية. فقد أشار بعضهم إلى المخدرات، وآخرون إلى عدم شرعية انتخاب مادورو. لكن ترامب قال في نهاية الأسبوع إن أحد الأهداف الرئيسة للعملية كان استعادة حقوق النفط الأمريكية التي قال إن فنزويلا “سرقتها” عندما أممت القطاع.
وأضاف أن شركات النفط الأمريكية “ستدخل، وتنفق مليارات الدولارات، وتُصلح البنية التحتية المتداعية — البنية النفطية — وتبدأ بتحقيق الأرباح”، سواء للفنزويليين أو لنفسها. ووصف زميلي ديفيد سانغر ذلك بأنه “استيلاء فجّ” على النفط.
هل هذا قانوني؟
يبدو أن ذلك ينتهك ميثاق الأمم المتحدة، الذي ينص على أن الدولة لا يجوز لها استخدام القوة داخل الإقليم السيادي لدولة أخرى دون موافقتها، أو مبرر دفاعي عن النفس، أو تفويض من مجلس الأمن، كما كتب زميلي تشارلي سافاج.
وتقول إدارة ترامب إن ما جرى كان إجراءً لإنفاذ القانون، لا غزواً عسكرياً. وقد وُجّهت إلى مادورو في الولايات المتحدة اتهامات تتعلق بالمخدرات والفساد، ومن المتوقع أن يمثل أمام المحكمة اليوم.
طيف واسع من ردود الفعل
نددت حكومات يسارية في أميركا اللاتينية، مثل البرازيل والمكسيك، بالعملية ووصفتها بغير القانونية، وكذلك فعلت الصين (التي تستورد النفط من فنزويلا) وروسيا (رغم غزوها غير القانوني لأوكرانيا). وقال الأمين العام للأمم المتحدة إن الهجوم شكّل “سابقة خطيرة”، ويعتزم مجلس الأمن عقد اجتماع اليوم.
أما القادة الأوروبيون فكانوا أكثر حذراً. إذ قال المستشار الألماني فريدريش ميرتس إن مادورو “قاد بلاده إلى الخراب”، وإن التدخل الأمريكي يتطلب “دراسة متأنية”. بينما قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إن الشعب الفنزويلي “لا يمكنه إلا أن يفرح” بإطاحة مادورو.
وبثّ التلفزيون الرسمي الفنزويلي احتجاجات وتجمعات نظمها أنصار مادورو خلال عطلة نهاية الأسبوع. غير أن زملائي في الميدان أفادوا بأن كثيراً من الفنزويليين قالوا إنهم يريدون التغيير، وأن الأغلبية صوتت ضد مادورو في آخر انتخابين رئاسيين.




