
د. جمانة جاسم الأسدي/ كلية القانون في جامعة كربلاء
باحثة مشاركة في قسم إدارة الأزمات/ مركز الدراساتالاستراتيجية/ جامعة كربلاء
تُعدُّ العدالة الانتقالية إحدى الأدوات القانونية، والمؤسسية، التي تلجأ إليها الدول الخارجة من النزاعات، أو الأنظمة الاستبدادية،بهدف معالجة إرث الانتهاكات السابقة، وإرساء أسس السلام الدائم. وعلى الرغم من أنَّ هذا المفهوم يُطرح عادة في سياق الجرائم الجسيمة، وحقوق الإنسان، إلا أنَّ له بُعدًا مهمًا في ميدان علاقات العمل، لأنَّ النزاعات المسلحة تترك آثارًا مباشرة في سوق العمل، والحقوق النقابية، وحماية العمال، وتوزيع فرص التشغيل.
ففي العراق، الذي مرّ بسلسلة من الحروب، والاضطرابات السياسية، منذ ثمانينيات القرن الماضي، كانت علاقات العمل من أكثر القطاعات تأثرًا، سواء من حيث تفكك البنى الإنتاجية، أو انهيار منظومات الحماية الاجتماعية، أو تسييس التنظيم النقابي،وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تطبيق مبادئ العدالة الانتقالية في إصلاح النظام العمالي العراقي بعد تلك الحقبة؟ ويقصد بالعدالة الانتقالية: مجموعة الآليات القضائية وغير القضائية، التي تُعتمد خلال مرحلة الانتقال من النزاع إلى السلم، بغية تحقيق المساءلة، والإنصاف، وجبر الضرر، وضمان عدم التكرار، وتتجسد أدواتها في المحاكمات الخاصة بجرائم الماضي، ولجان الحقيقة،وإصلاح المؤسسات، وبرامج التعويض وإعادة التأهيل، والمصالحة الوطنية.
وفي مجال العمل، تتجلى العدالة الانتقالية عن طريق إصلاح القوانين، والمؤسسات العمالية، التي تضررت بفعل النزاعات، وتصفية الممارسات التمييزية أو الإقصائية، التي مورست ضد فئات من العمال، وضمان مشاركة النقابات في بناء منظومة اقتصادية عادلة.
لقد تركت النزاعات المسلحة، والحروب الداخلية، والخارجية، آثارًا عميقة في بنية العمل في العراق، من أبرزها تفكك المؤسسات الإنتاجية، وتسريح أعداد كبيرة من العمال من دون تعويضات عادلة، وضعف تطبيق قوانين العمل والضمان الاجتماعي، نتيجة انهيار الأجهزة الرقابية، وانتشار العمل غير النظامي، وغياب الضمان الاجتماعي في القطاعات الهشة، وتهميش النقابات المستقلة، وإخضاعها للتجاذبات السياسية، وحرمان النساء،والشباب، من فرص عادلة في العمل في بيئات ما بعد النزاع.
هذه الآثار جعلت الحاجة ملحّة، إلى إدماج مقاربة العدالة الانتقالية ضمن السياسات العمالية، لإعادة الثقة بين الدولة، والعمال، بوصفهم الركيزة الأولى لإعادة الإعمار، والتنمية، كما أنَّ قانون العمل رقم (37) لسنة (2015)، على الرغم من حداثته، صدر في سياق ما بعد النزاع، فحاول أن يستجيب لمتطلبات المرحلة الانتقالية،عبر التأكيد على مبدأ العدالة، والمساواة، وعدم التمييز (المادة 11)، وعبر ضمان حرية التنظيم النقابي، والمفاوضة الجماعية، بعد عقود من التقييد (المواد 150–157)، وفي تعزيز السلامة، والصحة المهنية، لحماية العمال في بيئات العمل الخطرة.
لكنّ العدالة الانتقالية في المجال العمالي لا تتوقف عند النصوص، بل تتطلب مراجعة شاملة للتشريعات، والمؤسسات، التي ورثت ممارسات غير عادلة، ومن ذلك ضرورة معالجة الملفات المتراكمة،منها إعادة إدماج العمال المسرّحين قسرًا، لأسباب سياسية، أو أمنية، في مؤسسات الدولة، أو القطاع الخاص، وتعويض المتضررين من توقف المنشآت الصناعية، التي دُمّرت، أو أُغلقت،بفعل النزاعات، وإصلاح هيكل النقابات العمالية، بما يضمن استقلاليتها عن النفوذ الحزبي، والسياسي، وإعادة بناء منظومة التفتيش العمالي، لتطبيق معايير العمل الدولية بفعالية.
تؤكد منظمة العمل الدولية (ILO) في تقريرها السنوي لعام (2019)، المعنون: (العمل والعدالة الاجتماعية في فترات الانتقال)،أنَّ العدالة الانتقالية لا تقتصر على المساءلة عن الجرائم الكبرى، بل تمتد إلى إصلاح سياسات العمل، والضمان الاجتماعي، لضمان العدالة الاقتصادية، وقد أصدرت المنظمة توصيات بضرورة أن تشمل برامج العدالة الانتقالية، منها إصلاح قوانين العمل بما يحقق المساواة، وإعادة بناء مؤسسات الضمان الاجتماعي، وإشراك النقابات، ومنظمات العمال، في عمليات المصالحة الوطنية.
كما نصَّت اتفاقية منظمة العمل الدولية، رقم (122) لسنة (1964)،بشأن سياسة الاستخدام، على أنَّ لكل دولة عضو واجب اعتماد سياسة، تهدف إلى ضمان العمالة الكاملة، والمنتجة بحرية، وعدالة،وهذه المبادئ تنسجم تمامًا مع فلسفة العدالة الانتقالية، كما أنَّإعادة بناء سوق العمل بعد النزاعات، تمثل جوهر عملية السلام، لأنَّالبطالة، والتهميش الاقتصادي، هما من أبرز أسباب تجدد العنف.
وعليه، فإنَّ تحقيق العدالة الانتقالية في علاقات العمل، يعني ضمان تكافؤ الفرص في التوظيف لجميع المواطنين، من دون تمييز سياسي أو مناطقي، وتعويض العمال المتضررين من النزاعات،وضمان حقوقهم التقاعدية، وتأهيل الشباب، والنساء، للدخول إلى سوق العمل، في بيئات جديدة، ومستقرة، وإرساء ثقافة الحوار الاجتماعي بين الحكومة، وأصحاب العمل، والعمال، ضمن إطار الشراكة الثلاثية، التي تنادي بها منظمة العمل الدولية، وهذه الخطوات تسهم في تحويل علاقات العمل، من ساحة تنازع إلى منصة للمصالحة، والتنمية، وهو ما يشكّل أحد أعمدة العدالة الانتقالية المستدامة.
ختامًا، إنَّ العدالة الانتقالية في علاقات العمل، ليست مجرد مشروع قانوني أو تنظيمي، بل هي مسار اجتماعي، واقتصادي، يهدف إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن، والدولة، عن طريق إصلاح بيئة العمل، وضمان الكرامة الإنسانية لكل عامل. ويُعدُّ العراق نموذجًا حيًّا، للدول التي تحتاج إلى هذا النمط من العدالة، لأنَّ استقرار سوق العمل فيها، يعني استقرار المجتمع بأكمله، فليس هناكسلام حقيقي من دون عدالة اجتماعية، ولا عدالة اجتماعية من دون عمل كريم، يعيد للإنسان مكانته، وكرامته، بعد سنوات من النزاع،والمعاناة.




