
د. جمانة جاسم الأسدي/ كلية القانون جامعة كربلاء
باحثة مشاركة في قسم إدارة الأزمات في مركز الدراسات الاستراتيجية جامعة كربلاء
يشهد سوق العمل العراقي، شأنه شأن معظم الاقتصادات النامية، تزايدًا في ظاهرة العقود غير المستقرة، أو ما يُعرف بالعقود المؤقتة أو قصيرة الأجل، وهي التي تفتقر إلى الاستقرار الزمني، والمهني، الذي يوفره عقد العمل الدائم. وقد أفرزت هذه العقود إشكاليات قانونية، واجتماعية، معقدة، تتعلق بمدى تمتع العامل بحقوقه في الأجر، والإجازة، والتأمين الاجتماعي، والأمان الوظيفي.
والعقد غير المستقر، هو اتفاق يربط العامل بصاحب العمل، لفترة محددة، أو لعمل مؤقت، دون نية الاستمرار، وغالبًا ما يُستخدم كوسيلة لتقليص كلف التشغيل، وتجنب الالتزامات القانونية طويلة الأمد. وقد نظَّم قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة (2015)، هذا النوع من العقود في المواد (37–40)، مبينًا أنَّ الأصل هو عقد العمل غير المحدد المدة، وأنَّ تحديد المدة لا يجوز، إلا إذا اقتضت طبيعة العمل ذلك، ومع ذلك تُستغل العقود المحددة المدة أحيانًا، للالتفاف على مبدأ الاستقرار المهني، مما يؤدي إلى حرمان العامل من العديد من الامتيازات القانونية.
أمَّا الإشكاليات القانونية الناجمة عن العقود غير المستقرة، هو في انعدام الأمان الوظيفي، إذ يمكن لصاحب العمل إنهاء العقد بانتهاء مدته، من دون مسوغ موضوعي، وضعف الحماية الاجتماعية، فكثير من أصحاب العمل لا يُسجّلون العمال المؤقتين في دوائر الضمان الاجتماعي، خلافًا لقانون التقاعد، والضمان الاجتماعي للعمال، رقم (18) لسنة (2023)، والتمييز في المعاملة، فقد يُحرم العامل المؤقت من المزايا الممنوحة لنظرائه الدائمين، ما يشكل إخلالًا بمبدأ المساواة، المنصوص عليه في المادة (11) من قانون العمل.
من الضروري أن يتضمن التشريع العراقي، آليات رقابية تحد من سوء استخدام العقود المؤقتة، مثل حصرها بحالات استثنائية واضحة، ومحددة، بنص القانون، واعتبار العقد محدد المدة، الذي يتجدد أكثر من مرتين، عقدًا دائمًا بحكم القانون، وإلزام صاحب العمل بإشعار دائرة العمل، والضمان الاجتماعي، بأي عقد مؤقت لضمان تسجيل العامل.
ختامًا، إنَّ معالجة ظاهرة العقود غير المستقرة، تتطلب موازنة دقيقة بين مرونة السوق، واستقرار العمل، فلا يمكن للتنمية أن تتحقق، في ظل هشاشة علاقات العمل، وضعف الضمانات الاجتماعية الحالية. والاستقرار المهني ليس فقط مصلحة للعامل، بل هو ركيزة للإنتاجية، والاستدامة الاقتصادية، في البلد ككل.




