
د. جمانة جاسم الأسدي/ كلية القانون جامعة كربلاء
باحثة مشاركة في قسم إدارة الأزمات في مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء
يمثّل العمل غير النظامي، أو الاقتصاد غير المنظم، أحد أبرز التحديات التي تواجه سوق العمل في العراق، إذ يعمل عدد كبير من الأفراد، في أنشطة اقتصادية خارج نطاق التنظيم القانوني، من دون تسجيل رسمي، أو اشتراك في منظومة الضمان الاجتماعي، وهو ما يخلق فجوة تشريعية تهدد العدالة الاجتماعية، ومبدأ المساواة أمام القانون.
ويُقصد بالعمل غير النظامي، كل نشاط اقتصادي لا يخضع للرقابة الحكومية، أو لا يُسجّل ضمن القنوات القانونية الرسمية، ومن أبرز صوره في العراق، العمل في الأسواق الشعبية أو المهن الحرة، من دون إجازة عمل، وتشغيل العمال بأجر يومي، من دون عقد مكتوب، والعمالة المنزلية، والعمالة في القطاعات الزراعية الصغيرة، إذ يتميز هذا النوع من العمل بانعدام العقود القانونية، وغياب الأمان الاجتماعي، وانخفاض الأجور مقارنة بالقطاع النظامي.
لم يُنظّم قانون العمل العراقي رقم (37) لسنة (2015)، العمل غير النظامي بشكل مباشر، لكنَّه أشار ضمنًا إلى ضرورة تسجيل جميع العاملين، وتمتعهم بحقوق العمل الأساسية، كما أنَّ قانون التقاعد، والضمان الاجتماعي للعمال، رقم (18) لسنة (2023)، أتاح في المادة (5) منه، إمكانية شمول فئات العمل الحر، أو المستقل بالضمان الاجتماعي، في خطوة مهمة نحو إدماج العمال غير النظاميين في الاقتصاد الرسمي. وتتجه السياسة الحكومية مؤخرًا، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، إلى وضع استراتيجية وطنية، لدمج القطاع غير النظامي ضمن الاقتصاد المنظم، عن طريق التسجيل الرقمي، والتأمينات الاجتماعية المرنة.
أمَّا التحديات القانونية، والاجتماعية، فهي تتجسد في غياب قاعدة بيانات وطنية، للعاملين في القطاع غير الرسمي، وفي ضعف إنفاذ القوانين العمالية، نتيجة محدودية الرقابة الميدانية، وفي انخفاض الوعي القانوني لدى العمال، وأصحاب العمل، كذلك في الطابع الموسمي أو المؤقت للعمل غير النظامي، ما يصعّب من تطبيق العقود التقليدية عليه.
ولأجل تشريع تنظيم عادل للعمل غير النظامي، يجب استحداث نظام تأمين اجتماعي مرن، يستوعب العمال غير المنتظمين، من دون اشتراط دوام دائم، أو عقد تقليدي، وتعديل قانون العمل لإضافة فصل خاص بعنوان، تنظيم العمل غير النظامي، والعمالة الحرة، ومن المستحسن تشجيع التسجيل الطوعي، عبر الحوافز الضريبية، والمساعدات المالية، وتعزيز دور مكاتب التشغيل الحكومية، في ربط هذه الفئات بفرص عمل نظامية.
ختامًا، إنَّ الإطار القانوني للعمل غير النظامي في العراق، ما يزال في طور التكوين، ويتطلب رؤية شاملة تعترف بواقع السوق، وتعمل على إدماج العاملين فيه في المنظومة الرسمية تدريجيًا، فالتنمية الاقتصادية لا تكتمل، إلا بوجود حماية اجتماعية عادلة، تشمل جميع فئات العمال، سواء أكانوا نظاميين أم غير نظاميين.




