
د. جمانة جاسم الأسدي/ كلية القانون في جامعة كربلاء
باحثة مشاركة في قسم إدارة الأزمات/ مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء
يشهد العالم في السنوات الأخيرة، تحوّلًا متسارعًا نحو ما يُعرف بـالاقتصاد الأخضر، وهو الاقتصاد الذي يسعى إلى تحقيق التنمية من دون الإضرار بالبيئة، عبر اعتماد الطاقة النظيفة، وترشيد استهلاك الموارد، وتشجيع الابتكار في التقنيات الصديقة للبيئة. وقد أصبح هذا التحول من أبرز ملامح السياسات الاقتصادية الحديثة، لما له من أثر مباشر في خفض معدلات التلوث، وتحسين جودة الحياة، وخلق فرص عمل جديدة. غير أنَّ هذا التحول لا يمكن أن يُعدَّ ناجحًا، ما لم يكن مصحوبًا بسياسات عمل لائق، تحافظ على كرامة الإنسان العامل، وتؤمّن له الحماية القانونية، والاجتماعية، في بيئة العمل الجديدة، التي يفرضها الاقتصاد الأخضر. وهنا يبرز مفهوم التحول الأخضر، والعمل اللائق، بوصفه إطارًا تشريعيًا متكاملًا، يجمع بين الحق في البيئة السليمة، والحق في العمل الكريم.
يقصد بالتحول الأخضر: الانتقال من الاقتصاد القائم على استنزاف الموارد الطبيعية، إلى اقتصادٍ مستدامٍ يَحدُّ من الانبعاثات الضارة، ويحافظ على التوازن البيئي، وهو لا يقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل يتضمن بُعدًا اجتماعيًا، وإنسانيًا، يتمثل في ضمان العدالة في توزيع عوائد التنمية، والتحولات الاقتصادية. أمَّا العمل اللائق، فهو المفهوم الذي أطلقته منظمة العمل الدولية، ليعبر عن منظومة من الحقوق تتعلق بالأجر العادل، والأمان الوظيفي، والضمان الاجتماعي، وحرية التنظيم النقابي، وتكافؤ الفرص. وبذلك فإنَّ العلاقة بين التحول الأخضر، والعمل اللائق، علاقة تكاملية، فالأول يهيئ بيئة اقتصادية جديدة، والثاني يضمن عدالة هذه البيئة، ويحمي العامل من الإقصاء أو التهميش.
على الرغم من أنَّ قانون العمل العراقي، رقم (37) لسنة 2015، لم يتناول مصطلح العمل الأخضر بشكل صريح، إلا أنَّ أحكامه تتضمن أسسًا يمكن البناء عليها، لتطوير تشريعات تدعم التحول البيئي، منها إلزام صاحب العمل بتوفير بيئة عمل آمنة، وصحية (المواد 91–99)، حظر تشغيل العمال في الأعمال الخطرة أو الضارة، من دون اتخاذ تدابير وقائية كافية، ومبدأ المساواة في فرص العمل، والأجر، وعدم التمييز لأي سبب (المادة 11).
أمَّا قانون التقاعد، والضمان الاجتماعي، للعمال رقم (18) لسنة 2023، فقد أرسى منظومة حماية اجتماعية أكثر شمولًا، للعاملين في القطاعات المختلفة، ويمكن عدُّه خطوة نحو تعزيز الأمن الاجتماعي، للعاملين في المهن المستحدثة ضمن الاقتصاد الأخضر، مثل الطاقة المتجددة، وإعادة التدوير. ومع ذلك، ما يزال الإطار التشريعي العراقي، بحاجة إلى تحديث نوعي، ليتلاءم مع متطلبات التحول البيئي، عبر تضمين مفاهيم، مثل الوظائف الخضراء، والتحول العادل، في سياسات العمل الوطنية.
انطلاقًا من عضوية العراق في منظمة العمل الدولية، فإنَّه ملتزم بتطبيق العديد من الاتفاقيات، ذات الصلة بالعمل اللائق، كالاتفاقية رقم (122) بشأن سياسة الاستخدام، والاتفاقية رقم (155) بشأن السلامة والصحة المهنية، فضلًا عن التزامه بأهداف أجندة التنمية المستدامة (2030)، ولاسيَّما الهدفين (8) و(13)، المتعلقين بالعمل اللائق، والعمل المناخي. هذه الالتزامات تضع على عاتق الدولة واجبًا مزدوجًا، من جهة تطوير تشريعات العمل، والضمان الاجتماعي، بما ينسجم مع مبادئ التنمية المستدامة، ومن جهة أخرى توفير برامج تدريب، وتأهيل، للعاملين، المتأثرين بالتحولات البيئية، والاقتصادية، بما يضمن لهم انتقالًا عادلًا إلى الوظائف الجديدة.
يواجه العراق مجموعة من التحديات التي قد تعيق هذا التحول، منها ضعف التنسيق المؤسسي بين الجهات البيئية، والعمالية، وغياب الحوافز التي تشجع أصحاب العمل على تبنّي التكنولوجيا النظيفة، فضلًا عن محدودية برامج التدريب المهني في مجالات الاقتصاد الأخضر، لكن في المقابل يمتلك العراق فرصًا واعدة، إذا ما استثمر في مشروعات الطاقة الشمسية، والرياح، والزراعة المستدامة، مع وضع سياسات تضمن أن تكون الوظائف الخضراء، وظائف لائقة من حيث الأجر، والحماية الاجتماعية، والمساواة في الفرص.
ولتحقيق التكامل بين التحول البيئي، وحماية العمل، يمكن اقتراح عدد من الإجراءات التشريعية، والمؤسسية، أبرزها إدخال مفهوم الوظائف الخضراء، في تعديلٍ قادمٍ لقانون العمل العراقي، وإنشاء صندوق وطني للتحول الأخضر، لدعم المشاريع التي توفر عملاً مستدامًا، ودمج التدريب على المهارات الخضراء، ضمن برامج التدريب المهني الحكومية، ومنح حوافز ضريبية، وتشجيعية، لأصحاب العمل، الذين يعتمدون إنتاجًا نظيفًا صديقًا للبيئة، وتبني استراتيجية وطنية للعمل اللائق، بالتعاون مع منظمة العمل الدولية، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
ختامًا، إنَّ التحول الأخضر ليس خيارًا بيئيًا فحسب، بل هو ضرورة تشريعية، واقتصادية، تفرض نفسها على الدول كافة ومنها العراق، ومن أجل أن يكون هذا التحول عادلًا، وإنسانيًا، لا بدَّ من أن يوازيه نظام قانوني، يضمن العمل اللائق بوصفه جوهر العدالة الاجتماعية. إنَّ حماية البيئة لا تكتمل إلا بحماية الإنسان الذي يعمل فيها، فهما معًا يشكّلان ركيزة التنمية المستدامة، التي تسعى إليها الأمم المعاصرة.




