
شهد العراق بعد عام 2003 تحولا جذريا على الصعيد السياسي والاقتصادي، تضمن هذا التحول محاولة إعادة بناء الدولة والمجتمع بعد عقود من الصراعات والعقوبات الاقتصادية الدولية، ومع ذلك ظلت قضية الفقر تحدياً رئيسياً حيث أثرت بشكل مباشر على حياة الملايين من العراقيين الذين يعيشون تحت وطأة الفقر إذ يعد الفقر من اكثر الظواهر فتكاً في حياة الشعوب لأنه يفكك البنية الاجتماعية ويدمر العلاقات بين الفئات الاجتماعية ,لذا فإن مواجهة الفقر تعد واحدة من اهم الاهداف الانسانية عبر التأريخ
الفقر في العراق يعد من المفارقات الاقتصادية والاجتماعية الصارخة , وذلك لأن العراق بلد يصنف من الدول الغنية في الموارد الاقتصادية الكبيرة جداً التي تأهله ليكون بلدا خاليا من الفقر فهو يملك احتياطيات ضخمة جدا من النفط والمعادن الاقتصادية الثمينة الأخرى , كذلك يملك ارض صالحة للزراعة شاسعة مع نهري دجلة والفرات وموقع جغرافي مهم إلا أن المفارقة هي اتساع ظاهرة الفقر والحرمان الاجتماعي فبعد 2003 وبالرغم ارتفاع الإيرادات النفطية بشكل كبير جدا مع رفع العقوبات الاقتصادية لم تنجح السياسات العامة في تقليص نسب الفقر بل تحول الى ظاهرة مركبة ذات أبعاد اقتصادية واجتماعية وسياسية .
ويمكن تعريف الفقر هو عدم قدرة الفرد او الأسرة على تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات الأساسية للحياة من الغذاء والسكن والملبس، ففي الاقتصاد الحديث لم يعد الفقر مجرد نقص في الدخل بل يفهم على أنه ” حالة الحرمان الاقتصادي المستمر الناتج عن اختلال في عدالة التوزيع للموارد والفرص داخل المجتمع، و يمثل الفقر بالعراق كإقصاء اجتماعي تمنع الفرد من المشاركة الكاملة في المجتمع يتحول من حالة فردية الى ظاهرة بنيوية تعكس حالة التفاوت الطبقي والقوة والهيمنة داخل المجتمع مما يعكس حالة العزلة الاجتماعية والاستغلال السياسي لهذه الطبقة من خلال شراء ولائهم حيث تسعى الأحزاب السياسية تكوين شبكات زبائنية من خلال توزيع المساعدات المؤقتة في أوقات الانتخابات وتوفير خدمات مؤقتة حيث تمنح هذه الأنواع من المساعدات والخدمات كوسيلة ابتزاز وشراء أصوات ,إعادة إنتاج الفقر كأداة للهيمنة السياسية وأن الأنظمة الزبائنية لا تسعى الى القضاء على الفقر بل الى إدارته , لأن وجود الطبقات الهشة اقتصاديا يضمن لها البقاء في السلطة وسهولة التحكم بالسلوك الانتخابي لذلك يصبح الفقر مورداً سياسياً وليس عبئاً .
هناك تباين جغرافي في نسب الفقر في العراق وبشكل واضح جدا، فوفق ما صدر من وزارة التخطيط وفق أحدث إحصائية في شهر نيسان 2026, عن معدلات الفقر في المحافظات حيث تصدرت محافظة المثنى “السماوة ” القائمة الأعلى نسبة فقر في العراق حيث بلغت , 43.6%,
ثم جاءت محافظة بابل في المركز الثاني كأعلى نسبة فقر بنسبة بلغت 34.4%, وتلتها محافظة الديوانية بالمركز الثالث بلغت نسبة الفقر 29.9%, ثم حلت محافظة البصرة بالمركز الرابع بنسبة بلغت 27.9%, وجاءت النجف بنسبة 25.2%, أما المحافظات الأقل فقراً هي أربيل بنسبة 7%, والسليمانية 8%, ان هذا التباين الجغرافي في نسب الفقر يكشف تركيز الفقر في المناطق الجنوبية للبلاد وتعكس هذه المؤشرات نتيجة الى اتساع الفساد المتراكم و فشل المؤسسات الحكومية في تحقيق العدالة في توزيع الموارد الاقتصادية في هذه المحافظات ,
ويصنف العراق على المستوى الدول العربية في الفقر المرتبة التاسعة كأفقر دولة عربية ويحتل المرتبة 76 عالميا وهذا يتناقض مع حجم الموارد الاقتصادية الهائلة والإمكانيات التي تأهل العراق من الانتقال من دول المتخلفة والفاشلة ليصبح دولة تحقق نهضة اقتصادية سريعة
استراتيجيات مكافحة الفقر
أطلقت الحكومة العراقية ثلاث استراتيجيات للتخفيف من الفقر بعد 2003
الاستراتيجية الأولى للتخفيف من الفقر (2010-2014)
أطلقت الحكومة العراقية في عام 2010 الاستراتيجية الأولى للتخفيف من الفقر بالتعاون مع البنك الدولي لمواجهة الفقر وقد تم تخصيص مبلغ (1.5) مليار ونصف دولار، لتنفيذ أنشطة متعددة في قطاعات مختلفة وقد شكلت لجنة عليا تضم ممثلين عن مختلف الوزارات والجامعات لتنفيذ مسح اجتماعي واقتصادي للأسر وكان جوهر هذه الاستراتيجية خفض معدل الفقر من 22.9% إلى 16% بحول نهاية 2014عبر برامج تحسين الدخل والصحة والتعليم والسكن , وقد نجحت هذه الاستراتيجية جزئياً بانخفاض الفقر الى 18.9% عام 2012, ولكنها تعثرت في 2014 نتيجة سببين هما السبب الأمني سيطرة داعش على بعض المحافظات و السبب الثاني انخفاض أسعار النفط مما أدى الى تقليص التمويل
الاستراتيجية الثانية (2018-2022)
جاءت هذه الاستراتيجية استكمالاً لرؤية وخطط المؤسسات لمواجهة الفقر, فتبنت صياغة برنامج يسهم في تحسين المستويات والأوضاع المعاشية والحماية من المخاطر والتمكين من أجل تحويل الفقراء الى منتجين مندمجين اقتصادياً واجتماعياً وليسوا عالة على المجتمع ينتظرون الرعاية والإحسان والمعروف , وتأتي هذه الاستراتيجية من تحديد العناصر الرئيسة والاساسية ضمن رؤية العراق 2030, وتشمل إيجاد فرص توليد الدخل المستدام ,التمكين وبناء رأس المال البشري , تأسيس شبكة أمان اجتماعي فعالة , وقد تبنت ست محصلات تعبر عن أبعاد الفقر .
1-دخل اعلى ومستدام من العمل للفقراء
2-تحسين المستوى الصحي
3-تحسين تعليم الفقراء
4-سكن ملائم وبيئة مستجيبة للتحديات
5-حماية اجتماعية فعالة للفقراء
6-الأنشطة المستجيبة للطوارئ
وقد كان الهدف العام من هذه الاستراتيجية تقليل نسب الفقر بنسبة 25% بحلول عام 2022 , وقد حققت هذه الاستراتيجية جزءاً من أهدافها ” إنشاء الصندوق الاجتماعي للتنمية , وتنفيذ بعض المشاريع الصحة والتعليم والإسكان والقروض الصغيرة ” إلا أنها لم تصل الى المستهدف بخفض الفقر بنسبة 25% بحلول 2022.
الاستراتيجية الثالثة (2025-2029)
تنطلق هذه الاستراتيجية لمكافحة الفقر بناءً على المسح الاجتماعي والاقتصادي للأسر في العراق لسنة 2023 ونتائج التعداد العام للسكان، الرؤية والأهداف الرئيسة لهذه الاستراتيجية خفض نسبة الفقر الى ما دون 10% بحلول عام 2029, جعل ذلك التزام وطني واخلاقي تجاه الفئات الهشة مع تعزيز مبادئ حقوق الانسان، التنمية المستدامة، العدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية تهدف الى تحويل الفقراء الى شركاء فاعلين في التنمية من خلال التمكين الاقتصادي وبناء القدرات.
وقد بنيت هذه الاستراتيجية على سبعة محصلات هي
1-الصحة: تحسين الخدمات الصحية في المناطق الفقيرة
2-السكن: إعادة تأهيل العشوائيات وبناء وحدات سكن اقتصادية
3-التعليم: بناء مدارس، محو الأمية، برامج تغذية مدرسية، تمكين الفتيات والشباب
4- الدخل والغذاء: مشاريع مدرة للدخل، قروض صغيرة، دعم زراعي، أمن غذائي
5-رعاية كبار السن وذوي الإعاقة: برامج دعم خاصة وإدماج اجتماعي
6- الأطفال وتمكين النساء: حماية الأطفال، برامج تمكين اقتصادي واجتماعي للنساء
7- التعامل مع آثار التغيرات المناخية ومواجهة الطوارئ: أوبئة كوارث برامج مرونة وإغاثة سريعة
هذه الاستراتيجية تعد أكثر شمولاً ولا يمكن التحقق من نجاحها او اخفاقها إلا بعد كمال المدة الزمنية لها .
أسباب فشل استراتيجيات مكافحة الفقر
بالرغم من امتلاك العراق الموارد والإيرادات المالية التي يفترض أن تساعد على نجاح هذه الاستراتيجيات الخاصة بمكافحة الفقر إلا ان هذه الاستراتيجيات لم تحقق أهدافها الرئيسية ويمكن تقسيم هذه الأسباب التي أدت الى عدم نجاح هذه الاستراتيجيات الى ثلاث فئات (سياسية , اقتصادية , اجتماعية )
الأسباب السياسية
1-المحاصصة الطائفية والعرقية في توزيع المناصب والموارد مما حول هذه الاستراتيجيات الى أدوات زبائنية للأحزاب بدلا من ان تكون برامج وطنية .
2-عدم الاستقرار السياسي وتغيرات الحكومات المتكرر مما يؤدي الى توقف المشاريع وتغيير الأولويات مع كل حكومة جديدة
3-ضعف الحوكمة والمؤسسات حيث سيطرة الولاءات الحزبية على التعينات بدلاً من الكفاءة
4-الصراعات السياسية حول السلطة والموارد
5- غياب الإرادة السياسية الحقيقية للإصلاح حيث يفضل الانفاق التشغيلي على الاستثماري
الأسباب الاقتصادية
1-الاعتماد المفرط على النفط وتبني نظام اقتصادي ريعي مما جعل الاقتصاد عرضة لتقلبات الأسعار العالمية .
2- عدم وجود احتياطي استراتيجي او صندوق سيادي فعال لتمويل هذه الاستراتيجيات في أوقات الازمات
3-سوء الإدارة حيث يتحول التمويل المخصص للمشاريع الى نفقات تشغيلية او يهدر في الفساد
4-ضعف القطاع الخاص والاستثمار بسبب البيروقراطية والفساد مما جعل بيئة غير جاذبة للاستثمار
5-عدم تنويع الاقتصاد حيث عطلت كافة القطاعات الاقتصادية الأخرى الزراعة الصناعة
6- السياسة النقدية والتدخل الحكومي فيها دون إدراك مخاطر التقلبات في تخفيض قيمة الدينار والتضخم
الأسباب الاجتماعية
1-عدم الاستقرار الأمني والنزوح كما حدث في 2014 الى 2017 بسبب سيطرة داعش الإرهابي على محافظات مما تسبب بأزمة نزوح كبيرة تقدر بثلاثة ملايين نازح .
2-النمو السكاني السريع الهبة الديموغرافية مما يزيد الضغط على الخدمات وفرص العمل
3- فشل الخدمات الصحية والتعليمية في المناطق الفقيرة خصوصاً المناطق الريفية وفي الجنوب
4- التفاوت الجغرافي الشديد في نسب الفقر حيث ترتفع معدلا الفقر في المحافظات الجنوبية بشكل كبير مع تركز الثروة النفطية فيها
5-تأثيرات التغيرات المناخية الجفاف والملوحة والهجرة من الريف الى المدينة ومن الجنوب الى الوسط
الخاتمة
يمثل الفقر في العراق أحد أكثر الإشكاليات الأخلاقية والإنسانية الناتجة عن فقدان العدالة وانحراف في القيم والمبادئ ففي العراق الفقر ليس فقراً في الثروة والموارد الاقتصادية بل فقراً في العدل والكفاءة والنزاهة.




