تأثير التكنولوجيا الرقمية في السيادة الوطنية للدول

      التعليقات على تأثير التكنولوجيا الرقمية في السيادة الوطنية للدول مغلقة

ا.م.ميثاق مناحي العيسى/ قسم الدراسات السياسية – مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

          أصبحت التكنولوجيا الرقمية محورًا جوهريًا في خريطة القوى العالمية، إذ أخذت تسهم في إعادة صياغة موازين القوى بين الدول، وتشكيل تحالفات جديدة، فضلًا عن توليد تهديدات خفية، يصعب التعامل معها بالطرق التقليدية. أوجد هذا التحول واقعًا جديدًا، تخرج فيه الصراعات من إطار الدول المتقدمة، لتشمل أطرافًا أخرى غير حكومية، مثل الشركات الكبرى، والجماعات المنظمة، وحتى أفراد يمتلكون دعمًا تقنيًا. ولذلك، توسعت دائرة المنافسة، وزادت تعقيدًا، وتشابكًا. حتى صارت »التكنولوجيا الرقمية« أكثر من مجرد وسيلة، لتعزيز قدرات الردع، والدفاع. فهي اليوم تؤدي دورًا رئيسًا في رسم مسارات الصراعات، والتأثير في نتائجها، من دون الحاجة إلى أي مواجهة مباشرة. ولعل ما حصل في الحرب الروسية – الأوكرانية، وحرب الـ(12) يومًا بين الكيان الصهيوني، وإيران، خير دليل على ذلك. فالقوة في العصر الحالي، لم تعدّ تُقاس فقط بامتلاك السلاح النووي، أو التفوق العسكري التقليدي، بل باتت ترتكز على السيطرة على المعلومات، وصياغة الروايات المؤثرة، واختراق الخصوم، باستخدام وسائل رقمية فائقة التطور؛ مما زاد من حجم التحديات أمام الدول، في الحفاظ على سيادتها الوطنية. إذ أسهمت التكنولوجيا الرقمية، في إعادة تشكيل المفاهيم التقليدية، المرتبطة بالسيادة، والقوة، فلم يعد معيار التفوق يعتمد حصريًا على حجم الجيوش، أو قوة الاقتصاد، بل يرتكز أكثر على امتلاك بنية تحتية رقمية متطورة، تضمن الأمن، وتعزز القدرة على إدارة تدفق المعلومات، والتحكم في البيانات. وأصبح مفهوم »السيادة الرقمية« أحد المؤشرات الأساسية، التي تعكس قوة الدول، إذ يشير إلى قدرتها على حماية فضائها السيبراني من الاختراقات، وإدارة محتوى منصاتها، ومستخدميها، وضمان استقلالية أنظمتها المعلوماتية. على سبيل المثال، تسعى دول مثل الصين، والولايات المتحدة، إلى تطوير منظومات رقمية مغلقة، أو شبه مغلقة، لتعزيز السيادة الرقمية، والحد من التأثيرات الخارجية، مما يرسخ السيطرة الداخلية. وبالمثل، تنظر بعض الدول إلى الشركات التقنية العالمية، كأدوات تُستخدم لتحقيق أهداف سيادية، إذ يُعدُّ التحكم بالمعلومات، بمنزلة عامل استراتيجي يماثل أهمية الردع العسكري.

وعلى الرغم من التراجع التدريجي الذي تعرض له مبدأ السيادة الوطنية، إلا أنَّه ظلَّ يشكِّل أساس التنظيم الدولي الحديث. لذلك كان من المهم التفريق بين السيادة كمفهوم قانوني، الذي يتمثل في الاعتراف القانوني بحق جميع الدول، في حماية مصالحها الوطنية، وبين السيادة كواقع سياسي، الذي يعبر عن القدرة الفعلية للدولة على فرض إرادتها، وتحقيق أهدافها على الساحة الدولية. إلا أنَّ هذا التمايز، أخذ يتعرض للانحسار، والتهديد، والتآكل؛ نتيجة التطور التكنولوجي، ولاسيَّما في مجالات الرقمنة الإلكترونية، والفضائية، والصراعات السيبرانية. إذ أعاد التحول الرقمي، تشكيل المفهوم التقليدي للسيادة، الذي كان يركز في السيطرة المادية للإقليم، والموارد، والسكان. وأصبحت السيادة اليوم ترتبط ارتباطًا كبيرًا بإدارة البيانات، والتحكم في الشبكات، والبنية التحتية الرقمية. ولم يعدّ بالإمكان مناقشة الأمن القومي، من دون استحضار مفهوم الأمن السيبراني، الذي يغطي حماية المؤسسات الحكومية، والبنوك، والمرافق العامة، ووسائل الإعلام، من التهديدات المتمثلة بالاختراق، والتخريب أو التجسس. فقد أحدثت التكنولوجيا الرقمية، تغيُّرات جذرية في طبيعة الصراعات الدولية، إذ لم تعدّ الحروب تقتصر على الجبهات التقليدية، بل انتقلت إلى ساحات السيبرانية التي تشمل الأنظمة المعلوماتية، والبنى التحتية الرقمية. هذا التحول أوجد تحديات غير مسبوقة، للمفاهيم التقليدية للقانون الدولي، والسيادة الوطنية، وأصبحت الدول تواجه تهديدات إلكترونية، قد تحمل آثارًا مدمرة، تفوق في خطورتها الضربات العسكرية المباشرة. وفي ظل هذا الوضع المتغيِّر، تبرز الحاجة إلى إعادة تقييم، مدى توافق القواعد القانونية الدولية الحالية مع هذه المستجدات، إلى جانب إثارة تساؤلات جديدة، حول مدى قدرة الدول على الحفاظ على سيادتها، وأمنها، في عالم يشهد تداخلًا كبيرًا بين السيادة، والبيانات، والبرمجيات الافتراضية. لاسيَّما أنَّ الفضاء السيبراني، أصبح عبارة عن ساحة صراع مستقلة بذاتها، إذ تتنافس الدول على فرض الهيمنة الرقمية، عن طريق عمليات قرصنة، واستهداف للبنى التحتية الرقمية للخصوم. فالهجمات السيبرانية، قد تُستخدم لتعطيل أنظمة الاتصالات، أو شبكات الكهرباء، أو لسرقة معلومات استخباراتية. كما باتت الحروب السيبرانية، عنصرًا تكتيكيًا في الاستراتيجية الدفاعية، والهجومية للدول، يُنفذ عن طريق فرق متخصصة، أو عبر توظيف مرتزقة رقميين. وتمثل عمليات “الهجوم المضاد السيبراني” وجهًا جديدًا للصراع، إذ تبادر الدولة إلى الرد الفوري على الهجمات، عبر استهداف مماثل في العمق الرقمي للخصم، مما يؤدي إلى تصعيد غير مرئي، ولكنَّه شديد التأثير. وتعاني الدول في وقتنا الحاضر، من تحديات معقدة؛ نتيجة لتلاشي الحدود بين الداخل، والخارج، وذلك بفعل الهجمات الإلكترونية، التي يتم تنفيذها عبر الإنترنت، وتتجاوز القيود المادية التقليدية؛ مما أدى إلى تقويض مفهوم “السيادة المطلقة ضمن الحدود”. فقد أصبح من الصعب على الدول، فرض سيطرة كاملة على فضائها السيبراني، وتتفاقم هذه المشكلة عندما تكون التهديدات صادرة عن جهات غير حكومية، مثل الجماعات المسلحة، أو مجموعات القراصنة، أو الشركات الخاصة، التي تتبنى أهدافًا سياسية، أو أمنية، أو ايديولوجية.

في هذا السياق، أصبح من المهم للغاية، أن تعمل الدول على بناء سيادة رقمية، تمكّنها من تأمين الفضاء السيبراني الوطني، وضمان استقلالية القرار في المجال الرقمي، إلى جانب الحد من أي تدخل خارجي عبر المجال المعلوماتي. وقد بدأت العديد من الدول بالفعل، باتخاذ خطوات ملموسة في هذا الاتجاه، مثل إنشاء شبكات إنترنت خاصة، تُعرف »بالإنترنت السيادي«، كما هو الحال في روسيا، أو فرض قيود على انتقال البيانات الدولية، بهدف تعزيز أمنها الرقمي.

ويعدُّ العراق من البلدان المتأخرة في هذا المجال، إذ تواجهه الكثير من التحديات في مختلف المستويات، سواء السياسية، أو الاقتصادية، أو الأمنية، والاجتماعية، ولعل ضعف البنية التحتية الرقمية، وقصور التشريعات، والقوانين، المتعلقة بهذا الجانب، وتصاعد التهديدات السيبرانية، وقصور الوعي، ونقص الكفاءات، وضعف التنسيق الجماعي بين المؤسسات المعنية، فضلًا عن عدم الاستقرار السياسي، يأتي في مقدمة التحديات، التي تجعل من العراق متأخرًا في هذا المجال. ولاسيَّما أنَّ المجال الرقمي يشهد تناميًا سريعًا، يزيد من حجم المخاطر التي تهدد البنية التحتية، والخدمات الحيوية. وهذه التحولات تتطلب أن تكون هناك استراتيجيات وطنية فعَّالة، وتحديث مستمر للتشريعات الوطنية؛ لتتماشى مع المتغيرات العالمية، والإقليمية “على أقل التقادير”، فضلًا عن تطوير الكفاءات البشرية، وتقوية التعاون الدولي. كما يعدُّ الاستثمار في التقنيات الحديثة، مثل الذكاء الاصطناعي، ضروريًا لتعزيز أمن الفضاء السيبراني العراقي، وتأمينه ضد المخاطر المستقبلية.