حرب الطاقة الاوكرانية الروسية

      التعليقات على حرب الطاقة الاوكرانية الروسية مغلقة

ترجمة م.م لبنى عادل عبد الرحمن

الكاتب : كونستانت ميهوت

الناشر: صحيفة النيويورك تايمز

التاريخ : 26 تشرين الأول 2025

          يخوض الطرفان روسيا وأوكرانيا حرب شرسة من نوع آخر بعيدًا عن جبهات القتال التي وصلت إلى طريق مسدود الى حد كبير،  و يراهنان على مهاجمة منشآت الطاقة لكسر الجمود في تلك الساحات، إذ اصبح هذا الصراع أكثر وضوحًا في الاسبوع الماضي، بينما اعلنت الولايات المتحدة و اوروبا عقوبات جديده شاملة على صناعة النفط في روسيا, والذي يعد عصب الحياة لآلة الحرب الروسية .

         تلجأ أوكرانيا أيضا الى ما يسمى بـ : “العقوبات بعيدة المدى”  والتي تشمل الهجمات بطائرات مسيرة، وهذه الهجمات الحقت الاضرار بعشرات المصافي حيث تقوم فيها روسيا بتكرير النفط الخام الى وقود، وبالنسبة لروسيا , فإن الهدف مرة اخرى البنية التحتية للكهرباء والغاز في اوكرانيا ، إذ تمت المهاجمة في حملة مدمرة تهدف إلى شل حركة الاقتصاد، وتقويض المعنويات مع اقتراب فصل الشتاء. ومن غير المؤكد في ما إذا كان الطرفان سيتنازلان في وقت قريب لكن المحللين يقولون إن كلاً منهما ينظر إلى هجماته على قطاع الطاقة كورقة ضغط استراتيجية في صراع مستمر منذ ما يقارب أربع سنوات .

التصعيد في الشتاء:

      تواصل القوات الروسية كسب الاراضي، وإن كان ذلك ببطء شديد و تكلفة باهظة, ومن المتوقع أن تواصل تلك القوات تقدمها في ساحة المعركة، لكن بما إن الشتاء يبطئ من وتيرة القتال البري، و الغطاء النباتي المتناثر الذي يضعف من توفير الحماية للقوات، وبرودة الطقس الشديدة التي تجهد حركتهم ومعداتهم، فمن المرجح إن حرب الطاقة ستظل هي الساحة الأكثر نشاطًا في الصراع  خلال الأشهر المقبلة.

       من جهة أخرى فقد سعت العقوبات السابقة إلى حرمان موسكو من شريانها الحيوي الاقتصادي ألا و هو صناعة الطاقة التي تنتج مئات الملايين من الدولارات يوميًا، لتفرض مجموعة الدول السبعة حدًا اقصى لسعر النفط الروسي عام 2022, لكن روسيا تجاوزت تلك الخطوة عبر بيعها للنفط للدول كالصين والهند. بيد إن العقوبات الاخيرة التي فرضها الرئيس ترامب على شركتي النفط الروسيتين لوك اويل و روزنفت تتجاوز الاجراءات السابقة، إذ من خلال إدراج الشركتين على القائمة السوداء يهدد ترامب بمعاقبة أي شركة تتعامل معهما حول العالم، و من المتوقع إن هذا سيحث العملاء الرئيسيون _ مثل الهند _ لتقليص وارداتهم، والحرمان من هذه الموارد المالية قد يكون أكثر صعوبة بالنسبة لروسيا لتعويض المعدات المفقودة في ساحة القتال ودفع مبالغ مالية كبيرة لمجندي جيشها، وفي هذا إشارة للضغوطات الاقتصادية المتزايدة على روسيا فمن المتوقع أن تنخفض نفقات البلاد العسكرية في العام المقبل, و للمرة الاولى منذ بداية الحرب أقّر رئيس روسيا فلاديمير بوتين إن ضررًا سيلحق بالاقتصاد الروسي نتيجة العقوبات الاقتصادية عليه، لكنّه اصّر على إنّ هذه العقوبات لن تتحكم بحسابات الكرملين فيما يخص الحرب .

 وصرح ترامب  حول العقوبات الروسية بأن تبعاتها على الاقتصاد الروسي ستظهر في غضون ستة أشهر من بدأها و حالما تبدأ تأثيراتها فإنّ الرئيس الروسي بوتين قد يغير رأيه، فضلا عن إنّ الحرب الاقتصادية , والضربات الاوكرانية بعيدة المدى على معامل التكرير كانت قد دمرت أو الحقت الضرر في الشهر السابق بحوالي 20 بالمئة من سعة تكرير النفط الروسية وفقا لاحد المحللين، والتي تسببت بشحة كبيرة في البنزين في مناطق روسية عدة, إذ تحاول اوكرانيا جعل الشعب الروسي العادي ان يعاني من ويلات الحرب.

اضعاف المعنويات

     بينما تضغط اوكرانيا وحلفاؤها على روسيا في مجال الطاقة, كثفت موسكو ضرباتها العسكرية على البنية التحتية الاوكرانية للطاقة، والهدف بحسب الخبراء هو ترك العديد من الناس في البرد والظلام، واضعاف المعنويات وشل حركة النشاط الاقتصادي.  فقد شرعت روسيا هذا الشهر بفرض قطع مفاجئ للكهرباء حول البلاد للتعامل مع قصور الكهرباء الناتج عن الهجمات على محطات توليد الكهرباء والمحطات الفرعية الاخرى التابعة لها. في حين أن الهجمات الروسية على البنية التحتية للكهرباء في اوكرانيا ليست حديثة العهد, ولاسيما مع بداية فصل الشتاء, إذ إنّ الطلب على الطاقة يبلغ ذروته, ومع مرور الوقت تأقلم الاوكرانيون مع الوضع, بالاعتماد على مولدات الكهرباء الصغيرة وبطاريات لتدبير امور معيشتهم، مع ذلك هذا العام وسعت روسيا حملتها لتوجيه ضربة للبنية التحتية لمحطات الغاز الاوكرانية, والتي تزود كثير من أنظمة التدفئة في البلاد، فالهجمات الحديثة على منشآت الغاز أدّت إلى تعطيل نحو 60 بالمئة من قدرة انتاج الغاز في اوكرانيا ، فضلا عن العديد من المحطات اللازمة لضخ الغاز من خلال الأنابيب وذلك بحسب مسؤول أوروبي.

     وقد أرجأت العديد من المدن تشغيل أنظمة التدفئة المركزية في الابنية السكنية  لتتكيف مع شحة الغاز، بينما تزداد المخاوف وذلك يعود إلى إن العديد من الأسر قد تعاني قلة التدفئة الكافية هذا الشتاء في بلد تصل درجة الحرارة   فيه تحت الصفر  ومن المكن أن تستمر هذه الدرجة المنخفضة  لأسابيع عدة .

    لقد شاهدنا شيئًا مماثلاً من قبل، إذ  لدى روسيا خبرة ذات باع طويل في التصدي للعقوبات,و اوكرانيا تدرك كيف تتعامل مع الشتاء القارس تحت الظروف القاسية، لكن مع تجمد محادثات السلام وجبهات القتال , فقد قرر الطرفان كلاهما بأن حرب الطاقة هي أفضل فرصة تمكنهما من تحقيق مكاسب في الحرب المشتعلة بينهما.