
أ.م. علي مراد النصراوي
مركز الدراسات الاستراتيجية/ قسم إدارة الأزمات
تشرين الثاني/ 2024
مع تصاعد وتيرة الحرب التي يشنّها الكيان الصهيوني، على غزة من جهة، وجنوب لبنان من جهة أخرى، وعلى أثر دخول الحرب عامها الثاني، والتي بدأت في السابع من أكتوبر من عام 2023، بعد أن شنَّت فيه حركة حماس هجومها الكاسح، بالضد من الكيان الصهيوني، والذي مثَّل صدمة للأخير، نتيجة عنصر المباغتة أولاً، ودقة الهجوم ثانيًا، وحجم خسائر العدو ثالثاً، إلا أنَّ ردة الفعل الاسرائيلية كانت -كالعادة- عبر شنّ هجوم جوي، استهدف كل ما هو يسير على الأرض في القطاع، من مبانٍ، ومدنيين، ومستشفيات، ومدارس، وبنى تحتية، بصورة عبثية، عبر استخدام مئات الطائرات، وصولاً للبدء بحرب برية دخلت عامها الثاني، دون تحقيق كامل أهداف الحرب، التي وعد بها رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو.
وفي خضم حرب الإبادة الجماعية في غزة، وسط عجز المجتمع الدولي عن إيقاف تلك المجازر، أو اتخاذ أي موقف جاد، لمعاقبة الاحتلال الاسرائيلي على جرائمه تلك، نستذكر هنا ما حدث بعد عام 1992 في البوسنة والهرسك، إذ وصفت بمجزرة العصر في تلك المدة، لكن ماذا حصل؟
كانت القصة قد بدأت عند انهيار الدولة العثمانية، التي كانت تسيطر على يوغسلافيا، والتي كانت البوسنة والهرسك من ضمنها، فيما كانت ذات أغلبية مسلمة. فوفقاً لتعداد عام 1991، عدَّ (44٪) من السكان أنفسهم مسلمين (بوسنيين)، و(32.5٪) صربيين، و(17٪) كرواتيين، و(6٪) يصفون أنفسهم بأنهم يوغوسلافيين. وفي نهاية المطاف تفككت يوغسلافيا إلى كرواتيا، وصربيا، وسلوفينيا، والبوسنة، والهرسك. ما يهمنا هنا هو الأخيرة، التي غالبية سكانها من المسلمين، وعندما أرادت الاستقلال عن صربيا حدثت الكارثة، إذ تدخلت كرواتيا من جهة والصرب من الجهة الأخرى. فقد رفض الصرب فكرة استقلال البوسنة عنهم، وشرعوا بعمليات عسكرية وحشية، وبالرغم من أنَّ البوسنيين شكلوا وحدات قتالية لمواجهة الصرب. أخيرًا تدخلت الأمم المتحدة لفرض مناطق آمنة بعد مجازر مروعة.
وقامت الأمم المتحدة بنشر وحدات حماية دولية، من الوحدة الهولندية في مدينة سريبرينتشا، وعدَّتها منزوعة السلاح. وما إن اطمأن الأهالي، وقاموا بتسليم أسلحتهم، حتى بدأت الكارثة، إذ عملت وحدات صربية شبه عسكرية، فضلا عن الجيش الصربي، باقتياد الرجال من مخيمات اللجوء، وعزلوا الأطفال، والكبار عن النساء، وقاموا بقتل قرابة الـ (8) آلاف رجل، واغتصبوا آلاف النساء، وعدَّت مذبحة التاريخ في عام 1995.
وبعد أكثر من أربع سنوات من المعاناة، والقتل، والتشريد، وحرب الإبادة ضد المسلمين، أخيرًا تدخلت الأمم المتحدة، وبدأ الناتو بقصف الصرب، وطردهم إلى أماكنهم. فيما تقدمت وحدات من البوسنة، لفرض سيطرتها، لكن بعد ماذا؟ بعد الجريمة المروعة التي هزت التاريخ في حينها، ولم يتم الاعتراف بها حتى عام 2007، على أنَّها جريمة إبادة جماعية. وفي 2017 جرى محاكمة الشخوص المتهمين بتلك المذبحة.
في هذا السياق، فإنَّ الحادثة لو كانت قد جرت في موقع آخر، أو جهة مقربة، أو حليفة للولايات المتحدة الأمريكية، لكان الوضع مختلفًا. ونحن اليوم نناقش ما يحدث في غزة ولبنان، ففي غزة حصار مطبق، ومنع ادخال المساعدات، فضلًا عن أكثر من (40) ألف شهيد، وأكثر من (100) ألف مصاب، وتهديم لكل البنى التحتية، وقتل للأطفال، وأبشع الجرائم تحدث الآن في غزة. أين المجتمع الدولي؟ وأين الأمم المتحدة؟ وأين مجلس الأمن؟ وأين محكمة العدل الدولية؟ ماذا لو كان الأمر معكوسًا؟
من جانب آخر، ألغى الكيان الصهيوني اعترافه بمنظمة الاونروا، وهي منظمة دولية لغوث اللاجئين وتشغيلهم، إذ وصل الأمر بالكيان لهذه الدرجة من الاستخفاف بالمجتمع الدولي، فيما لم نسمع أي ردة فعل تتناسب وحجم الكارثة، وكل ما حصل في البوسنة، والآن في غزة، ولبنان، تتحمله الولايات المتحدة الأمريكية، لأنَّها دائماً ما تحول دون أن يمارس المجتمع الدولي دوره، لاسيَّما في غزة، فهي تجامل الكيان الصهيوني، وتدعمه بكل ما يحتاجه، فضلًا عن الغطاء الدولي.




