
أ.م.د فراس حسين علي الصفار
باحث في قسم إدارة الأزمات
مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء
9 كانون الأول 2024
تؤدي العوامل الاقتصادية دورًا أساسيًا ومهمًا، في العديد من الأحداث الإقليمية والعالمية، ولعل خط الغاز القطري التركي، واحد من الأسباب الأساسية في أحداث سورية، إذ تمَّ اقتراح هذا الخط عام 2009 من قبل قطر، ليقوم بنقل الغاز من قطر باتجاه تركيا مرورًا بالسعودية، والأردن، ليتم تصديره لدول أوروبا. بالمقابل كان هناك مقترح لخط غاز ثانٍ تم اقتراحه من إيران عام 1989، لتصدير الغاز عبر سورية مرورًا بالعراق.
المشكلة تتعلق بالمنافسة بين الخطين، والتي لم يتم تنفيذهما بعد، فبينما يعتمد خط قطر تركيا على تغير الحكم في سوريا، نتيجة تعارضه مع المصالح الروسية، الداعم الأكبر لنظام الحكم، منذ اندلاع الأحداث في سورية 2011، إذ إنَّ تصدير الغاز عن طريق هذا الخط، سيقلل الاعتماد الأوروبي على الغاز الروسي، ويزيد الضغط عليها، لاسيَّما مع استمرار العقوبات الأمريكية الأوروبية، إذ يعدّ هذا الخط أقل من حيث المسافة والأسعار.
في حين يعاني الخط الثاني من مشكلات تعقيد تنفيذه، تتمثل بتكاليف التنفيذ، واستقرار الدول التي يمر بها الخط، فضلاً عن العقوبات الدولية على إيران، والذي يعد العامل الحاسم في صعوبة التنفيذ.
إنَّ تنفيذ مشروع خط الغاز الإيراني، من شأنه أن يجلب لها منافع اقتصادية كبيرة، عن طريق تحويلها إلى ثاني أكبر مصدِّر للغاز الطبيعي في العالم، وتعزيز علاقاتها مع الغرب بعد سنوات من العقوبات الاقتصادية، فضلًا عن زيادة تأثيرها في العالم العربي عبر سوريا، والعراق، ولبنان.
إنَّ الهدف من إنشاء هذين المشروعين، هو تصدير الغاز لدول الاتحاد الأوروبي، من حيث الاستثمارات المباشرة، وتقليل الاعتماد على الغاز من روسيا. لكن يبقى مشروع خط أنابيب قطر-تركيا، مفضلاً للاتحاد الأوروبي، بالنظر إلى التوتر المستمر بين الغرب وإيران. إذ إنَّ الشركات الأوروبية هي أكبر شركاء قطر وإيران في حقلهما المشترك، إذ قامت قطر باستقطاب “توتال” الفرنسية، و”شيل” الألمانية، لتطوير الجزء الخاص بها. وفي المقابل، وبعد رفع العقوبات الاقتصادية عن إيران، قامت “توتال” بتوقيع عقود استثمار مع طهران، في أعقاب زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني، إلى باريس مطلع عام 2016، ولقائه الرئيس الفرنسي السابق فرانسوا أولاند. في تشرين الثاني من العام ذاته، وقعت “توتال” اتفاقًا قيمته (4.8) مليار دولار، (أو ما يعادل (4.3) مليار يورو)، لتطوير حقل جنوب فارس بالشراكة مع شركة صينية، وأخرى إيرانية، مع الاحتفاظ بما نسبته (50.1%) من المشروع.
إذا ما تم تنفيذ أحد المشروعين السابقين، وخط أنابيب قطر-تركيا على وجه التحديد، فسيكون بمقدور أوروبا استيراد الغاز من قطر، والذي هو أرخص بنحو ثلاث مرات، من ذاك الذي تصدّره روسيا، كما أنَّ مثل هذه التغييرات، ستحرّر القارة الاوربية من اعتمادها على الغاز الروسي. فضلًا عمَّا سبق، فإنَّ زيادة صادرات الغاز من إيران، وقطر، سوف تؤدي حتمًا إلى تخفيض الأسعار، وهو ما سيؤثر سلبًا في الاقتصاد الروسي، الذي يعتمد جزء كبير من إيراداته على تصدير الغاز. لذلك نلحظ أنَّ كل العقوبات الاقتصادية التي فُرضت على روسيا، لم تشمل قطاع الغاز، بسبب احتياج أوروبا له، فبقدر ما تحتاج روسيا إلى تصديره، فإنَّ الدول الأوروبية تحتاج إلى استيراده، فروسيا تصدّر سنويًا نحو (150) مليار متر مكعب، من الغاز إلى الأسواق الأوروبية، وهو ما يمثّل ثلث احتياجات القارة، بقيمة تصل إلى (50) مليار يورو. هنا تجدر الإشارة إلى أنَّ صادرات النفط، والغاز، تشكّل ثلثي إيرادات روسيا من صادراتها، وفقاً لما أظهرته البيانات التي نشرتها إدارة معلومات الطاقة الأمريكية. على الجانب الآخر، تعدُّ ألمانيا من أكبر مستوردي الغاز الطبيعي من روسيا.
الخلاصة:
إنَّ تغير النظام في سورية يوم 8 تشرين الثاني 2024، قد مهد الطريق لإنشاء خط نقل الغاز قطر- تركيا، ولعل أهم أسباب التغير هو العامل الاقتصاد للمستفيدين من المشروع، بالمقابل أكثر المتضررين من تغير النظام هم إيران، وروسيا، لما يمثل إنشاء المشروع تهديدًا لمصالحهم الاقتصادية في المنطقة. كما أنَّ إنشاء كلا المشروعين يعتمد على الاستقرار في دول المنطقة، والذي يعتقد أنَّه سيكون العامل الحاسم المستقبلي، في ظل تزايد نفوذ الكيان الصهيوني في المنطقة، ومحاولة إعادة رسم المصالح الاقتصادية في المنطقة، بما يخدم مصالح الولايات المتحدة، وتركيا، والكيان الصهيوني.




