
م.د. وسام حصن جواد
قسم إدارة الأزمات- مركز الدراسات الاستراتيجية
في التاسع من تموز 2025، أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فرض رسوم كمركية بنسبة (30%) على السلع المستوردة من العراق إلى الولايات المتحدة، ابتداءً من 1 آب 2025، ما لم يتم التوصل إلى اتفاق تجاري جديد. جاء القرار في إطار سياسة ترامب التي باتت تُعرف بـ “الحرب التجارية المعمقة”، والتي تسعى، بحسب تصريحاته، إلى “تصحيح الخلل في الميزان التجاري الأمريكي”. وهي رسالة اقتصادية بالدرجة الأولى، لكنَّها لا تخلو من أبعاد سياسية، الرسائل الجديدة تستهدف شريحة من الدول ذات العجز التجاري الصغير، بما فيها العراق، وتشمل الجزائر، وليبيا، وسريلانكا، بـ (30%)، وبروناي، ومولدوفا، بـ (25%)، والفلبين بـ (20%).
على الرغم من أنَّ العراق لا يُعدُّ من كبار المصدّرين للولايات المتحدة، إلا أنَّ هذه الخطوة تحمل أبعادًا اقتصادية، وسياسية، مهمة، لاسيَّما في ظل محاولات العراق المستمرة، لتنويع مصادر دخله خارج القطاع النفطي، ومن المتوقع أن تؤثر هذه الرسوم في قطاعات عدة، مثل: الزراعة، والصناعات الخفيفة، التي وجدت في السوق الأمريكية متنفسًا نسبيًا خلال السنوات الماضية.
اقتصاديًا، من المرجح أن تؤدي هذه الخطوة إلى تقليص الصادرات العراقية، وزيادة كلفة الإنتاج، وتراجع قدرة المنتج المحلي على المنافسة، فالصادرات غير النفطية العراقية (الحبوب، والمنتجات الزراعية، والصناعات الخفيفة)، ستصبح أقل قدرة على المنافسة بالسوق الأمريكي، مما قد يؤدي إلى تراجع حجم الصادرات إلى هناك.
تشكّل الرسوم تحديًا لاستراتيجية تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، مما يعزز الاعتماد على مصادر أخرى للسوق، إذ ارتفاع المخاطر في السوق الأمريكية، قد يُثني بعض المصدرين العراقيين عن الانخراط في عمليات تصديرية، ويطرح تساؤلات حول الاستقرار الاقتصادي. إلا أنَّ الرسوم لن تطال النفط الخام (النفط العراقي لا يُفرض عليه رسوم واردة إلى السوق الأمريكي)، وهو ما يقلل الأثر المباشر في الإيرادات الرئيسة للعراق.
أمَّا سياسيًا، فهي تعكس توجه إدارة ترامب في التعامل مع شركائها التجاريين، حتى أولئك الذين تجمعهم علاقات استراتيجية بأمريكا مثل العراق.
في المجمل، يعكس القرار الأمريكي تصعيدًا جديدًا في نهج الولايات المتحدة، ويضع العراق أمام اختبار دبلوماسي، واقتصادي، جديد، قد يتطلب تحركًا سريعًا، وموزونًا، لحماية مصالحه، هذا القرار يعكس استراتيجية أوسع من ترامب، لخفض العجز التجاري عبر فرض رسوم قاسية، وانعكاساته تتراوح بين المخاوف الاقتصادية، وفرصة لإعادة النظر في العلاقة التجارية العراقية–الأمريكية. وتأتي الرسوم أيضًا لتمويل خفض الضرائب، وتعزيز فرص العمل في الصناعة الأمريكية، على الرغم من التحذيرات من أنَّها قد تزيد معدلات التضخم، وتبطئ النمو الاقتصادي. لذا يجب على الحكومة العراقية، وعلى وجه السرعة، فتح حوار دبلوماسي مع واشنطن، لطلب إعفاء أو تأجيل القرار، والاستعانة بمنظمة التجارة العالمية، للطعن بالقرار قانونياً، ومن ناحية أخرى يجب تحسين جودة المنتجات العراقية، وكذلك تنوع الأسواق التصديرية، والبحث عن شركاء جدد، وإطلاق حملة إعلامية واسعة، لشرح الوضع العام، وطمأنة الرأي العام، لذا يجب التحرك بسرعة، وعلى أكثر من محور: دبلوماسي، واقتصادي، وقانوني، في الوقت نفسه، وكذلك يجب أن يعدّ العراق هذا الحدث، فرصة ليفكر جديًا في استقلاله الاقتصادي، وتنوع شراكاته التجارية.




