
أ.م. د علي مراد النصراوي/ قسم إدارة الأزمات
في أي دولة تتعرض للفوضى السياسية، سواء أكان ناجمًا عن انقلاب، أو ثورة، أو تغيير من الخارج، يؤدي ذلك إلى زعزعة استقرارها الداخلي، ومن ثَمَّ ينعكس ذلك بطبيعة الحال، على مجمل الأنشطة الأخرى، وأول ما يعاني من ذلك، هو تهديد تماسك النسيج الاجتماعي، لاسيَّما في دول الشرق الأوسط، التي تتميز بالتنوع الطائفي، والعرقي، والديني، والقومي. إذ عادة ما تبرز جماعات تطالب بالحقوق، وتحاول فرض ذلك بقوة السلاح، أو التلويح به، وهنا يظهر صراع البقاء للأقليات التي تتعرض للتهميش، أو العزل، أو تتعرض للإقصاء بقصد طائفي، أو قومي، أو عرقي.
وما بين تلك الفوضى، وغياب الاستقرار، يجد العامل الخارجي الفرصة سانحة، كي يثبت دوره سواء عبر التدخل المباشر، أو عن طريق ايجاد موطئ قدم له داخل هذه الدولة. وسوريا اليوم هي الخاصرة الهشة، التي تفتقد لأبسط مقومات الاستقرار، والأسباب هنا كُثر. فلو حدث التغيير في سوريا، مع بداية ثورات الربيع العربي عام (2011)، ربما تكون الأمور أكثر هدوءًا، على اعتبار أنَّ المعارضة في حينها، كانت تمثّل تيارات سياسية، وعلمانية، وكانت سلمية، إلا أنَّ الفواعل الإقليمية، وبعض الدول ذات التأثير، والوجود، في الداخل السوري، لم تسمح بذلك، وتحولت إلى ساحة للتصفيات، وظهور تنظيمات مسلحة عديدة، ودخول الارهابيين على خط الأزمة، كالقاعدة، وداعش، وجبهة النصرة.
أمَّا إقليميًا، ودوليًا، فتركيا تدخلت بقوة لدعم الجيش الحر، وغيره، في محاولة لإسقاط النظام الذي طالما كانت على خلاف معه لقضايا عدة، وبالوقت ذاته أرادت خنق التنظيمات الكردية، وصدّ أي محاولة للتمدد، أو الانفصال، في حين دعمت الولايات المتحدة الأمريكية، فصائل عدة في مقدمتها تنظيمات قسد الكردية، ومكنتها من فرض السيطرة على مواقع كثر، ذات وجود كردي، وعربي، وأماكن حقول النفط. في حين دعمت روسيا، وإيران، وفصائل عدة، النظام السوري السابق لأطول مدة، حتى اسقاطه في مطلع عام (2025)، والذي كان خسارة كبيرة للدول الداعمة للنظام. في حين استغل الكيان الصهيوني هذا الفراغ، ليدخل بقوة على خط الأزمة، ودمر آلاف الأهداف العسكرية، وشرع بالدخول إلى المناطق العازلة، وجبل الشيخ، والقنيطرة. أمَّا دول الخليج فرحبت بالتغيير الجديد، مع توجس كبير من تولي الجهاديين للسلطة هناك، إلا أنَّ ذلك لم يقف أمام إعادة إحياء العلاقات مع دمشق. أمَّا العراق فقد اتخذ سياسة محايدة إلى حدٍّ ما، وفقاً لمعطيات كثر.
وفي ظل الفوضى هناك، جرى تحييد العلويين، وهم أقلية كانت تحكم، عبر شنّ هجوم واسع على مناطق نفوذهم، مع تغذية ذلك بغطاء طائفي، وانتقامي، لفرض سياسة الأمر الواقع. في حين كررت تلك المجاميع هجومها، على منطقة السويداء ذات الغالبية الدرزية، في محاولة لتكرار مشهد الساحل السوري، إلا أنَّ الفصائل المحلية ردت وبقوة على تلك الهجمة. وقد أعلن الكيان الصهيوني دعمه للدروز، وأنَّه ينوي إبقاء مناطق الجنوب السوري، خالية من السلاح، والوجود العسكري، وهذا ما عقد الأزمة بعد أن شنَّ غارات على القوات المتقدمة، وحتى أنَّه استهدف مقر هيئة الأركان، ووزارة الدفاع، وحتى القصر الرئاسي، في أبشع صورة للتدخل، وفرض هيمنته المطلقة على سوريا. وحتى مع تجدد المواجهات ما بين العشائر المسلحة، والدروز، إلا أنَّ الوضع هناك هشّ للغاية، فكل مجموعة تحاول فرض مناطق نفوذ جديدة لها، وتفعيل الانتقام الطائفي، والقتل على الهوية، وهذا طبيعي في ظل وجود أكثر من (40) فصيلًا مسلحًا، وغالبيتهم فصائل إرهابية، وغير سورية، تسعى إلى تطبيق شريعة الغاب هناك، في حين أنَّ القوة التي تتبع الحكومة السورية، هي غير منظمة، ومخترقة من تلك الجماعات.
وبناءً على تلك المعطيات، وحجم التدخل الخارجي، وطبيعة الأطراف المتقاتلة، وما حدث مؤخرًا، كلها علامات تدل على أنَّ التقسيم، هو ما تطمح إليه غالبية الأطراف المتصارعة، بدعم خارجي. لكن الفواعل الإقليمية، والدولية، ليست كلها مع هذا المخرج، لاسيَّما تركيا، وأمريكا، وبعض دول الخليج، وفق رؤية تحاول لملمة شتات سوريا، وإبقائها موحدة، وهذا مكسب لعزل إيران، وحزب الله، والعراق.




