التهديدات الامريكية لإيران واستقرار الشرق الوسط.. قراءة في الأسباب والتداعيات

      التعليقات على التهديدات الامريكية لإيران واستقرار الشرق الوسط.. قراءة في الأسباب والتداعيات مغلقة

أ.م.د. حمد جاسم محمد

باحث في مركز إدارة الازمات / مركز الدراسات الاستراتيجية / جامعة كربلاء

 16 كانون الثاني  2026

      منذ فجر الحضارات إلى يومنا هذا، لم ينقطع اهتمام العالم بمنطقة الشرق الاوسط لما تمتلكه من أهمية استراتيجية واقتصادية، فهي تضم ثروة زراعية كبيرة، وطرق تجارية تربط الشرق بالغرب إلى جانب الثروات النفطية والمعدنية التي تزخر بها، و قد كانت منطقة تنافس قوية بين امبراطوريات الشرق مثل المغولية والفارسية والإسلامية والعثمانية والروسية القيصرية آنذاك، ثم بعد عصر الاستكشافات الجغرافية الاوربية أصبحت منطقة تنافس بين دول أوربية عدة مثل: بريطانيا وفرنسا والبرتغال وغيرها، وبعد سيطرة بريطانية فرنسية طويلة دخلت الولايات المتحدة الامريكية إلى المنطقة أول مرة بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنّ اهتمامها بالمنطقة بدأ بعد الحرب العالمية الثانية، واكتشاف النفط بكميات كبيرة ودخول الشركات الامريكية لاحتكار استخراج النفط وبيعه، ثم بعد ذلك تطور النفوذ الامريكي – بعد انسحاب بريطانيا عسكريا من المنطقة في سبعينيات القرن العشرين، إلى وجود عسكري دائم (بري وبحري) وحماية مصالحها بقوة ورفض أية قوة تحاول منافستها أو تهديد نفوذها ومصالحها و مقاومتها، كذلك منع أية دولة في المنطقة من بناء نظام سياسي مستقل بعيدًا عن النفوذ الامريكي، فقد جندت الولايات المتحدة جهاز استخباراتي كبير وأنظمة سياسية (تملك الثروة والمال) موالية لها لتمويل وجودها العسكري، ومحاولة زرع الشك والريبة بين الأنظمة السياسية في المنطقة (سياسة فرق تسد) من أجل ديمومة  وجودها واستمرار سيطرتها. ومن هنا كانت ايران الملكية من بين دول المنطقة التي تدين بالولاء للسياسة الامريكية وتحمي مصالحها ونفوذها مقابل دعم النظام الملكي الايراني بالأسلحة المتطورة واعطاءها دور في المنطقة (شرطي الخليج)، واستمر هذا الحال إلى عام 1979 وقيام الجمهورية الإسلامية الايرانية بإقامة نظام سياسي إسلامي، ليس مستقلا فحسب لكنه  بعيدًا عن النفوذ الامريكي، بل ومعادي لها وداعيًا إلى التحرر من هيمنتها، ورفض أي وجود  لها في المنطقة، كذلك دعا النظام الإسلامي في ايران إلى مقاومة الوجود الصهيوني في فلسطين وتحرير القدس، إذ عدت ايران والوجود الاسرائيلي في المنطقة سرطان لابد من ازالته، ودعت كذلك إلى مناصرة المظلومين في الأرض ضد الظلم والطغيان، وأممت النفط الايراني، وهو التأميم الثاني للنفط في المنطقة بعد تأميم العراق لنفطه، وقد دعمت ايران منظمات المقاومة في المنطقة مثل حزب الله في لبنان وفصائل المقاومة الفلسطينية، ووفرت لهم المأوى والدعم العسكري، أمّا علة مستوى الداخل الايراني فقد أسست ايران لنظام سياسي قوي متماسك قائم على أساس الشورى وولاية الفقيه، وانتخابات دورية لمنصب الرئيس ومجلس الشورى الإسلامي، وبناء قاعدة صناعية مدنية متقدمة شملت مختلف الاحتياجات، كذلك دورت صناعات عسكرية دفاعية متطورة أهمها الصواريخ البعيدة والطائرات المسيرة، واكتفاء ذاتي في أغلب المنتجات الغذائية الاستهلاكية، ونظام تعليمي متطور، كل هذا يعد ضربة كبيرة للولايات المتحدة ومصالحها ونفوذها في المنطقة، لذلك رأت الإدارات الامريكية المتعاقبة إن وجود نظام سياسي مستقل متطور وقوي في المنطقة يعد عامل عدم استقرار لمصالحها ونفوذها وأنموذجا يمكن أن يحتذى به في منطقة تعدها الولايات المتحدة الامريكية منطقة نفوذ خالصة لها. من هنا بدأت في استهداف ايران وبشتى الوسائل ابتدأًت بعمليات سرية واستخباراتية ثم اشغالهم في حرب مع العراق لأكثر من ثماني سنوات، وفرض عقوبات اقتصادية شديدة جدا، وفرض عقوبات على الشركات والدول التي تشتري النفط الايراني، وبعد اكتشاف البرنامج النووي الايراني لتخصيب اليورانيوم عام 2003 فرضت الولايات المتحدة مع حلفاءها الغربيين عقوبات اقتصادية شاملة وعقوبات على تسليح ايران شملت حتى قطع غيار الطائرات المدنية والادوية والغذاء والمصارف، كذلك التحريض الداخلي واثارة الشارع الايراني لأسباب اقتصادية أو قومية أو سياسية، وبعد أن فشلت الولايات المتحدة بالعقوبات أو من خلال المفاوضات ( ومنها اتفاق النووي عام 2015) في اجبار ايران على التراجع أو تغيير نظامه السياسي، اتجهت إلى الخطوة الأخرى وهي الأكثر أهمية وحساسية في المنطقة وهو التهديد العسكري المباشر، وتوجيه ضربات عسكرية بصورة غير مباشرة عن طريق الكيان الصهيوني، أو  مباشرة كما في ضرب المفاعلات النووية في حزيران 2025، وما زالت التهديدات العسكرية مستمرة ولاسيما خلال رئاسة إدارة الرئيس الامريكي (دونالد ترامب) وآخرها تحريك عدد من حاملات الطائرات والسفن صوب الشرق الاوسط والتهديد الصريح بدعم الاحتجاجات التي انطلقت في 28 كانون الأول 2025، والتدخل لصالح مثيري الشغب في ايران والعمل على تغيير النظام في ايران، ثم التهديدات العسكرية بتوجيه ضربات عسكرية الى مواقع عسكرية ومدنية ونفطية، كذلك تهديدات ترامب بقتل المرشد الأعلى في ايران. إن ما تقوم به الإدارة الامريكية الحالية من أعمال عسكرية في العالم تعد عمليًا الدعوة إلى الفوضى العالمية وإثارة الصراعات والنزاعات القومية والدينية، وتفتيت دول المنطقة، إن استعمال القوة العسكرية المباشرة أو التحريض المجتمعي في تغيير النظام السياسي في ايران سيكون له تبعات عديدة في المنطقة والعالم وأهمها:

1-   إن استعمال القوة العسكرية والتهديد بها واحتلال الدول من قبل الولايات المتحدة، كما في احتلال افغانستان والعراق، واختطاف رئيس فنزويلا، والتهديد باحتلال غرينلاند ودول أخرى تمتلك ثروات نفطية ومعادن، سيكون سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، وهذا سيقوض القانون الدولي و الانساني وينهي احترامه واحترام سيادة الدول وحرية الشعوب، ويقود إلى سيادة القوة في تسوية النزاعات الدولية، ويهدد العلاقات بين الدول.

2-   قيام الولايات المتحدة بعملية عسكرية ضد ايران وتزامنها مع الاحتجاجات الشعبية في ايران من أجل تغيير نظامها السياسي أو اغتيال قادتها السياسيين ستكون عواقبها كبيرة جدًا على المنطقة، فالنظام السياسي الايراني يمتلك وسائل دفاعية صاروخية قوية ومؤثرة، وهذا ما ظهر خلال حرب الـ (12) يوما  مع الكيان الصهيوني في 13 حزيران 2025، هذه الصواريخ والطائرات المسيرة قادرة على ضرب أهداف على كل جغرافية الشرق الأوسط والتي تضم قواعد عسكرية امريكية ومنشآت نفطية مهمة، والضربة الامريكية إن حدثت سوف تشعل الشرق الاوسط برمته.

3-   محاولة الولايات المتحدة سحب لقواتها العسكرية من قواعدها في المنطقة من أجل حمايتها بعد توجيه ضربة عسكرية لإيران لن يغير من المعادلة العسكرية بشيء، فايران أعلنتها صراحة إن كل المصالح الامريكية في المنطقة والكيان الصهيوني ستكون أهدافا مشرعة لها، وقد تطال هذه الضربات حتى المنشآت المدنية في المنطقة إن تطور النزاع، ومن هنا بدأت الاعتراضات من دول المنطقة ضد الضربة العسكرية الامريكية على ايران.

4-   إن اثارة  الادارة الامريكية و دعمها للشارع الايراني وتغيير نظامه السياسي بالقوة سيكون له تداعيات خطيرة على أمن المنطقة و استقرارها،  فايران تضم في ثنياها أقليات قومية ودينية عديدة، وبعضها تمتلك مجموعات مسلحة مثل كوملة الكردية جماعة ريغي البلوشية، وجماعات عربية، فضلا عن وجود اطماع من بعض دول جوار ايران كما في سعي اذربيجان لضم الاقلية الآذرية في شمال ايران، كل ذلك سوف يفتح جبهات عديدة وفوضى اقليمية لا تحمد عقباها، وهذا ما صرح به وزير الدفاع الايراني (عزيز نصير زاده) (من إن ايران قد لا تتمكن من منع عدم الاستقرار من الانتشار خارج حدودها)، وهنا فإن الفوضى قد لا تقتصر على ايران بل تمتد لتشمل كل دول المنطقة.

5-   أي تداعيات في المنطقة سوف تنعكس على سوق النفط والغاز العالمي، قوة الصراع وامتداده إلى حقول النفط والممرات سوف يرفع أسعار النفط وحدوث أزمة طاقة عالمية كبيرة في فصل الشتاء، ولا سيما إن رهان الإدارة الامريكية على نفط فنزويلا قد تراجع بعد كشف الاحتياجات الضخمة من الأموال (ما يقارب من 100 مليار دولار) لتطوير هذا القطاع كذلك تكلفة استخراجه ونوعيته غير المرغوبة جعل منه رهان خاسر.

      إن استهداف ايران وإثارة الفوضى في المنطقة ستكون في صالح الكيان الصهيوني فقط، والذي تحاول حكومته التمدد على حساب دول المنطقة كما في سوريا ولبنان وفلسطين، كذلك إن الكيان الصهيوني يعتقد أن مشروعهم المزعوم والوهمي من النهر للنهر سوف يتحقق بسقوط ايران، وتفتتها، ما تقوم به الإدارة الامريكية من جر العالم للفوضى السياسية والاقتصادية والمجتمعية واحتلال الدول والسيطرة على ثرواتها هو للخروج من أزماتها الداخلية ( مديونية كبيرة جدًا)، وتفكك مجتمعي وسيطرة العصابات على بعض المدن، وتجارة المخدرات والتضخم ، كذلك تحاول السيطرة على العالم وتشكيل نظام دولي احادي وضرب كلا من روسيا والصين، نتائج الصراع الامريكي الدولية قد ترتد عليها ايضا ولاسيما إن شعبية إدارتها في أدنى مستوى لها، فضلا عن إن قرارات (ترامب) في ما يخص الهجرة وعمليات شرطة الهجرة والقتل قد حرك الشارع الامريكي ضده، كل ذلك ستكون له تداعيات على إدارة (ترامب) وسياساته المستقبلية.