الحرب الهجينة في العصر الرقمي : توظيف الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية –الإسرائيلية تجاه إيران

      التعليقات على الحرب الهجينة في العصر الرقمي : توظيف الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في الاستراتيجية العسكرية الأمريكية –الإسرائيلية تجاه إيران مغلقة

ظهر مصطلح “الحرب الهجينة ” في الأدبيات الاستراتيجية الغربية في مطلع الألفية الثالثة إلا أن الجذور الفكرية تمتد لعقود , وقد أشار العميد الأمريكي المتقاعد ” فرانك هوفمان في دراسته عام 2007 الى الحرب الهجينة بأنها تجمع بين التهديدات التقليدية وغير التقليدية مثل التهديدات الإرهابية والاجرامية في مسرح عمليات واحد وقد جاءت الحرب الروسية الجورجية سنة 2008 لتكرس هذا المفهوم عمليا غير ان الحرب الهجينة في عصر الذكاء الاصطناعي تتجاوز المفهوم والاطار الذي حدده “فرانك هوفمان ” لتضيف إليه بعدا لم يكن في الحسبان وهو البعد الخوارزمي فالخوارزميات باتت أداة للحرب قبل الحرب إذ لم تعد الدبابات والطائرات والسفن الحربية هي الأدوات الوحيدة في رسم خرائط النفوذ والقوة العسكرية إذ أن مفهوم الحرب يشهد تحولاً جذرياً في الصراع الدولي وتحديد موازين القوى مع الثورة الرقمية وانفجار البيانات الضخمة ودخول الذكاء الاصطناعي في تحديد ورسم الخطط العسكرية وتتبع الأهداف ذات الأهمية العليا وقد ميز الباحث الاستراتيجي “ماكس بوت ” بين ثلاثة أجيال من الصراع الهجين , الجيل الأول الذي يعتمد على الإكراه والتهديد العلني والجيل الثاني الذي يضم الوكالة والحرب بالنيابة ,و الجيل الثالث الذي يركز على الفضاء الالكتروني والمعلومات والذكاء الاصطناعي وان هذا الجيل هو الذي يهيمن على الصراع الجاري بين أمريكا _اسرائيل _ ايران , تتكون الحرب الهجينة المعاصرة من سبع مكونات رئيسية متشابكة تبدأ : بالعمليات السيبرانية الهجومية والدفاعية , وحرب المعلومات والتضليل الاستراتيجي , والعمليات الاستخباراتية والالكترونية المتطورة والحرب بالوكالة عبر الجماعات المسلحة غير الحكومية , والحصار الاقتصادي والعقوبات كأدوات ضغط استراتيجي , والعمليات النفسية والتأثير في الأدراك العام من خلال استخدام أدوات الاعلام والتضليل فالحرب التي تدور الآن بين إسرائيل وامريكا كحلف بالضد من الجمهورية الإسلامية في إيران تخطت الابعاد التقليدية في جوهر الحرب من المقاربة الجيوسياسية التقليدية الجغرافية والموارد الطبيعية الى الجيو_تقنية تضيف إليها متغير التفوق التقني كامل حاسم في تحديد موازين القوى ومن هذا المنطلق يرى جوزيف ناي أن القوة في العصر الرقمي تتشكل من ثلاث مكونات : القوة الصلبة العسكرية والاقتصادية التقليدية , والقوة الناعمة القائمة على الجاذبية الثقافية , والقوة الذكية والتي تدمج بين الاثنتين عبر عبر التفوق التكنولوجي
الذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي مشروع “مافن ” نموذجاً
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية تكنولوجية بل أصبح ركيزة أساسية في العقيدة العسكرية الحديثة للدول الكبرى وقد أصبح من معالم القوة والسيادة، حيث يعمل على تعزيز القدرات القتالية من خلال تحسين الخطط العسكرية وإدارة العمليات اللوجستية وتقديم الدعم الحاسم في اتخاذ القرارات في الوقت القياسي
تستثمر الولايات المتحدة الامريكية بشكل غير مسبوق في توظيف الذكاء الاصطناعي عسكريا , وقد خصصت وزارة الحرب الامريكية “البنتاغون” (اكثر من 2.5مليار دولار ) لهذه المشاريع , ويتصدر هذا المشاريع هو مشروع “مافن”وهذا المشروع ليس مجرد تقني بل بداية عصر الحرب الخوارزمية من خلال تحليل صور الطائرات بدون طيار وصور الأقمار الصناعية والتعرف التلقائي على الأهداف من خلال تحليل كميات ضخمة من البيانات ( فيديو ,صور , إشارات ) بسرعة هائلة حيث يمثل هذا المشروع لحظة مفصلية في مجال الحرب حيث تحولت الأهداف من القرار البشري الى القرار الخوارزمي ,

نظام لافندر الهندسة الإسرائيلية للقتل الخوارزمي
يعمل” لافندر ” وفق نموذج تصنيف متعدد الطبقات يعتمد على تحليل بيانات الهاتف والاتصالات الرقمية وانماط الحركة و وسائل التواصل الاجتماعي من خلال جمع بيانات ضخمة ويشمل استخبارات الإشارات وسجل المكالمات ورسائل الواتساب وبيانات تطبيقات الدفع ثم يصنف الأهداف في مستويات , قيادات ميدانية او عليا او وسطى وفق الخبراء أن نظام “لافندر ” يعمل بدقة تتراوح من 90-92%, ان هامش الخطأ المتبقي والبالغ من 8-10% يعد مقبولا في سياق الآلاف من الأهداف , وقد تم إضافة نظام ” غوسبل” يعمل بالتوازي مع نظام لافندر ولكنه يركز على اختيار وتحديد الأهداف المادية ( مباني , منشآت , مواقع عسكرية واستراتيجية ) اما نظام (سكاي آي ) يستخدم لمراقبة مساحات واسعة باستمرار وتحليل عمليات إطلاق الصواريخ والمسيرات
لقد استثمرت إسرائيل مبالغ ضخمة جدا لتعزيز تفوقها التكنولوجي في الجانب الأمني والعسكري حيث يتركز هذا الأنفاق الضخم بشكل أساسي على دمج الذكاء الاصطناعي في العمليات الهجومية والدفاعية وتطوير أسلحة الطاقة الموجهة فنظام ” حبسورة ” هذا النظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي في تحديد الأهداف للهجوم عليها بسرعة فائقة من خلل جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات الاستخبارية , نظام ” روم ” نظام استشعار مدعومة بالذكاء الاصطناعي يرتبط بالرادارات لتحديد تصنيف المسيرات وتقديم تنبيهات فورية للقوات الجوية

الحرب السيبرانية ضد إيران
الصراع الأمريكي _الإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية في إيران ليست حرباً تقليدية بل هو مزيج متعدد من العمليات الحرب السرية والحرب من خلال الفايروسات والحرب السيبرانية التي أصبحت جزء لا يتجزأ من مشروع إسرائيلي امريكي يعمل ضد إيران لم تعد تلك الهجمات السيبرانية مجرد “اختراقات” محدودة بل جبهة حرب منظمة وكان اول تلك الهجمات هجوم “ستوكسنت” من 2007-2010, ناتج عن تعاون امريكي إسرائيلي الهدف كان منشأة نطنز النووية من خلال استهداف أنظمة التحكم والسيطرة وقد تسبب ذلك بتدمير 1000, جهاز طرد مركزي , وتعطيل 20% ,من البرنامج النووي الإيراني , وهذا كان يمثل اول سلاح سيبراني في التاريخ يحدث تدميرا ماديا فعليا , فيروس ” دوكو” في سنة 2011, الوظيفة لهذا الفايروس كان للتجسس الصناعي وجمع المعلومات تمهيدا لمهاجمتها لاحقا , كذلك برنامج ” فليم ” في سنة 2012, برنامج تجسس سيبراني متقدم يعمل على تسجيل المكالمات والتقاط صور للشاشة وسرقة البيانات كان يستهدف الوزارات والمؤسسات الحكومية الإيرانية , في مجال التخريب الاقتصادي قامت إسرائيل بين 2021-2024, من خلال هجمات ” العصفور المفترس ” مهاجمة محطات الوقود ومصانع الصلب وقد تسبب بتعطيل خدمات واسعة , لقد استخدمت إسرائيل الحرب السيبرانية لاستهداف العصب التقني للدولة وذلك سهولة إنكار رسمي وصعوبة الإثبات ضدها كذلك تكلفة أقل من الحرب التقليدية تأثير استراتيجي كبير ويسبب خسائر مادية كبيرة
الحرب الهجينة استراتيجيات ايران للمواجهة
الحرب الهجينة التي اعتمدتها إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال اعتمادها على شبكة فاعلين ” وكلاء ” في جغرافية متعددة وخارج حدودها كما استطاعت إيران ولمواجهة وتعويض الفجوة بينها وبين الطرف الاخر في الحرب هي تطوير واستثمار مكثف في الطائرات المسيرة هذه التكنولوجيا أصبحت وسيلة للإنهاك فهي رخيصة الثمن ويصعب رصدها واستخدام صواريخ عالية التكلفة لصدها مما يتسبب عدم تماثل اقتصادي بين وسيلة الهجوم و وسيلة صد الهجوم , كما نجحت إيران في نقل المعركة الى اطراف ودول أخرى متعددة ” العراق , لبنان , اليمن ” كذلك دول الخليج العربي , مما وسع الرقعة الجغرافية للحرب , كما استخدمت ايران مضيق هرمز كأداة ابتزاز استراتيجي من خلال إغلاقه مما تسبب بأزمة طاقة عالمية مما أدى الى ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا

الخاتمة
في المحصلة لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة مساعدة في الحرب , بل أصبح عامل حاسم يعيد تشكيل مفهوم القوة والسيطرة ,كذلك لم تعد القوة العسكرية التقليدية وحدها هي المقياس الأوحد للهيمنة الدولية والعالمية بل امتلاك تقنيات الذكاء الاصطناعي والقدرة على جمع البيانات ومعالجتها وتسريع القرارات , ودمج الأنظمة الذكية مع الأدوات القتالية الميدانية
وعليه , فأن المستقبل لمن يملك تلك التقنيات ومن يسيطر عليها ومن يطورها لأن حروب المستقبل تتجه نحو استخدام أوسع لتقنيات الذكاء الاصطناعي , ومن يملك تفوقا في هندسة الذكاء الاصطناعي وتوظيفه عسكريا هو من يحدد مفهوم الهيمنة والسيطرة العسكرية مستقبلا .