
ثمة مؤشراتٌ قد تعطينا انطباعاً بأن الولايات المتحدة متجهةٌ فعلاً نحو المفاوضات بجديةٍ ، من أهمها :
١- ما رَشح من تسريباتٍ بأن الرئيس الأمريكي هو الذي طلب من رئيس الوزراء الباكستاني (شاهباز شريف) الاتصال بإيران لغرض الاتفاق على هدنةٍ لإيقاف إطلاق النار. وهذا ليس تحليلاً أو تسريباً من مصدرٍ مجهول ، بل هو معلومةٌ نشرتها صحيفة (الفايننشال تايمز) الشهيرة .
٢- الاحتجاجات الكبيرة في آلاف المدن الأمريكية، التي طالبت بإنهاء الحرب ضد إيران وانتقدت أداء الإدارة الأمريكية بشدةٍ ووصفتهم بأنهم (ملوك) لا بعبأون بالشعب ولا يهتمون إلا بمصالحهم الشخصية !! الأمر الذي مثّل ضغطاً كبيراً على الإدارة الأمريكية للخروج من مأزق الحرب.
٣-كثرة الضغوطات الاقتصادية على الرئيس الأمريكي الناجمة من الحرب ومن غلق مضيق هرمز، والتي أدت بمجملها إلى الإنهاك الاقتصادي لأمريكا، وألقت بظلالها على حياة الأوربيين عموماً والأمريكيين خصوصاً.
ما أفضى الى قيام ترامب بالتفكير جدياً لغرض معالجة هذه الضغوطات ، ولن يتحقق ذلك إلا عن طريق إنهاء الحرب .
وعلى الرغم من أن هذه المؤشرات قد تعطينا تفاؤلاً مفاده أن الولايات المتحدة لديها النية للتوجُّه نحو المفاوضات بجديةٍ، إلا أن ثمة معطيات أخرى تدفعنا للقول إن الولايات المتحدة قد لا تكون صادقةً في نيتها الدخول في المفاوضات بجديةٍ وإنهاء النزاع ، وأهم هذه المعطيات ما يأتي :
١- إن الرئيس الأمريكي بات معروفاً للجميع بعدم صدقهِ وبتناقض أقواله وأفعاله وبالرجوع عن وعودهِ.
٢- لقد شهد العالم أجمع تجربتين سابقتين للتفاوض ، الأولى قبل الحرب الماضية في العام المنصرم ، والأخرى قبل نشوب هذه الحرب. فقد ذهبت إيران آنذاك بحسن نية -رغم انعدام الثقة بالطرف الآخر- وتعاملت مع الحدث بجديةٍ ،بشهادة الطرف الوسيط عُمان. لكن الطرف الأمريكي نكث بوعوده وغدر بأسلوبٍ فاضحٍ وواضح !! ومَن نكث وغدر مرتين يصعُب أن يفي ويصدق في الثالثة !!
وهذا ما يعلمه المسؤولون الإيرانيون، وما دأبوا على تكراره صراحةً. فقد ذكر وزير الخارجية (عراقجي) أنه : (على الرغم من ذهابنا للمفاوضات في باكستان لكننا لا نثق بالطرف الأمريكي) ، وما ذكره أيضاً المتحدث باسم الحكومة الإيرانية :(إن إرسال وفدنا إلى باكستان يُظهر عزيمتنا على التفاوض ولكن أيدينا ستبقى على الزناد) !!
٣-كثرة التحشيد الذي تقوم به أمريكا على الصُعد العسكرية كافةً ، بدءاً بنقل الجنود والمارينز -ومنهم ألفي مقاتل من الفرقة 82 المحمولة جواً- ، ومروراً بنقل الأسلحة وطائرات الشحن العملاقة وحاملة الطائرات الجديدة (جورج دبليو بوش) التي هي في طريقها الآن للانتقال من المحيط الأطلسي إلى الشرق الأوسط، وانتهاءً بنقل المستشفيات العسكرية المتنقلة. حيث من المتوقع أن يكتمل عدد المقاتلين في غضون الأسبوعين -وهي مدة الهدنة- ليربو على الخمسين ألفاً أو أكثر . وكل هذه التحشيدات تُذكّرنا بما حدث قبل الحرب الحالية ، فقد كان الرئيس الأمريكي وقتئذٍ يُطمئن الجميع بأن بلاده تُجري (مباحثاتٍ جديةً ورائعةً مع إيران) ، لكن الحشود كانت تتدفق الى منطقة الشرق الأوسط. فإذا كانت النوايا سليمةً وتختلف عمَّا حصل في المرتين السابقتين فلمَ هذه الحشود مستمرةً وتزداد أكثر !!!
لا ريب في أن الولايات المتحدة تبحث عن الوقت بغية استكمال العدد ولإعادة التسليح. ودليل ذلك ما ذكره رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية (دان كين) من أن : (الهدنة الحالية هي مجرد استراحة ) !!
وبناءً على ما تم عرضه يمكن القول بوجود التفاؤل فيما لو أخذنا بالمؤشرات المذكورة آنفاً ، بيد أنه تفاُؤلٌ حذِر يمكن أن يغشاه تشاؤمٌ مُسوَّغٌ ومعقولٌ ، وذلك فيما لو نظرنا إلى المعطيات التي تدلُّ على عدم مصداقية الطرف الأمريكي.
هذا من ناحيةٍ، ومن ناحيةٍ أخرى يبدو أن ثمة عاملين اثنين مضافين يمكن أن يجعلا البعض يُرجّحون كفة التفاؤل على التشاؤم ، وهما :
١- حينما كان الرئيس الأمريكي وإدارته ينقضون عهودهم ويغدرون لم تكن الحرب قائمةً في حينها ، أمّا الآن فالحرب قائمةٌ واستمرت أكثر مما توقعه الكثيرون ، وقد فشلت -بإقرار أغلب المراقبين والمتابعين – في تحقيق أهدافها المعلنة من قبل طرفيها الأمريكي والصهيوني. ما يعني أن الطرف الأمريكي يذهب الآن للمفاوضات وهو مُثقلٌ بالفشل وخائفٌ من تداعيات الحرب السياسية والاقتصادية وقلقٌ من آثارها السلبية في الإنتخابات البرلمانية النصفية المقبلة بعد بضعة أشهر عليه وعلى حزبه ، ولا سيما أن هذه الانتخابات باتت تقترب وتؤثر في مزاج الشارع الأمريكي سلباً من ناحية شعبية الحزب الجمهوري-حزب ترامب- بحسب أغلب استطلاعات الرأي !! ويقيناً إن استمرار الحرب سيفضي إلى تدنّي شعبية الحزب الجمهوري أكثر وستكون الخسارة مؤكدةً ، ما يدفع هذا الحزب لحث ترامب على إنهاء الحرب !!
٢- لقد اختار الرئيس الأمريكي نائبه (جي دي فانس) لرئاسة الوفد الذي سيجري المفاوضات اليوم في إسلام آباد بدلاً من (ويتكوف وكوشنر).وهو اختيارٌ يحمل رسالةً ذات معنيين :
الأول : إن هذا الوفد هو أرفع مستوىً لوفدٍ أمريكي يتفاوض مع إيران منذ انبثاق الثورة الإسلامية في 1979، وهو ما -قد- يكون مؤشراً على وجود النية لجعل هذه المفاوضات حاسمةً وجديةً ، لأنها تُدار من قبل أرفع رجلٍ في الإدارة الأمريكية بعد الرئيس، وهو يتمتع بالصلاحيات اللازمة لحسم أي اتفاق. بخلاف الاثنين المذكورين آنفاً، فهما مبعوثان للرئيس وليسا جزءاً من الإدارة ، ولا يتمتعان بالصلاحيات التي يتمتع بها نائب الرئيس.
الثاني : لقد انتقد البعض -في داخل الولايات المتحدة وفي خارجها- قيادة المفاوضات الأمريكية السابقة مع إيران من قبل (ويتكوف وكوشنر)، وذلك لكونهما يمثّلان مصلحة الكيان الصهيوني أساساً لا أمريكا ، بخلاف نائب الرئيس (دي فانس) الذي رحبّت الأوساط السياسية بترؤسه المفاوضات الحالية في إسلام آباد، لكونهم يعتقدون أنه يسعى لتمثيل مصلحة أمريكا أولاً وليس مصلحة الكيان.
بيد أن المعضلة الرئيسة التي تبقى عائقاً أمام عاملي التفاؤل هذين هي شخصية الرئيس الأمريكي المزاجية والمتقلبة والمتناقضة ، إذ بإمكانه ذكر ثلاثة أمورٍ متناقضةٍ تماماً في غضونٍ ساعةٍ واحدة، كما أن تأريخ المفاوضات الأمريكية-الإيرانية يُنبؤنا بعدم مصداقية الطرف الأمريكي للأسف !!!
ناهيك عن وجود رئيس الوزراء الصهيوني الذي أثبتت هذه الحرب مدى عدوانيتهِ ووحشيته وتأثيره الكبير في قرارات الرئيس الأمريكي ، فهو يرفض تماماً هذه المفاوضات ويسعى لنقضها وتخريبها بكل قوةٍ !! وليس أدلُّ على ذلك من قيامه بارتكاب جريمة إبادةٍ جماعيةٍ في بيروت بمجرد الإعلان عن هدنة وقف إطلاق النار ، خلافاً لرغبة الولايات المتحدة ورئيسها !!




