الكوتا النسائية بين التمكين الشكلي والتمثيل الحقيقي

      التعليقات على الكوتا النسائية بين التمكين الشكلي والتمثيل الحقيقي مغلقة

د. جمانة جاسم الأسدي/ كلية القانون جامعة كربلاء

باحثة مشاركة في قسم إدارة الأزمات في مركز الدراسات الاستراتيجية/ جامعة كربلاء

       منذ إقرار النظام الديمقراطي في العراق بعد عام (2003)، كانت الكوتا النسائية إحدى أبرز الآليات، التي استُحدثت لضمان مشاركة المرأة في الحياة السياسية، بعد عقودٍ طويلة من التهميش، والإقصاء السياسي، وقد مثّلت نسبة الـ (25%) التي أقرها الدستور العراقي، في المادة (49/ رابعًا)، خطوة متقدمة في حينها، إذ أتاحت للنساء الدخول إلى البرلمان، ومجالس المحافظات، بصورة لم تكن ممكنة من قبل. لكن بعد مرور أكثر من عقدين على تطبيق التجربة، يبرز سؤال جوهري: هل أسهمت الكوتا فعلًا في تمكين المرأة سياسيًا، أم تحوّلت إلى أداة تمثيل شكلي، لا تعبّر عن جوهر المشاركة النسوية، ولا تحقق المساواة الحقيقية، التي بشّر بها المشرّع، والدستور؟

يُفترض أن تكون الكوتا وسيلة تصحيح مؤقتة، تُستخدم لتجاوز الاختلال التاريخي في تمثيل المرأة، لا أن تتحوّل إلى قاعدة دائمة تُفرض من أعلى، من دون أن تبني قاعدة انتخابية شعبية من أسفل. لقد كشف الواقع العراقي للأسف، أنَّ الكوتا لم تخلق بعدُ نخبة نسوية كفوءة، وقادرة على تمثيل قضايا النساء، على وجه الخصوص في التشريع، والرقابة، وصنع القرار، ففي كثير من الدورات البرلمانية، صعدت بعض المرشحات لا على أساس الجدارة، أو الكفاءة، بل بفضل التحالفات السياسية، أو الولاءات الحزبية، أو الدعم العائلي، والعشائري، والنتيجة أنَّ كثيرًا من المقاعد النسائية، أصبحت رمزية أكثر منها فاعلة، ولم تُترجم إلى مبادرات تشريعية، أو رقابية، تخدم قضايا المرأة العراقية، أو تحسّن وضعها في ميادين العمل، والأسرة، والتعليم.

في الوقت ذاته، لا يمكن إنكار أنّ الكوتا انطلقت من نية عادلة، تجسد رفع الظلم التاريخي عن المرأة، لكنَّها أُفرغت تدريجيًا من مضمونها، بفعل التطبيق الحزبي، والسياسي. لقد تحوّل التمكين إلى رقمٍ في قوائم الانتخابات، وأضحى تمثيل المرأة وسيلة تجميل للديمقراطية، لا أداة إصلاحٍ للمجتمع، فالعدالة تقتضي أن يكون معيار التمثيل هو الكفاءة لا النوع، فالمجتمع لا ينهض بالرجال وحدهم، ولا بالنساء وحدهن، بل بمن يملك القدرة على حمل الأمانة العامة، كما عبّر القرآن الكريم: “أِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ” (القصص: 26)، وهذان المعياران – القوة والأمانة – يشكلان أساس التمثيل العادل في الرؤية الإسلامية، بعيدًا عن أي تمييزٍ شكلي قائم على الجنس، أو الانتماء.

من المفارقات الملحوظة أنَّ الكوتا، على الرغم من أنَّها أُقرت لإنصاف المرأة، خلقت وعيًا اجتماعيًا عكسيًا لدى بعض الفئات، إذ رسّخت صورة مفادها أنّ المرأة لا تستطيع الصعود السياسي، إلا عبر الاستثناءات القانونية، لا عبر التنافس الحر! هذا التصور خطير، لأنَّه يُضعف ثقة المجتمع بقدرة المرأة، ويجعل وجودها في البرلمان يبدو منحةً لا استحقاقًا، كما أنَّ التمكين الحقيقي لا يُمنح بقرارٍ قانوني، بل يُبنى عبر التعليم، والثقافة، والتدريب، والمشاركة الاقتصادية، بحيث تصبح المرأة قادرة على انتزاع موقعها بجهدها، لا بامتيازٍ استثنائي.

على الرغم من أنَّ الفكر الإسلامي، لا يعارض مشاركة المرأة في الشأن العام، بل يقرّ لها ذلك بحقٍ أصيل، في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والمشورة، والرأي، لكنّه في الوقت نفسه لا يربط هذا الحق بنظام الحصص، والتخصيص. إذ ينظر الإسلام إلى الإنسان، بوصفه فردًا مكلّفًا، ومسؤولًا، بقدر طاقته، وعلمه، وعدالته، لا بصفته ذكرًا أو أنثى. وقد شَهِد التاريخ الإسلامي نماذج نسائية بارزة، كان لهن أثر سياسي، وتشريعي، وفقهي، عميق، من دون حاجة إلى نظام الكوتا، مثل السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، التي مثّلت ضمير الأمة في لحظة الانحراف السياسي، والسيدة زينب الحوراء (عليها السلام) التي أدّت دورًا قانونيًا اجتماعيًا، في كشف الظلم، والدفاع عن الحق، وهذه النماذج تؤكد أنَّ الإسلام يكرّم المرأة، بقدر عطائها، وكفاءتها، ومكنتها، لا بقدر ما يُمنح لها من مقاعد.

وللأمانة، من الخطأ إلغاء الكوتا النسائية كليًا، فهي ما زالت حاجة انتقالية في مجتمع، لم تتكافأ فيه فرص التمثيل بعد، لكن الإصلاح الحقيقي يكون بتحويلها من كوتا عددية إلى كوتا نوعية، فلا يكفي أن تكون المرأة حاضرة في البرلمان، بل يجب أن تكون حاضرة بالعقل، والرؤية، والتأثير، والدفاع عن حقوق المرأة، ومتابعة شؤونها. كما يمكن أن يشمل الإصلاح، اشتراط مؤهلات علمية، أو اختصاصية، للمرشحات ضمن الكوتا، لضمان نوعية التمثيل، وتدريب القيادات النسائية الشابة، وتأهيلهن، سياسيًا، وإداريًا، قبل دخول العمل النيابي، وتخصيص مقاعد ضمن الكوتا، لنساء من فئات المجتمع المختلفة (الأكاديميات، والعاملات، والناشطات)، وأن يكون هنالك تقييم دوري لأداء الكوتا، وقياس أثرها في التشريع، والرقابة، لا في التمثيل الشكلي.

ختامًا، الكوتا النسائية في العراق فكرة نبيلة أُسيء تطبيقها، فاختلط فيها المقصد بالوسيلة، وتحول التمكين إلى تمثيل، والعدالة إلى ديكور سياسي، كما أنّ المعيار في كلّ تجربة ديمقراطية، ليس في عدد النساء داخل المجلس، بل في نوعية حضورهنّ، وقدرتهنّ على إحداث التغيير فعليًا، ولعلّ العودة إلى روح الإسلام، وإلى فلسفة القانون الدستوري في تحقيق العدالة، والمساواة، تذكّرنا أنَّ الكرامة لا تُمنح بالنسب المئوية، بل تُنتزع بالوعي، والكفاءة، والعطاء، فحين تصبح المرأة العراقية حاضرة بجدارتها لا بكوتاها، وتتابع شؤون المرأة التي صعدت لتمثيلها، عندها فقط يمكن القول: إنّ العدالة قد أخذت مجراها الحقيقي