تحولات ميزان القوى الاقليمي وأثرها على العراق في ظل تصاعد الصراع الإيراني -الامريكي الإسرائيلي

      التعليقات على تحولات ميزان القوى الاقليمي وأثرها على العراق في ظل تصاعد الصراع الإيراني -الامريكي الإسرائيلي مغلقة

منذ احداث السابع من أكتوبر 2023, والشرق الأوسط يعيش حالة مخاض عسير حيث لم يعد الصراع محصور في نطاق جغرافي محدد ” فلسطين -غزة” بل تحول الى ما يمكن وصفه سلسلة تصعيد إقليمي مترابط أدت الى تفكيك أنماط الردع التقليدي وقواعد الاشتباك وسرعان ما أدى ذلك الى تدخل العابر للحدود من فواعل إقليمية “مثل الحوثيين في اليمن، وحزب الله في لبنان والفصائل في العراق ما يعرف ” بمحور المقاومة ” وفق رؤية ” وحدة الساحات ” وقد انخرطت هذه القوى في عمليات عسكرية مباشرة وغير مباشرة ضد إسرائيل والمصالح الامريكية مما أدى اتساع رقعة النزاع وتحوله الى صراع متعدد الجبهات مما يعكس هذا الامتداد في الصراع الى نموذج ” الحرب الشبكية الإقليمية الواسعة ” حيث دخلت منطقة الشرق الأوسط في مرحلة ” إعادة تشكيل النظام الإقليمي الجديد” كما أن هذا الصراع لم يعد عسكرياً فقط , بل أصبح متعدد الابعاد ” السياسية , الاقتصادية ,ديموغرافيا ” من خلال استهداف البنى التحتية الحيوية وطرق التجارة العالمية في البحر الأحمر و مضيق هرمز مما أدى الى تداعيات اقتصادية وامنية عالمية .

وفي أوج الأزمة حدث زلزال استراتيجي بتاريخ 8/12/2024, سقوط نظام الأسد في سوريا إذ أن هذا الحدث يمكن اعتباره أبرز حدث في 2024 , ويمكن مقارنة ” بسقوط جدار برلين “1989 لأن هذا الحدث لا يمثل مجرد سقوط نظام دكتاتوري، بل تحولاً جيوسياسياً , وقد ساهمت به كل من تركيا وإسرائيل بحدوث هذا الزلزال الجيوسياسي .

الحرب الامريكية الإسرائيلية – الإيرانية
في 28/شباط 2026, شنت الولايات المتحدة وإسرائيل عملية ” الغضب الملحمي “ضد الجمهورية الإسلامية في إيران , وهي ضربات عسكرية وجوية واسعة النطاق استهدفت القيادة الإيرانية العليا , بما في ذلك اغتيال المرشد الأعلى السيد علي خامنئي , ويمثل هذا الصراع ليس مجرد مواجهة ثنائية , بل هو نقطة تحول في ميزان القوى الإقليمي , يعيد تشكيل ” الشرق الأوسط الجديد ” والذي يرسم وفق اتفاقيات إبراهيم وتطبيع العلاقات العربية –الإسرائيلية , فالعراق وبموقعة الجغرافي المركزي (حدود مع إيران وسوريا ) و (القواعد الامريكية , وموانئ النفط) يجد نفسه محاصراً في هذه الأزمة الكبرى , سياسياً وأمنياً واقتصادياً , إذ يقع العراق في قلب هذا الصراع دون أن يملك أدوات التأثير الكافية لتحييد تداعياتها وأن حجم الضغوط تزداد يوماً بعد يوم خصوصاً ان إيران بنت استراتيجية ” الدفاع الأمامي ” القائمة على بناء حلفاء لها وكما أرست نفوذاً متعدد الطبقات في عموم المنطقة لمواجهة التواجد الأمريكي وفي العراق مما حول العراق الى ساحة استنزاف للوجود الأمريكي , الجانب الأمريكي يسعى الى تحيد او عزل العراق عن ايران وقد استخدمت وسائل الضغط الدبلوماسية والاقتصادية على الحكومة العراقية لاتخاذ التدابير والإجراءات السياسية والأمنية والعسكرية والاقتصادية للسيطرة على الفصائل المسلحة واحتوائها وعدم التصعيد واستهداف المصالح الامريكية

المستوى الأمني
على الصعيد الأمني أسفرت التحولات الإقليمية وتصاعد الصراع عن مسارات متشابكة المسار الأول حالة الفراغ الأمني في الجانب السوري وتصاعد التهديد الأمني نتيجة الفوضى والنزاعات في الجغرافية السورية حيث تتواجد قيادات تنظيم داعش الإرهابي والآلاف من عناصره في السجون السورية نتيجة الصراع بين الجماعات المسلحة قد اضطر العراق الى نقل الألاف منهم الى السجون العراقية وزيادة المراقبة والاستنفار على الحدود السورية , اما المسار الثاني تصاعد العمليات العسكرية الاستهدافات للقواعد الامريكية والسفارة الامريكية من قبل الفصائل المسلحة كذلك الضربات الجوية لمقار الحشد الشعبي , المسار الثالث وفي سياق الفوضى الإقليمية قد تستغل التنظيمات الإرهابية فرصة الانشغال في ظل هذه الظروف للتحرك مستغلةً هذه الحالة لإعادة بناء مجاميعها ,

المستوى السياسي
المشهد السياسي في العراق يعيش حالة ” الشلل الهيكلي ” حيث تفتقر الدولة ومؤسساتها الى الاستقلالية الاستراتيجية الكافية لاتخاذ القرارات السيادية بعيداً عن الضغوط الفواعل الإقليمية والدولية , وفي ظل استمرار الصراع الأمريكي الإسرائيلي ضد الجمهورية الإسلامية في ايران تزداد الضغوط لتحويل العراق منطقة تماس “جيوسياسي” تتقاطع فيها المشاريع والنفوذ الإقليمي , وبما أن العراق تتعدد فيه مراكز القوة مما يضعف قدرة الدولة على فرض سيطرتها وحماية مصالحها من الانزلاق في الصراع والانقسام الحاد حول الموقف من الصراع مما يفتح المجال التدخل الدولي في الشؤون الداخلية وفرض سياسات معينة تحت الضغط وأن العراق لا يملك عناصر القوة التي تأهله الى رفض تلك التدخلات , اما الرؤية الامريكية الى العراق قد عبرت عنها بأكثر من وسيلة وأداة حيث انتقلت الاستراتيجية تجاه العراق من نموذج ” الاحتواء ” الى نموذج ” إعادة الضبط القسري ” حيث عمدت الولايات المتحدة الى اتخاذ خيارات فعلية ولم تعد تكتفي بردود الفعل , بل انتقلت الى الفعل الاستباقي من خلال تنفيذ مطالب سياسية وتنفيذ عمليات عسكرية وتسعى من خلال ذلك ضمن تامين مصالحها الاستراتيجية حيث تعتبر العراق كساحة حيوية

المستوى الاقتصادي

يمكن اعتبار العراق اكثر الخاسرين اقتصاديا ً في ظل استمرار الصراع الدائر بين الجمهورية الإسلامية في ايران من جهة وامريكا وإسرائيل من جهة أخرى , فالعراق اقتصادياً يصنف من الدول الريعية أحادية المورد وبنسبة تتجاوز 92% من إيرادات النفط , فالعراق وفق هذه المعطيات يعد الأكثر تضرراً كما أنه لا يملك صناديق سيادية او احتياطيات مالية تمكنه من تحمل صدمات اقتصادية لذلك فأن اعلاق مضيق هرمز يمثل خنق للاقتصاد العراقي فالاقتصاد العراقي يفتقر الى آليات توليد الثروة خارج القطاع النفطي , والقطاع الخاص لا يساهم إلا بنسبة هامشية من الناتج المحلي وهو كذلك يعتمد على الأنفاق الحكومي الريعي المستمد من النفط , كذلك يعتمد العراق على الاستيراد بنسبة اكثر من 80% من الاحتياجات الغذائية والدوائية والمستلزمات الطبية ويمكن تصنيف العراق ضمن الدول الهشة في تأمين الأمن الغذائي والدوائي داخلياً وهذا قد يسبب تداعيات اجتماعية تهدد الاستقرار في حال استمرت الاغلاق فترة أطول , كذلك يؤدي استمرار توقف الصادرات النفطية الى تآكل الاحتياطيات النقدية

الخاتمة
يمثل الصراع الإيراني –الأمريكي الإسرائيلي تحولاً جذرياً في ميزان القوى الإقليمي مما قد يعرض العراق الى أزمة متعددة الأبعاد تهدد الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي حيث يقف العراق في هذه المرحلة الدقيقة امام استحقاق وجودي غير مسبوق , فالصراع الإقليمي الدائر ليس مجرد أزمة سياسية او امنية عابرة , بل تمثل تهديد مباشرة للاقتصاد والأمن بشكل مباشر مما يهدد قدرة الدولة على الوفاء بأبسط التزاماتها اتجاه مواطنيها فإغلاق مضيق هرمز حتى لو بصورة مؤقتة يشكل عبئاً اقتصادياً يدخل البلاد في نفق مالي حاد ينعكس على الأمن الغذائي والدوائي واستقرار العملة والسلم الاجتماعي ففي هذا الصراع وتبدل موازين القوى في منطقة الشرق الأوسط والعراق في قلب هذه المنطقة التي تشهد هذا المخاض العسير والترابط الكبير بين دول هذه المنطقة فأن كلفة هذه التغييرات السياسية الإقليمية ستكون مقلقة جدا للعراق خصوصاً وأن العراق لازال يحبو بطيئاً لبناء الدولة